الْمَنْظُومَةُ السُّنِيَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقِيدَةِ الْمَرْضِيَّةِ
شرح الوصية الشرعية
الْمَنْظُومَةُ السُّنِيَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقِيدَةِ الْمَرْضِيَّةِ
شرح الوصية الشرعية
شرح الابيات
١- ”فِي الْبَدْءِ أَبْدَأُ قَوْلِي مُتَبَسْمِـــــــلًا“ فأنَّ النبي ﷺ كان في مُكَاتَبَاتِهِ يبدأ بالبسملة -اي ﷽-، وكان يبدأ المُشَافهَات بالحَمْدَلَة -اي الحَمْــدُ لله رب العالمين-، ثم قال: ”وَمُحَمِّدًا“ فان الحمد له، والشكر له، وكل شيء بيده، والحمد على صفاته وافعاله، الحمد لله على كل حال، فهو صاحب النعمة والمِنّة، ثم قال: ”لِلَّهِ ذِي الإِحْسَـــــــــانِ“ فهو سبحانه المُحسِنُ لعباده، هو صاحب الفضل الحقيقي، وله الخلق والامر.
٢- قال ”ثمّ الصلاةُ على النبي المجُتْبَــــى“ محمد ﷺ، الذي اصطفاه الله من خلقه، وايده برسالته، وهو الذي اجتباه بين الخلق، وارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة: 33]، ”من جاءنا بالنور والفرقــــــانِ“ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: 45-46]، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [سورة المائدة: 15].
٣- قال ”هَذَا أَخُوكُمْ“ اي الذي تررونه الان وهو مُمَدّدٌ اماكم و”قَدْ دَنَا مِيقَاتُـــــــــــــهُ“ اي قد غَلَبَ على ظَنِّهِ انّهُ في مرض الموت ”حَانَ اللِّقَاءُ بِرَبِّهِ الرَّحْمَـــــــــنِ“ فمهما طال الوقت فـ ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ [سورة العلق: 8]، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الجمعة: 8].
٤- قال غفر الله له ”قَدْ جَاءَ دَوْرِي“ فإنّ الدنيا اَدْوارا، ففي البداية منذ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [سورة الإنسان: 1] حتى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ - ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: 12-14]، وقد كانت تلك الرحلة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [سورة الانشقاق: 6]، فقد غلب على ظنه ان تلك الرحلة قد انتهت ووصلت ”لِلِّقَاءِ“، فقال ﷺ: ”إِنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ …“ [من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في مسند أحمد برقم (18534)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1676)]، قال: ”بِرَبِّهِ“ فهذا العبد يُقرُّ بربوية الله، والوهيته، واسماءه وصفاته على منهاج اهل السنة والجماعة واهل الحديث، فيثبت كل ما اثبته الله لنفسه من غير تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تشبيه، فهو مقر ان الله هو الخالق، وانه المدبر، ومعنى لا اله الا الله اي لا معبود بحق الا الله، ويتبرأ من جميع البدع وطرقها، مستلزما بطريق اهل الحق، سائل الله عز وجل ان يثبته عليه، وقد احسن ظنه بالله فقال ”الرَّحْمَـــــــــنِ“ راجيا رحمته، فان الواجب على المسلم في اسماء الله اولا: الايمان بانه اسم لله، ثانيا: الايمان بصفة الرحمة لله التي هي صفة من صفاته التي تليق بجلاله وكماله وعظمته، فهي رحمة ليست كرحمة المخلوقين، رحمة منزهة عن كل عيب ونقص، وثالثا: العمل بمقتضى الاسم، وهذ العبد قد ذكر اسم الله الرحمن عاملا بمقتضى هذا الاسم وهو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء.
٥- ينتقل الان المصنف غفر الله له الى صورة من صور المحتضر وهي الحالة الاولى من حالات المحتضر وهو الموت المسبوق بمرض الموت، فقال: ”صُفَّ الْبَنُونَ وَحَوْلِيَ“ والبنون هم غالب من يقف حول المحتضر، والمقصود من يقف حوله عموما من محبيه والقائمين عليه حال مرضه، ولكن مهما عَظُمَ حال هؤلاء وزاد علمهم وغناهم وزاد نفوذهم الا انهم” الْعُجَزُ“، فهم العاجزين عن تقديم اي شيء لهذا الذي يحبونه امامهم، وقد نادوا الاطباء وأخذوا بتلابيب الاسباب وطرقوا السبل، ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ - وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: 83-85] ولكنّ الله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة البروج: 16]، فحال المحتضر ”الَّذِي“ قد ”أعيا“ حتى ”الطَّبِيبَ“ الذي هو قد جاء لعلاج ذلك العيّ ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ - وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ - وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ - إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [سورة القيامة: 26-30]، فقد عجز الطبيب ”له“ اي للمرض وهو مرض الموت ”عَنِ التِّبْيَــــــانِ“، وقد اختار المصنف كلمة تبيان لان الطبيب يشخص ويمتلك البيان للناس، ثم يعطي العلاج، فعند مرض الموت يبدأ الطبيب بالاجتهاد حتى يصل الى مرحلة العجز حتى عن البيان والتبيان وايضاح الاسباب، قال ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً، أَوْ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ، أَوْ خَلَقَ، لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، إِلَّا السَّامَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ) [من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (8220)].
٦- وأمّا الحالة الثانية من حالات الموت فهي موت الفجأة فقال : ”أَوْ رُبَّمَا مَوْتُ الْفُجَاءَةِ“، يكون ”غفلــــــــةً“ أي غفلة من صاحبه عن انذار الموت، و”يأتي“ على الانسان إمّا رحمة من الله او عقوبة، فإنَّ موت الفجأة اذا جاء على مسلم طائع فإنه يكون رحمة من الله، واما اذا جاء على غير ذلك فهو الغفلة المذمومة، فهنا الموت عموما اذا جاء ”فيطوي صفحة الإنســـانِ“ قال ﷺ : (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) [من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم برقم (1631)]، فقد انقطع عمله، فما عاد له كتاب يُكتب الا ما استثناه الشرع.
٧- انتقل المصنف غفر الله له الى دعاء ربه، مُعترفا مُقَرَّا بذنوبه: ”قَدْ أُثْقِلَتْ بِذُنُوبِ عَبْدِكَ نَفْسُـــــــهُ“ وهذا من الاعتراف الذي حَثَّ النبي ﷺ عليه كما جاء في حديث سيد الاستغفار: قال ﷺ: (سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) [من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه في صحيح البخاري برقم (6306)]، ومحل الشاهد ”وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي“، وجاء ايضا في قوله ﷺ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في صحيح البخاري برقم (6398)، وصحيح مسلم برقم (2719)]، ومحل الشاهد ”وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي“، فبعد ان اقرّ واعترف بذنوبه طلب من ربه ان يغفر له فقال: ”ياربِّ“ وقيل (يا) للوازم الشعر، والاصح قول (رَبِّ) كما كان دعاء الانبياء في القران، ويصح هذا ويصح هذا إلا انّه فاضل ومفضول لا اكثر، ثم قال ”عبدُكَ“ وهو اعظم شرف للانسان ان يكون عبدا لله، ثم قال : ”راجيًا“ والرجاء الرَّجاء في اللغة: الأمل وتوقُّع حصول الشيء المحبوب، وفي الشرع: طمعُ العبد في فضل الله ورحمته ومغفرته، مع الأخذ بأسباب ذلك من الإيمان والطاعة والتوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 218] فالعبد في اعتقاد سليم لطالما هو بين الخوف باعترافه بنوبه، وبين الرجاء اي راجيا رحمة ربه، وهو راجيا ”غفـــــــرانِ“، وقبل ان العفو غير المغفرة، فإنَّ العفو ربما يكون بعد ما تبدأ العقوبة او قبلها، والمغفرة تكون قبل العقوبة، وطلب المغفرة والعفو من الله هي من صفات المؤمنين الكُمَّل، قال تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: 286].
٩- قال المصنف: ”ياربّ حُسْنُ الظنِّ“ يطلب ان يُحسن ظنه بالله في هذا الموضع، وحسن الظن مطلوب من الانسان في عامة حياته، ولكن يكون مطلوبا اكثر في حالتين: الاولى: عند التوبة النصوحة، فيجب على العبد ان يحسن الظن بالله ان الله يغفر له هذا الذنب لان الله وعد بالقبول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ [سورة طه: 82]، والثانية: عند غلبة الظن بدنو الاجل، قال ﷺ: (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ) [من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صحيح مسلم برقم (2877)]، ويؤيد ذلك الحديث القدسي: (قَالَ اللَّهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) [رواه البخاري ومسلم]، ومعنى حسن الظن بالله اي ان العبد على يقين ان الله سيغفر له، وانه سيكون مغفورا مقبولا عند الله، ثم دعا الله ايضا ”والرضـــــوانِ“ اي يا رب ارضى عني، واشملني بعفوك وكرمك وجودك، فإنّي قد طرقت بابك فلا تطردني عن جنابك ”فاغفر بفضلك ياعظيم الشــــانِ“ فإنّ الله يحب المدح، قال ﷺ: (لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ) [من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في صحيح البخاري (4634) وصحيح مسلم (2760)]، فالله اهل الثناء والمجد، وهو اهل التقوى واهل المغفرة، وهو اهل للمدح والثناء الحسن، فاللهم تقبل من عبادك.