تفسير سورة النازعات
تفسير سورة النازعات
اسمع التفسير هنا
﷽
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)
هذه كلها في الملائكة:
”والنازعات غرقاً“ وهي التي تنزع الأرواح من الأجساد، وهي ملائكة الموت عندما تنزع أرواح الناس من أجسادها. قال ابن كثير: يعني: الملائكة إذا قبضت أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعُسر فتُغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنها تنشطها نشطًا.[تفسير ابن كثير]. وقال السعدي : نزعًا شديدًا مؤلمًا، وذلك لكفرهم وجرمهم. [تيسير الكريم الرحمن، ص: ٩٠٦]. وغرقا : قال الطبري: تغرق في نزعها الأرواح حتى تستوفيها وتخرجها من جسد صاحبها. [جامع البيان ٢٤/٢٣٩] “غَرْقًا” معناها: النزع الشديد المستغرق المؤلم، والمراد هنا أرواح الكافرين حين تُقبض.
”والناشطات نشطا“ وهذا بالنسبة لأرواح الكفار تنشطها نشطاً أي تجرها جراً شديداً بلا رفق، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن روح المؤمن تخرج كما تخرج النقطة من فِـيِّ السقاء، بينما روح الكافر تنزع كما ينزع السُّفُّودُ من الصوف المبلول، تنزع ونزعاً شديداً، فكما أن السُّفُّودُ وهي الحديد التي لها أكثر من جانب تجر من الصوف كيف وتقطع الصوف حتى تخرج، كذلك روح الكافر تُنْشَطُ من جسده نشطاً أي تجرب جراً عنيفاً والعياذ بالله.
” وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا “ : اي في الهواء، أطّت السماء وحُق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا ملك قائم أو ملك أو ملك ساجد، فهي تسبح في الهواء تصعد إلى السماء وتنزل إلى الأرض بأمر الله سبحانه وتعالى.
” فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا “: أي السابقات المبادرات إلى تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى، تُبادر إلى تنفيذ أمر الله إذا أمر بالأمر سبحانه وتعالى، أي تستجيب مباشرة.
” فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا “ أي تدبر شؤون الناس بأمر الله سبحانه وتعالى، ثم قال سبحانه وتعالى.
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)
”يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ - تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ“ : الذي عليه أكثر مفسرين أن الراجفة النفخة الأولى، والرادفة هي النفخة الثانية، فترجف الرجفة الأولى النفخة الأولى فيموت الناس، ثم تتبعه الثانية فيُخرج الله الناس ويحييهم من جديد سبحانه وتعالى لتقوم الساعة.
” قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ “ : واجفة اي خائفة منزعجة من ذلك اليوم، يوم التغابن، هذا اليوم العظيم قلوب يومئذ واجفة، مرتجفة.
” أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ “ : ذليلة حقيرة، ما تدري ما يصنع الله بها سبحانه وتعالى.
” يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ “ : اي ينكرون في الدنيا هذا، الحافرة هي الأرض لأنها تحفر ويدفن فيها الناس وتخفى فيها الأشياء، يسمونها الحافرة، يقولون : نعيش مرة ثانية؟ ينكرون البعث، فيبين الله تبارك وتعالى هنا قولهم في هذه الحياة، يقولون أنا لمردودون في الحافرة (اي) :
” أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً “ : اذا كنا عظاما نخرة بالية، كيف نعود؟ ولذا كان الكفار ينكرون البعث ويقولون اانا لمدينون؟ أو آباؤنا الأولون؟ . ولما جاء صهيب الرومي رضي الله عنه إلى أمية بن خلف، فقال : ”أعطني ديني الذي عليك“، قال ”لا شيء لك عندي، ألست تؤمن بالآخرة ؟“ قال ”نعم“ - هذا أمية بن خلف يقول لي صهيب - قال : ”إذا بعثت أعطيك الدين“ ينكر ويستهزئ ويسخر وسيبعث وسيعطيه رغماً عنه.
” قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ “ : يعني سنخسر إذا خرجنا مرة ثانية، وإذا كان هذا فعلاً واقعاً معناه سنعذب، لكنهم ينكرون ذلك، يقول الله تبارك وتعالى :
” فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ - فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ “ : الأمر سهل عند الله تبارك وتعالى، زجرة واحدة كلكم تخرجون، ليس على الله بعزيز وليس على الله بصعب سبحانه وتعالى، إنما هي زجرة واحدة، فإذا هم بالساهرة، الساهرة الأرض، زجرة واحدة وهي النفخ في الصور، فيخرجون جميعاً إلى ظاهر الأرض انتهى الأمر، ما في مشقة ما في تعب، إنما أمره شيئاً يقول له كن فيكون.
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)
الله تبارك وتعالى يقص علينا هنا شيئاً من حال موسى مع فرعون، فيقول الله تبارك وتعالى :
” هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى “ : اي هل أتاك يا محمد؟ حديث موسى قصة موسى مع فرعون.
” إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى “ : أول ما خرج موسى ﷺ من قرية مدين، ناداه ربه بالوادي المقدس، إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى، إذ ناداه ربه بالوادي المقدس والمقدس اي المطهر، طُوَى اسم الوادي، وهذا الوادي غير معروف مكانه بالتحديد، لكن مشهور أنه في مصر قريب من سيناء، ولكن غير معروف مكان الوادي نفسه.
” اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ” : تجاوز حده، فقل له :
” فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى “ :هل لك إلى أن تتوب؟ أن ترجع إلى الله تبارك وتعالى؟ أن تزكي نفسك اي تطهرها من دنس الشرك والكفر؟
” وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى “ : وأهديك كوني نبي، أهديك إلى ربك فتخشى أن تقع منك الخشية من الله تبارك وتعالى.
” فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى “ : المعجزة التي أتى بها موسى عليه الصلاة والسلام، وقيل أو قال أهل العلم هنا الآية الكبرى المقصود بها العصا واليد فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين هذه الآية الكبرى، وإلا آيات موسى كثيرة، والمقصود هنا آية اليد وآية العصا.
” فَكَذَّبَ وَعَصَى “ : فكذب وعصى ما قبل ما قبل أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فكذب وعصى.
” ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ” :ثم أدبر يسعى أي في معاندة الحق، حيث جمع السحرة، وأراد قتل موسى، وقتل من تابعه، وما شابه ذلك بين الأمور، أدبر يسعى أي في الإفساد في الأرض، ومن ضمن ما ادبر به يسعى به الخراب :
” فَحَشَرَ فَنَادَى “ : حشر جنوده، ثم نادى بالناس :
” فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى “ : أنا ربكم الأعلى والعياذ بالله وفي الآية الأخرى أليس لي ملك مصر؟ وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ ما علمت لكم من إله غيري؟ هكذا صار ينادي فرعون، طغى طغياناً كبيراً، فماذا كانت النتيجة؟
” فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى “ : فأخذه الله أغرقه، هل أنت الرب؟ تفتخر وهذه الأنهار تجري من تحتي أُجرِيها فوقك، أغرقه الله تبارك وتعالى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى الدنيا والآخرة تنكيل، هذا في الدنيا وسياتيك العذاب في الآخرة، ولِمَا هذا كله؟ قال :
” إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى “ : عبرة للباقيين حتى لا يسير على طريقته، لأنه سيفعل بهم كما فعل به، وعبرة أيضاً للمؤمنين، كيف يصنع الله بالكفار فيثبتوا على إيمانهم.
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)
” أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا “ : هذا سؤال من الله تبارك وتعالى، وهو سؤال تقريري، يقول أأنتم أشد خلقاً أيها البشر أم السماء؟ السماء اعظهم منكم، لخلق السموات والارض اكبر من خلق الناس، فلا تفتخروا كما طغى فرعون أنا ربكم الأعلى فمن أنت؟ أنتم أشد خلقاً أم السماء بناها؟
” رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا “ : من الذي رفع سمكها؟ هو الله تبارك وتعالى، ورفع سمكها اي جُرمَهَا وحقيقتها، رفع جرمها ﷻ، بغير عمد ترونها، فسواها اي أحكمها، خلقٌ مُحكم من الله تبارك وتعالى.
” وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا “ : أغطش ليلها اي أظلمه، وأخرج ضحاها أظهَرَه، فالليل ظلام والنهار وضوح، والله هو الذي فعل ذلك ﷻ، هو الذي أغطش الليل وهو الذي أخرجه الضحى سبحانه وتعالى (أغطش ليلها: أي جعله مظلمًا حالك السواد، أخرج ضحاها: أي أبرز شمسها فأضاء النهار وظهر ضياؤه.)
” وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا “ : أي بعد أن خلق السماوات دَحَى الأرض أي جعل فيها منافعها، دَحْيُ الأرض أي جعل فيها منافعها، ويقال دَحَاهَا وطَحَاهَا والمعنى واحد، وهذا بعد خلق السماء (فخلق الأرض -اي اصل الارض-، ثم خلق السماوات، ثم دحى الأرض) ﷻ، (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) [البقرة: 29]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق السماء سواهن سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد خلق السماء” (تفسير الطبري 24/126)، وتفصيل ذلك : (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 59]، وجاء تفصيل هذه الايام في سورة فصلت : (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ -اي اصل الارض - وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ - هنا معنى دحاها وهنا الاربعة ايام مع اصل الارض فيومين لاصلها ويومين لتدحية الارض - سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: 9-12]، ١- خلق اصل الأرض: في يومين.٢- تسوية السماوات السبع: في يومين. ٣- جعل الرواسي وتقدير الأقوات: وهي معنى دحاها في يومين إضافيين (مجموع ستة ايام)، ثم شرح ذلك فقال :
” أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا “ : أي هذا من الدَّحِي، أنه أخرج منها ماءها وأخرج منها مرعاها وهو الطعام الذي يكون للدواب.
” وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا “ : أي ثبت الجبال في الأرض، وثبت الأرض بالجبال، فالجبال ثبتها على الأرض لتثبت الأرض، وكل هذا :
” مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ “ : والله يُذكرنا بفضله ومنه وكرمه سبحانه وتعالى.
فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)
” فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى “ : والطامَّة والصَّاخَّة والحَاقَّة كلها أسماء ليوم القيامة، فإذا جاءت الطامة التي تطم الناس، تُقَطِّيهم، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، (هذا تهديد للعبد الغافل؛ حيث يظن أن الدنيا دائمة فيغفل، فإذا جاء يوم القيامة انكشفت له الحقيقة)، يتذكر الإنسان ما سعى ما قدمه في هذه الدنيا.
” وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى “ : برزت النار، لمن يرى اي لكل أحد.
” فَأَمَّا مَنْ طَغَى “ : اي في هذه الدنيا.
” وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا “ : اي قدمها على الآخرة، واشتغل بالدنيا في تحصيلها بالحلال بالحرام، ترك العبادة، ترك طاعة الله ﷻ، همُّة الدنيا، تفكيره في الدنيا، يريد الدنيا، لا يحلل لا يحرم والعياذ بالله، آثر الحياة الدنيا على الآخرة، فما مصيره ؟
” فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى “ : فهذا وأمثاله هذا مصيرهم، وهذه الجحيم التي برزت هي له ولأمثاله، فإن الجحيم هي مأواه أي سكنه، ومُقَامُه في الجحيم أعاذنا الله وإياكم منها، وفي المقابل:
” وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى “ : مقام ربه أي القيام بين يدي ربه، فمن الآن يفكر في هذا اليوم الذي سيقوم بين يدي ربه، فهذا يعطيه خوفاً من الله، ورهبة؛ فيستعد لذلك اليوم، ويطلق الدنيا لأجل ذلك اليوم، ويبذل ليحصل الحسنات حتى ينجو في ذلك اليوم، ونهى النفس عن الهوى فيذكر هذه النفس قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها، والنفس كالطفل إن تتركه شبع على حب الرَّضَاع، وإن تفطمه ينفطم، النفس تحتاج إلى تربية يربيها الإنسان ويعقلها، ويدلها على الخير؛ لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي سبحانه وتعالى، فيربي نفسه لأجل ذلك اليوم العظيم، وبعد هذه المشقة في الحاية ما هو المصير ؟
” فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى “ : فما إن النار مأوى أناس، فالجنة مأوى أناس آخرين.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)
” يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا “ : والسؤال عن الساعة سؤالان : الاول : أما أن يكون سؤال استفهام، الثاني : وأما أن يكون سؤال يعني استبعاد؛ كسؤال كفار للنبي صلى الله عليه وسلم، الله جل وعلا يقول يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا اي متى تأتي؟ فالله جل وعلا يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
” فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا “ : وما يدريك؟ والجواب عن هذا السؤال :
” إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا “ : منتهاها أي علمها، فعلمها إلى ربك وليس لك يا محمد ﷺ، أن الله عنده علم الساعة، روى في البخاري (4778) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال النبي ﷺ : مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ، وقرأ من لقمان : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ ١- عِلْمُ السَّاعَةِ ٢- وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ٣- وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا ٤- تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ٥- بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]، فلا يعلم متى الساعة إلا الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول للنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربك منتهاها أي علمها، علم وقتها عند الله وحده سبحانه وتعالى، حتى جبريل رسول الله إلى البشر أيضاً لا يعلم، لذلك لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : متى الساعة؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، فلا أنت ولا أنا نعلم لا يعلم ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، ومن يدعي علم الساعة نص كثير من اهل العلم أنه كافر، لانه مكذب لله تبارك وتعالى، فإلى ربك منتهاها أي منتهى علم متى تكون الساعة.
” إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا “ : فدع عنك علم الساعة، فالذي يطلب منك أن تنذر من يخشى هذه اللحظة حتى يستعد لذلك، فإنما أنت منذر من يخشى ذلك اليوم، من يخاف ذلك اليوم فيستعد له.
” كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا “ : أي في ذلك اليوم : لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا، إذ يقول أمثلهم طريقة إلا لبثتم إلا يوماً فقط، عشية أو ضحاها، ووقت العشي وقت الظهر والعصر هذا وقت العشي وتسمى صلاة العَشِيّ، أو ضحاها الضحى، فقط عشية أو ضحى يعني المهم أن الوقت قصير جداً الذي لبثوه في هذه الدنيا، فالنهاية عشية أو ضحى.
والحمد لله رب العالمين، وصل وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ