الْمَنْظُومَةُ السُّنِيَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقِيدَةِ الْمَرْضِيَّةِ
شرح الوصية الشرعية
الْمَنْظُومَةُ السُّنِيَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقِيدَةِ الْمَرْضِيَّةِ
شرح الوصية الشرعية
شرح الابيات
٩- هَذِي وَصِيَّةُ مُودِّعٍ لِأَحِبَّتِـــــــــــــي - فَالْعُمْرُ يَمْضِي مُسْرِعَ الْجَرَيَـــــانِ
قال المصنف: ”هَذِي وَصِيَّةُ“ اي هذه الوصية الشرعية، والوصية الشرعية لها انواع، فإمّا ان تكون لبيان ما على الميت من ديون او له من حقوق على الناس، وهي الامور والمسائل المالية، وامّا ان تكون وصية للاهل خاصة في اتباع بعض الارشادات من الامور المباحة او المستحبة او الواجبة، او تكون في التحذير من بعد الاخطاء سواء المنهجية او السلوكية او العقدية او الاحكام الشرعية، سواءا اكان نابعا من عمد او جهل؛ لذك عمد المصنف الى نظم هذه الوصية لتبيان كل تلك الامور، وتحذير الاهل من اتباع الضلالات والاهواء بكل انواعها، فإن فعلوا ذلك فإنّ الميت هذا قد برّءَ ذمته من كل تلك الامور بهذه الوصية، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 181]، والكثير من الناس يستهين بهذه الامور، وكم من ميت في قبره يتمنى ان يعود ولو للحظة واحدة كي يكتب مثل تلك الوصايا التي اهمل فيها، ثم قال: ”مُودِّعٍ“ فهذا وداع وان طال امده عن وداع الدنيا المعتاد فإنّ لكل وداع لقاء، فان العودة لا بد منها، فأمّا المتقين : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [سورة الزمر: 73]، سائلين الله عز وجل ان نكون منهم، واما عياذا بالله الكافرين: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة الزمر: 71]، فكل سيُسَاق زمرا زمرا إمّا الى جنة او لجحيم، فسَوْقُ المؤمنين سوق تكريم، وسوق الكافرين سوق تنكيل وعذاب، ثم قال: ”لِأَحِبَّتِـــــــــــــي“ اي من المؤمنين الصالحين، وهذا من المحبة في الله، يقول ﷺ: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) [من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما في صحيح مسلم برقم (2586)]، وقال ﷺ: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) [من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في صحيح البخاري برقم (481)، وصحيح مسلم برقم (2585)]، ثم قال واعظا لاخوانه الاصحاء الذين حول المحتضر ”فَالْعُمْرُ يَمْضِي“ فمهما كان عمر المحتضر، ومهما عمر في هذه الارض من معمر، الا انه ميت، روِّينا في الحديث: (أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ) [من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، رواه الطبراني في المعجم الأوسط (4278)، والحاكم في المستدرك (7921)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (73)]، ومحل الشاهد ”عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ“، فالشاب اليوم هو مكاني غدا، وهكذا، ثم قال: ”مُسْرِعَ الْجَرَيَـــــانِ“ يقول النبي ﷺ: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) [من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في سنن الترمذي برقم (2377)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح]، وكذلك قال ﷺ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) [من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في صحيح البخاري برقم (6416)]، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء... ومن حياتك لموتك».
١٠- وَاسْتَغْفِرُوا الْمَوْلَى لِكُلِّ خَطِيئَـــــــةٍ - فَالْعَفْوُ صِفَةُ خَالِقِ الْأَكْــــــــــوَانِ
يوصي فيقول ”وَاسْتَغْفِرُوا الْمَوْلَى“ وهو من باب النصح والارشاد لأهله، وذلك عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم: 6]، وطلب الاسراع في التوبة هو امتثال لامر الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران: 133]، وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور: 31]، فالمحتضر الان يترك وصيته لاهله مُحذرا لتأخيرها وفوات مَحِلِّها؛ لقول النبي ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) [من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سنن الترمذي برقم (3537)، وسنن ابن ماجه برقم (4253)، وحسنه الألباني]، ثم قال ”لِكُلِّ خَطِيئَـــــــةٍ“ فإن المعاصي تنقسم الى كبائر وصغائر، والكبائر تتفاوت والصغائر تتفاوت، فهذه دعوة الى التوبة النصوحة الشاملة، والصحيح والاقرب هو ان الصغائر تذهب بعموما الثلاثة: اولا: بالاستغفار العام، ثانيا: بالاعمال المكفرة كالصلاة والوضوء والعمرة والحج وغيرها مما ثبتت فيه احاديث، وثالثا: بعموم المصائب التي تقع على المؤمن خاصة، وأما الكبائر فإنها تحتاج الى توبة نصوحة ستأتي معنا في البيت التالي برقم (١١) ان شاء الله، ثم قال: ”فَالْعَفْوُ صِفَةُ خَالِقِ الْأَكْــــــــــوَانِ“ والصحيح ان الفعو هو اسم لله (العَفُو) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [سورة النساء: 43]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [سورة الحج: 60]، وفي قول النبي ﷺ لعائشة في دعاء العشر الاواخر من رمضان: (قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) [من حديث عائشة رضي الله عنها في سنن الترمذي برقم (3513)، وقال الترمذي: حسن صحيح] والادلة على ذلك كثيرة ولله الحَمْــدُ لله والمنة، والمعلوم عند اهل السنة انّ الاسم يُشتق منه صفة لا العكس، فاسم الله العفو يشتق منه صفة العفو لله، فإنّه يوصف سبحانه بالعفو، والصحيح في صفات الله ان تثبت له كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه، فعفوه ليس كعفو المخلوقين، وأمّا قوله ”خَالِقِ الْأَكْــــــــــوَانِ“ فهي من باب الاخبار عنه سبحانه لان: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [سورة الزمر: 62] فخالق الاكوان من باب الاخبار عنه وليس اسما لله، فالمعلوم انه لا يجوز اشتقاق اسما لله من صفة ولا من خبر عنه، ثم ينتقل الان الى توضيح شروط التوبة النصوحة فقال:
١١- نَدَمٌ وَإِقْلَاعٌ وَعَزْمٌ صَــــــــــــــــادِقٌ لِلتَّوْبِ شَرْطٌ لِكُلِّ عِصْيَــــــــــــانِ
١٢- رُدّوا المظالمَ التي في ذمتــــــــــــي مالًا وعِرضًا صينَ عن بهتـــــانِ
١٣- وَتَكُونُ خَالِصَةً لِوَجْهِ إِلَهِنَــــــــــــــا رَبِّ الْعِبَادِ الْوَاحِدِ الدَّيَّــــــــــــــانِ
١٤- وَتَكُونُ فِي وَقْتِ اليُسْرِ قبل موْتــــــه تأتي الْمَنُونُ بغيرِ ما حُسْبــــــــانِ
١٥- أَوْ قَبْلَ أَنْ تَبْدُو الضُّحَى مِنْ مَغْــرِبٍ فَلَا تُقْبَلُ التَّوْبَاتُ بَعْــــــــــــدَ أَوَانِ
وهذه شروط التوبة النصوحة الستة:
الشرط الاول: ”نَدَمٌ“ عن الذنب الذي ارتكبه الانسان.
الشرط الثاني: ”وَإِقْلَاعٌ“ عند الذب في الحال.
الشرط الثالث: ”وَعَزْمٌ" على عدم العودة مُطلقا لهذا الذنب مرة اخرى ”صَــــــــــــــــادِقٌ" اي العزم صادق فلا يكون المتائب ناويا لعمله مرة اخرى، ثم قال: ”لتَّوْبِ شَرْطٌ لِكُلِّ عِصْيَــــــــــــانِ“.
الشرط رابع: ”رُدّوا المظالمَ التي في ذمتــــــــــــي، مالًا وعِرضًا صينَ عن بهتـــــانِ" ردُّ المظالم الى اهلها، سواء اكانت مظالم حِسِّيّةٌ او مظالم معنوية، فالحسية مثل الديون والسرقات والغُصُوب، والمعنوية كالغيبة والنميمية والبُهتان ونحوها.
الشرط الخامس: "وَتَكُونُ خَالِصَةً لِوَجْهِ إِلَهِنَــــــــــــــا، رَبِّ الْعِبَادِ الْوَاحِدِ الدَّيَّــــــــــــــانِ“ والمقصود الاخلاص؛ لانّ التوبة عبادة، والعبادة لا يقبلها الله عز وجل الا بالاخلاص.
الشرط السادس: ”وَتَكُونُ فِي وَقْتِ اليُسْرِ قبل موْتــــــه، تأتي الْمَنُونُ بغيرِ ما حُسْبــــــــانِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ تَبْدُو الضُّحَى مِنْ مَغْــرِبٍ، فَلَا تُقْبَلُ التَّوْبَاتُ بَعْــــــــــــدَ أَوَانِ“ اي أنْ تَكُونَ في زمن الامكان، اي ان تكونَ قبلَ زَوالِ زَمَنِ المُهْلَةِ، وكل اوقات العُمُرِ صالحةٌ للمهلةِ، الا اذا وجدت علامة عامة تنقطع التوبة في حق الجميع، وعلامةٌ خاصة تنقطع التوبة في حق من قامت فيه: ”أَوْ قَبْلَ أَنْ تَبْدُو الضُّحَى مِنْ مَغْــرِبٍ" فإمّا العلامة العامة (خروج الشمس من المغرب) فمتى ما خرجت الشمس من مغربها انقطعت التوبة انقطاعا مُطلقا على الجميع، قال “وَتَكُونُ فِي وَقْتِ اليُسْرِ قبل موْتــــــه، تأتي الْمَنُونُ بغيرِ ما حُسْبــــــــانِ“ فأمّا العلامة الخاصة التي تخص العبد بنفسه (غرغرةُ الروح)، قال ”فَلَا تُقْبَلُ التَّوْبَاتُ بَعْــــــــــــدَ أَوَانِ“.
١٦- فَالْمَوْتُ مَخْلُوقٌ وَتِلْكَ عَقِيدَتِــــــــــي لَا قَوْلَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبُهْتَـــــــــــانِ
وهذا جواب عن سؤال ما حقيقة الموت؟
الجواب: اعلم رحمك الله ان اهل السنة متفقون على انّ ”الموتَ مَخْلُوق خَلْقاً وليس عَدَما“؛ ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]، فاذن: الموت مخلوق مثل الحياة، فالله عز وجل اذا اراد ان يُحييَ هذا الجسد نفخ فيه نفخةَ الحياة، يعني خلق فيه الحياة، واذا اراد ان يُميت هذا الجسد، لا يَسْلِبَ الحياة منهُ، وانّمَا يَخْلُقُ فيه الموت، فالذي احياه هو خلقه خلقُ الحياة فيه، والذي اماتَهُ ليس هو سَحْبِ الحياة منه، وانّما وجود مخلوق اخر في هذا الجسد وهو الموت، مثل الليل والنهار، فبعض الفلاسفة يقولون إنَّ ”الليل عدم النهار"، وهذا خطأ، فالليل مخلوق مثل النهار؛ فالله عز وجل خلق النهار، فإذا اراد ان يذهب هذا الخلق احلَّ مكانه خلقا اخر وهو الليل، فالقران شهد ان الليل مخلوق﴿وَجَعَلْنَا -وخلقنا- اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: 10]، وان النهار مخلوق ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 11]، وشهد القران ان الحياة مخلوقة، وان الموت مخلوق ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، لذلك قال المصنف ” فَالْمَوْتُ مَخْلُوقٌ وَتِلْكَ عَقِيدَتِــــــــــي“ اي مخلوق كما قال الله، وعقيدتي على عقيدة اهل السنة والجماعة.
اذن: الموت ليس مُجرد عدم الحياة، بل هو مخلوقٌ، يُحِلُّهُ الله عز وجل في هذا الجسد، فإذا كان الانسان حيا فيُقال (حلّت فيه الحياة)، وإذا مات فلا يُقَالُ خرجت حياته فقط، وانّما يُقال (خلق الله الموت فيه)؛ فالموت يُخْلَقُ في الجسد الذي يُريد الله عز وجل اماتَتَهُ، فهذا هو الحق الذي اتفقت عليه كلمة اهل السنة والجماعة خلافا للفلاسفة الذين يقولون إنَّ (الظُّلْمَةُ عَدَمُ النُّور، وإنَّ الموت عدم الحياة)، وهذا معنى قول المصنف ”لَا قَوْلَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبُهْتَـــــــــــانِ“ اي الفلاسفة واضرابهم.
١٧- وَالرُّوحُ لَا تَفْنَى فَنَاءً جِسْمِهـــــــــــا لكنها تُرَدُّ للرحيم الحنّـــــــــــــــانِ
١٨- وَالْجَنَّةُ الْغَرَّاءُ وَالنِّيــــــــــــــــرَانُ لَا تَفْنَى بِحُكْمِ الْوَاحِدِ الدَّيَّــــــــــــــانِ
١٩- وَالرُّوحُ بَعْدَ الْمَوْتِ تَبْقَى عِنْـــــــــدَهُ فِي نِعْمَةٍ أَوْ شِدَّةِ الْحِرْمَــــــــــــانِ
٢٠- إِمَّا نَعِيمٌ لَا يشوبُ صفــــــــــــــــــوَهُ كدرٌ أَوْ فِي جحيـــــــــــــــــــمٍ دانِ
وهذا جواب عن سؤال: هل الروح تفنى؟
الجواب: اعلم رحمك الله ان العلماء مختلفون، وانّ خلاف العلماء خلاف لَفْظِيٌّ، يعني انّ:
القول الاول: مِنَ العلماء من يقول: إنَّهَا تموتُ.
القول الثاني: ومن العلماء من قال: إنّهَا لا تموت.
القول الثالث: وهو الصحيح ان شاء الله هو الجَمْعُ والتاليف بين هذين القولين، وهي انْ نقول لها مقصدين عن القائل واحد جائز وواحد ممنوع:
المعنى الجائز: إنْ كُنت تقصد بموتها اي مفارقتُهَا للجسد واخذُ المَلَك لها، أي كُنْتَ تقصد بموتها مُجرد مفارقتها للجسد، فصفهَا بانها تموت بهذه الحالة وهذا معنى قول المصنف ”وَالرُّوحُ لَا تَفْنَى فَنَاءً جِسْمِهـــــــــــا، لكنها تُرَدُّ للرحيم الحنّـــــــــــــــانِ“، ولكن:
المعنى الباطل: ان كنت تقصد بكونها تموت، انّهَا تَضْمَحِلُّ وتُؤكل وتتلاشى وتنعدم بعد خروجها من الجسد وكانّها غير موجودة، فهذا باطل بشهادة القران، وشهادة السنة الصحيحة، واتفاق المسلمين جميعا؛ لان الروح لم يخلقها الله للفناء المُطلق، وانّما خلقها الله عز وجل للبقاء، فالروح مخلوقة كما خلق الله الجنة، خلقها للبقاء، والعرش مخلوق للبقاء، النار مخلوقةٌ للبقاء، اللوح المحفوظ مخلوق للبقاء، القلم مخلوق للبقاء، فثمانيةٌ حُكْمُ البقاء يَعُمُّهَا وهي هذه الاشياء الثمانية [وهي: 1. العرش. 2. الكرسي. 3. اللوح المحفوظ. 4. القلم. 5. الجنة. 6. النار. 7. أرواح أهل الجنة. 8. أرواح أهل النار]، وهذا معنى قول المصنف: ” وَالْجَنَّةُ الْغَرَّاءُ وَالنِّيــــــــــــــــرَانُ لَا، تَفْنَى بِحُكْمِ الْوَاحِدِ الدَّيَّــــــــــــــانِ، وَالرُّوحُ بَعْدَ الْمَوْتِ تَبْقَى عِنْـــــــــدَهُ، فِي نِعْمَةٍ أَوْ شِدَّةِ الْحِرْمَــــــــــــانِ، إِمَّا نَعِيمٌ لَا يشوبُ صفــــــــــــــــــوَهُ، كدرٌ أَوْ فِي جحيـــــــــــــــــــمٍ دانِ“ فمن جُملةِ هذه الاشياء الروح، فالروح تخرج وتبقى بعد خروجها من الجسد، إمّا مُنَعَّمَة، او مُعذّبة، على ما يقضيه الله عز وجل فيها، لكن ما تنعدم، وما تتلاشى. اذن: فمَن سمَّاهَا مَيتة بمعنى انها خرجت من الجسد فلا حرج، لكن من سماها ميتة ويقصد فنائها واضمحلالها كما تقوله الفلاسفة وكانّها لم توجد، فانّ هذا باطل باتفاق المسلمين، فالواجب الانتباه لذلك.
٢١- أَحْسِنْ بربك الظنّ في كل فعــــــــــلٍ لا تَقْنَطَنْ مِنْ رَحْمَةِ الرَّحْمَــــــــنِ
تقدم الكلام عن حسن الظن، ولكن نعيده من باب الفائدة:
إعلموا رحمك الله رحمكم الله تعالى انَّ الانسان ينبغي له في سائر حياته ان يعيش على احسان الظن بربه عز وجل، فلا يجوز لك يا ابن ادم في اي حالة من الاحوال ان تُسِيءَ الظنّ بربك، مهما انْزَلَ عليكَ من البلايا، ومهما انزل عليك من المصائب والمُدلَهِمَّات والكُرُوب والهُمُومِ، فعليك ان لا يزيد ذلك الا احسانا للظن بالله عز وجل، لكنّ العلماء نَصُّوا على انّ أهَمّ حالة ينبغي ان يزيد ميزان احسان الظن بالله عز وجل فيها، هي حالةُ السَّكَرَاتِ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) [جابر بن عبد الله رضي الله عنه،من حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم برقم 2877]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيْمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عز وجل: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً») [أبو هريرة رضي الله عنه | المصدر: صحيح البخاري (7405)، وصحيح مسلم (2675)]، فمن ظَنَّ عند سكرات الموت انّ الله لن يُعَذِّبَهُ وانّهُ سيحصُرَهُ في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وانّ الله سيغفرَ لَهُ تقصيره وذنوبه، فانّ الله لا يُخيِّبُ عبدا احسنَ الظنَّ به في حال السكرات. فاذن: إذا كان احسان الظن في الله مطلوبا في كل جزئية من جزئيات حياتنا، وفي حال مرضنا وصحتنا، في حال غنانا وفقرنا، فينبغي ان يَزدادَ الطلبَ عليه عندَ حُلُولِ سكراتِ الموت؛ لانّ هذه حالةٌ ينبغي تحسينُ بل وزيادةُ تحسين الظنِّ في الله عز وجل؛ ولذلك قال العلماء رحمهم الله تعالى انّهُ: ”ينبغي للعبدِ ان يَزِيْدَ في حُسْنَ الظّنِّ بالله في حالتين“:
الحالة الاولى: عند التوبةِ من المعاصي، فاياك ثم اياك انْ تُسيءَ الظنَّ في الله او تُغَلِّبَ جانِبَ القُنُوطِ عند التوبة من المعاصي، بل غَلِّب جانب حسن الظن بالله، حتى يَحمِلَكَ هذا التغليب عند التوبة من المعاصي التي قَطَعتَ فيها رِبْحَا من ذلك، على ان لا تقنطَ من رحمة الله، ولا تيأس من روح الله عز وجل. الحالة الثانية: عند سكرات الموت.
في قوله ”لا تَقْنَطَنْ مِنْ رَحْمَةِ الرَّحْمَــــــــنِ" عملا بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر: 53].
٢٢- وَارْجُ الْمَمَاتَ إِذَا خَشِيتَ فِتْنَـــــــــــةًٍ فِي الدِّينِ أَوْ زَيْغٍ عَنِ الإِيمَـــــــانِ
٢٣- أَوْ قُلْ إِلَهِي خُذْ بِرُوحِي إِنْ يَكُـــــــنْ خَيْراً وَفَاتِي يَا عَظِيمَ الشَّــــــــــأْنِ
وهذه جُمَلٌ مما يتعلق بتمني الموت، فهل يجوز للمسلم ان يتمنى الموت؟
الجواب: -باختصار- لا يجوز تمني الموت إلا في حالتين؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا، فَلْيَقُلْ: ”اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي“) [أنس بن مالك رضي الله عنه | المصدر: صحيح البخاري (5671)، وصحيح مسلم (2680)]، لكن يجوز تمني الموت في حالتين:
الحاله الاولى: قال المصنف “وَارْجُ الْمَمَاتَ إِذَا خَشِيتَ فِتْنَـــــــــــةًٍ فِي الدِّينِ أَوْ زَيْغٍ عَنِ الإِيمَـــــــانِ" اي ان يخاف الانسان على نفسه من الفِتْنَةِ بشيءٍ من شهوات الدنيا، سواءا أكَانت فتنةَ شهوات او شُبهات، فيجوز عندَ خوف الانخراط في الفتنة انْ تَتَمنّى الموت، وعلى ذلك الحديث الذي في السنن: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، (-وهنا محل الشاهد:- وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ)، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ) [معاذ بن جبل رضي الله عنه | المصدر: سنن الترمذي (3235) | الحكم على الحديث: صححه الألباني في صحيح الترمذي]، وعليها يُحمل قول مريم: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ -وهنا محل الشاهد:- يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23].
الحاله الثانية: قال المصنف: ”أَوْ قُلْ إِلَهِي خُذْ بِرُوحِي إِنْ يَكُـــــــنْ خَيْراً وَفَاتِي يَا عَظِيمَ الشَّــــــــــأْنِ" اي انْ تتمنى الموتَ تَمَنِّيَا مُعَلَّقَا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ”فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا، فَلْيَقُلْ: ”اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي““ [انس في الصحيحين]، فقال في الحياة (مَا) وفي رواية (إن)، وفي الموت (مَا) وفي رواية (إنْ)، ولذلك علق المصنف بقوله ”إِنْ يَكُـــــــنْ خَيْراً“.
فاذن: إذا تَمنَّيْتَهُ مُعَلَّقا فلا بأس، واذا تمنيته خوف الوقوع في الفتنة فلا باس، وهذا هو من باب الجَمع بين الادلة.
٢٤- أَمَّا الشَّهَادَةُ، فنفيسٌ مَطلبــــــــــــــــي أَرجو بِهَا مَنَازِلَ الرِّضْــــــــــوَانِ
٢٥- مَنْ يسألِ اللَّهَ الشَّهَادَةَ صَادِقـــــــــــــاً نَالَ الْمَنَازِلَ عَالِيَاتِ جِنَــــــــــــانِ
فنسال الله ان نموت كلنا شهداء في ارض المعركة، فتمني الشهادة ليس من تمني الموت المُحرم ابدا؛ لان الادلةَ دلّت على عِظَمِ هذه الخاتمة؛ لذلك قال المصنف ”أَمَّا الشَّهَادَةُ، فنفيسٌ مَطلبــــــــــــــــي أَرجو بِهَا مَنَازِلَ الرِّضْــــــــــوَانِ"، وقد نبهت الشريعة على طلبها؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) [ سهل بن حنيف رضي الله عنه | المصدر: صحيح مسلم (1909)]، وهذا معنى قول المصنف: "مَنْ يسألِ اللَّهَ الشَّهَادَةَ صَادِقـــــــــــــاً نَالَ الْمَنَازِلَ عَالِيَاتِ جِنَــــــــــــانِ“.
ثم حثَّ المصنف هنا على اهمية نيّة الجهاد في سبيل الله فقال:
٢٦- وَانْوِ الجهادَ وَحَدِّثَنْ نَفْساً بِــــــــــــــهِ كَيْ لَا تَمُوتَ بِشُعْبَةِ النُّكْـــــــــرَانِ
في قوله ”وَانْوِ الجهادَ“ إن كنت محروما من هذه العبادة العظيمة في جهاد الكفار، فإنّ النبي اشار الى وجوب نيتها في الحديث: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ) [أبو هريرة رضي الله عنه | المصدر: صحيح مسلم (1910)]، فمحل الشاهد ”وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ“ وهذا ما اشار اليه المصنف ”وَحَدِّثَنْ نَفْساً بِــــــــــــــهِ“ اي بالجهاد، فان لم يفعل ذلك قال ﷺ: ”مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ“ وهو معنى المشار اليه من الناظم:”كَيْ لَا تَمُوتَ بِشُعْبَةِ النُّكْـــــــــرَانِ“ اي شعبة النفاق عياذا بالله ان لم تحدث نفسك بالغزو.
هذا والله اعلم