من المعلوم ان الجَنَائِزُ جمْعُ مفرد جِنَازَةُ، ولا يحتاج ان نطيل في هذا التعريف، الا انّ في هذا التعريف فائدة لغوية لطيفة لعلكم لا تنسونها، وهي ان الجِنَازَةَ بالكسرِ عِبَارة عن السرير الذي تحت الميت؛ لانّهُ اسفل، فناسبته الكسرة؛ لان الكسرة حركة سُفليّة، وامّا الجَنَازَةُ فهو اسم للميت فوق السرير، لانّهُ فوق والفتحة حركةٌ فوقيّة، فما كانت حركته فوقية يناسب الفوقي وهو الميت، وما كانت حركتُهُ سُفْلِيّة فانه يُناسب السّفلي وهو السرير، فإذا اُطْلِقَ على السرير جِنَازَةٌ فهو صحيح، واذا اطلق على الميت جَنَازَةٌ فهو صحيح، ومن اهل العلم من لم يُفَرِّقُ فقال السرير يُطلق عليه الجِنَازَةَ والجَنَازَة، والميت يطلق عليه الجِنَازَةَ والجَنَازَة، والامر في ذلك واسع ولله الحمد ، ولكن ما الاقرب ان شاء الله هو ان نحفظها على الطريقة الاولى وهي انها اذا كان المقصود بالجَنَازَةِ في الميت فافتح الجيم، واذا كان المَقصود السرير فاكسرها.
لا جرم ان هذا الكتاب من اوله الى اخره يتكلم عن حقيقة الموت، وقد أمَرَنا النبي صلى الله عليه وسلم ان تكونَ تلك الحقيقة حاضرهة دائما في اذهاننا، وان لا تغفل عنها قلوبنا مطلقا حتى نكون على اتم الاستعداد لهذه الحقيقة الغائبة، فمتى ما تخلّفت هذه الحقيقة عن ذِكْرى قلوبنا فسوف نتقَحّمُ في الشهوات والملذات، ونسينا انّنا سنُحمل على اكتاف الرجال في يوم من الايام.
وقد اجمع العلماء على مشروعيّةِ تَذَكُّرِ الموت، بل انّهُ قد يَجِبُ وجوب عين على من ألْهَتْهُ دنياه واشغلته شهواته، وصرفته غفلاته عن تذكر هذه الحقيقة والاستعداد للموت، ففي جامع الامام الترمذي باسناد حسن صحيح من حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: («زُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ»). [من حديث أبي هريرة وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وصححه محمد ناصر الدين الألباني في صحيح الجامع برقم 577]، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور لماذا؟ لان من مقاصد زيارة القبور حتى نتذكر الدار الاخرة، وقد نَبَّهَنَا القران عليها في مواضع متعددة كقوله عز وجل: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، بل اجمع العلماء على ان الموت حقيقةٌ عامة لكل حي، فحتى النباتات ستموت، فلا يبقى احد حي، لا نبتة، ولا انس، ولا جن فكل سيموت، بل حتى الملائكة سيموتون، وكل ذي روح سوف يموت، كما قال صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ) [من حديث عبد الله بن عباس في صحيح مسلم برقم 2717، ورواه أيضًا صحيح البخاري برقم 7383 مختصرًا، فهو متفق عليه.]، وقبل ذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].
خصال وفوائد تذكر الموت
ولذلك قال العلماء رحمهم الله تعالى من أكْثَرَ ذِكْرَ الموت اُكْرِمَ بثلاثِ خِصَال:
الخصلة الاولى: تعجيل التوبة، فان التوبةَ لا يؤخرها غالبا الا من غَفَلَ قَلْبَهُ عن ذكر الموت.
الخصلة الثانية: قناعةُ القلب بما رزقك الله عز وجل في هذه الدنيا؛ لان الانسان وإنْ استجمعَ الاموال الطائلة، وان جمع شيئا كثيرا من حصاد هذه الدنيا، فانه سوف يُفَارِقُهُ فحين اذ يَقْنَعُ قلبه بما رزقه الله عز وجل.
الخصلة الثالثة: النّشاط في العبادة استعدادا لهذا الموت.
والذي يغفل عن ذكر الموت يحرم من هذه الثلاثة الخصال فتجده دائما يسعى في تحصيل هذه الدنيا حتى وان ادى الى فوات الواجبات، والى تفويت الجُمَعِ والجماعات، فلا يذكر الاخرة ابدا، وتجده دائما يُسَوِّفُ في التوبة، وتجده كسولا في العبادة لا ينشط عليها، فنسال الله ان يجعلني واياكم ممن تذكر الموت دائما وابدا، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ») [عبد الله بن عمر رضي الله عنهما | المصدر: سنن ابن ماجه (4259) | الحكم على الحديث: حسنه محمد ناصر الدين الألباني في صحيح ابن ماجه (3454)].
لابد اذا تذكرنا الموت ان نبني تَذَكُرَهُ على مسالة الوسطية والاعتدال، يعني لا ينبغي ان نتذكر الموت تَذَكُّرا يلهينا عن تحصيل الدنيا التي نحن مضطرون اليها، ولا ينبغي ان تغفل قلوبُنا ايضا عن حقيقه الموت الغفلة التي تصرفنا عن الاستعداد للعبادة؛ فالوسطيه في تذكر الموت مطلوب؛ لاننا أُمّةٌ وسط، قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ…) [البقرة: 143]، فلا ينبغي ان يحميلكَ تذكر الموت على الفصل من الوظيفة، او تعطيل المعاش، وتجعل ابنائك جائعين فلا ضرورات حياتية عندهم، ولا ينبغي ان تَغفَلَ عن ذكر الموت حتى تنسى هذه الحقيقة، بل الوسطيه في ذلك مطلوبة.
ومن اعظم الايات التي تدلنا على ذلك قول الله عز وجل: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29]، فالله عز وجل ضرب مثلين على اصحاب النبي عليه الصلاة والسلام:
المثل الاول: مثلا لليهود: فلما كان اليهود قد ابدعوا في جانب الدنيا وعطلوا جانب العبادة، صار مثالُ الصحابة المَضرُوبِ في التوراة مثال العبادة، وما كان عليه الصحابة من قيام الليل ومن كثرة الركوع والسجود، حتى يُبين الله لليهود الجانب الذي اخفق فيه اليهود، في قوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ثم قال (ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ).
المثل الثاني: مثلا للنصارى: ولما كان النصارى نَشِطُوا في جانب العبادة، ولكن اهملوا جانب الدنيا، بَيَّنَ الله جانبا اخر مُشرقا من جوانب الصحابة، (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ) وهي انهم مع ركوعهم، وسجودهم، ووجود علامات السجود في جِبَاهِهِم، وكثرةِ قيامهم لليل، وكثرة ذكرهم وحرصهم على الطاعة، الا انّ ذلك لا يَمْنَعُهُم ان يزرعوا، وان يَحِصدوا، وان يُتاجروا، وان ياكلوا، ويشربوا، ويتَّجِرُوا، ويبيعوا، وتكون لهم قوافل، كقافلة عبد الرحمن بن عوف، وقوافل ابي بكر، فقال (كَزَرْعٍ - شبيه للصحابة بالزرع الذي- أَخْرَجَ شَطْأَهُ -أخرج فروعه وأفراخه التي تنبت حول الأصل- فَآزَرَهُ - فقوَّى بعضه بعضًا- فَاسْتَغْلَظَ -اشتد وقوي- فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ - قام معتدلًا على سيقانه بعد أن كان ضعيفًا- يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ -يسرُّ أهل الزراعة لكمال نموه وحسن منظره- لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ -لأن قوة الصحابة واجتماعهم وانتشارهم يغيظ أعداء الله-)، فهذا المثل يصور النمو والقوة والتكاثر والتماسك، كما ينمو الزرع حتى يشتد ويقوى، وهو تصوير لانتشار الصحابة وقوة جماعتهم وتماسكهم
فاذن: الله عز وجل بين انّ حال الصحابة هي الوسطية بين جانب التعبد وجانب الدنيا، فلا ينبغي ان يحملك ذكر الموت على تعطيل مصالح الدنيا، ولا ينبغي كذلك ان يَحْمِلَكَ في انغالك في الدنيا والاشتغال بها على ان تنسى الموت.
فان قُلْتَ: وما حقيقة الموت، وما هذا الموت الذي ينزل بنا، بينما اخونا او صاحبنا او حبيبنا او هذا الآدمي ياكل ويشرب، ويقوم ويقعد، ويقوم بمصالح نفسه، ولا تتعطل حركاته، فما فما الذي حل بالميت؟
اعلم رحمك الله ان اهل السنة متفقون على انّ ”الموتَ مَخْلُوق خَلْقاً وليس عَدَما“؛ ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]، فاذن: الموت مخلوق مثل الحياة، فالله عز وجل اذا اراد ان يُحييَ هذا الجسد نفخ فيه نفخةَ الحياة، يعني خلق فيه الحياة، واذا اراد ان يُميت هذا الجسد، لا يَسْلِبَ الحياة منهُ، وانّمَا يَخْلُقُ فيه الموت، فالذي احياه هو خلقه خلقُ الحياة فيه، والذي اماتَهُ ليس هو سَحْبِ الحياة منه، وانّما وجود مخلوق اخر في هذا الجسد وهو الموت، مثل الليل والنهار، فبعض الفلاسفة يقولون إنَّ ”الليل عدم النهار"، وهذا خطأ، فالليل مخلوق مثل النهار؛ فالله عز وجل خلق النهار، فإذا اراد ان يذهب هذا الخلق احلَّ مكانه خلقا اخر وهو الليل، فالقران شهد ان الليل مخلوق﴿وَجَعَلْنَا -وخلقنا- اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: 10]، وان النهار مخلوق ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 11]، وشهد القران ان الحياة مخلوقة، وان الموت مخلوق ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
اذن: الموت ليس مُجرد عدم الحياة، بل هو مخلوقٌ، يُحِلُّهُ الله عز وجل في هذا الجسد، فإذا كان الانسان حيا فيُقال (حلّت فيه الحياة)، وإذا مات فلا يُقَالُ خرجت حياته فقط، وانّما يُقال (خلق الله الموت فيه)؛ فالموت يُخْلَقُ في الجسد الذي يُريد الله عز وجل اماتَتَهُ، فهذا هو الحق الذي اتفقت عليه كلمة اهل السنة والجماعة خلافا للفلاسفة الذين يقولون إنَّ (الظُّلْمَةُ عَدَمُ النُّور، وإنَّ الموت عدم الحياة).
وربما يسال سائل ويقول: هل الروح تموت، فالجسد يَتَّفِقُ على انه يموت ويتلاشى ويُؤكل كل شيء منه الا عَجبِ الذنب، لكن الروح هل هي تموت؟
الجواب: اعلم رحمك الله ان العلماء مختلفون، وانّ خلاف العلماء خلاف لَفْظِيٌّ، يعني انّ:
القول الاول: مِنَ العلماء من يقول: إنَّهَا تموتُ.
القول الثاني: ومن العلماء من قال: إنّهَا لا تموت.
القول الثالث: وهو الصحيح ان شاء الله هو الجَمْعُ والتاليف بين هذين القولين، وهي انْ نقول لها مقصدين عن القائل واحد جائز وواحد ممنوع:
المعنى الجائز: إنْ كُنت تقصد بموتها اي مفارقتُهَا للجسد واخذُ المَلَك لها، أي كُنْتَ تقصد بموتها مُجرد مفارقتها للجسد، فصفهَا بانها تموت بهذه الحالة، ولكن:
المعنى الباطل: ان كنت تقصد بكونها تموت، انّهَا تَضْمَحِلُّ وتُؤكل وتتلاشى وتنعدم بعد خروجها من الجسد وكانّها غير موجودة، فهذا باطل بشهادة القران، وشهادة السنة الصحيحة، واتفاق المسلمين جميعا.
لان الروح لم يخلقها الله للفناء المُطلق، وانّما خلقها الله عز وجل للبقاء، فالروح مخلوقة كما خلق الله الجنة، خلقها للبقاء، والعرش مخلوق للبقاء، النار مخلوقةٌ للبقاء، اللوح المحفوظ مخلوق للبقاء، القلم مخلوق للبقاء، فثمانيةٌ حُكْمُ البقاء يَعُمُّهَا وهي هذه الاشياء الثمانية [وهي: 1. العرش. 2. الكرسي. 3. اللوح المحفوظ. 4. القلم. 5. الجنة. 6. النار. 7. أرواح أهل الجنة. 8. أرواح أهل النار]، فمن جُملةِ هذه الاشياء الروح، فالروح تخرج وتبقى بعد خروجها من الجسد، إمّا مُنَعَّمَة، او مُعذّبة، على ما يقضيه الله عز وجل فيها، لكن ما تنعدم، وما تتلاشى.
اذن: فمَن سمَّاهَا مَيتة بمعنى انها خرجت من الجسد فلا حرج، لكن من سماها ميتة ويقصد فنائها واضمحلالها كما تقوله الفلاسفة وكانّها لم توجد، فانّ هذا باطل باتفاق المسلمين، فالواجب الانتباه لذلك.
إعلموا رحمك الله رحمكم الله تعالى انَّ الانسان ينبغي له في سائر حياته ان يعيش على احسان الظن بربه عز وجل، فلا يجوز لك يا ابن ادم في اي حالة من الاحوال ان تُسِيءَ الظنّ بربك، مهما انْزَلَ عليكَ من البلايا، ومهما انزل عليك من المصائب والمُدلَهِمَّات والكُرُوب والهُمُومِ، فعليك ان لا يزيد ذلك الا احسانا للظن بالله عز وجل، لكنّ العلماء نَصُّوا على انّ أهَمّ حالة ينبغي ان يزيد ميزان احسان الظن بالله عز وجل فيها، هي حالةُ السَّكَرَاتِ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) [جابر بن عبد الله رضي الله عنه،من حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم برقم 2877]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيْمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عز وجل: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً») [أبو هريرة رضي الله عنه | المصدر: صحيح البخاري (7405)، وصحيح مسلم (2675)]، فمن ظَنَّ عند سكرات الموت انّ الله لن يُعَذِّبَهُ وانّهُ سيحصُرَهُ في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وانّ الله سيغفرَ لَهُ تقصيره وذنوبه، فانّ الله لا يُخيِّبُ عبدا احسنَ الظنَّ به في حال السكرات. فاذن: إذا كان احسان الظن في الله مطلوبا في كل جزئية من جزئيات حياتنا، وفي حال مرضنا وصحتنا، في حال غنانا وفقرنا، فينبغي ان يَزدادَ الطلبَ عليه عندَ حُلُولِ سكراتِ الموت؛ لانّ هذه حالةٌ ينبغي تحسينُ بل وزيادةُ تحسين الظنِّ في الله عز وجل.
ولذلك قال العلماء رحمهم الله تعالى انّهُ: ”ينبغي للعبدِ ان يَزِيْدَ في حُسْنَ الظّنِّ بالله في حالتين“:
الحالات التي يُحسن العبد ظنّهُ بالله
الحالة الاولى: عند التوبةِ من المعاصي، فاياك ثم اياك انْ تُسيءَ الظنَّ في الله او تُغَلِّبَ جانِبَ القُنُوطِ عند التوبة من المعاصي، بل غَلِّب جانب حسن الظن بالله، حتى يَحمِلَكَ هذا التغليب عند التوبة من المعاصي التي قَطَعتَ فيها رِبْحَا من ذلك، على ان لا تقنطَ من رحمة الله، ولا تيأس من روح الله عز وجل.
الحالة الثانية: عند سكرات الموت.
فهنا مسالة طبية تُسَمّى بموتِ الدماغ، فهل موت الدماغ يُعتبر موتا حقيقيا؟
الجواب: في ذلك خلاف بين اهل العلم، والقول الصحيح انّ: موتَ الدماغ لا يُعتبر موتا حقيقيا؛ لانّ حقيقة الموت هو شيء يَخلُقُهُ الله عز وجل ليقضِي خَلْقَهُ بمفارقة الروح للجسد؛ ولذلك الله عز وجل بيّن حقيقة الموت، وهو انّهُ خَلْقٌ يتضمنُ قبضَ الروح ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الزمر: 42]، فما دامت الروح لا تزالُ باقية، والانسان لا يزال يتنفس حتى ولو بتلكَ الاجهزة الطبية، فانّهُ لا يزال يُحكَمُ عليه بالحياة.
لكن إنْ سَمّى الاطباء الموتَ الدّماغِي مُوْتَا على حسب مصطلحهم هم، لكنّا معاشر اهل الشرع وطلاب العلم لا ينبغي لنا ان نُرَتِّبَ احكام الموت التي ندرسها في كتاب الجنائز على الموت الطّبي، فليُسَمِّهِ الاطباء ما شاؤوا، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن الموت الذي تترتب عليه الاحكام، انّمَا هو الموت الذي بيّنَهُ الله في كتابه، وهو انّهُ خلق يخلقه الله يتضمن انتزاع الروح وخروجها من الجسد.
اذن: فالاحكام الشرعية يجب تُنَاطَ بالالفاظ الشرعية، واما المصطلحات الحادثة فلا ينبغي ان تُقَدِّمَ ولا تُؤَخِّرَ في وجود ولا عدم، فإن قال الاطباء (موتا) نقبلها على الاصطلاح الطبي، لكن لا نقبلها على الاصطلاح الشرعي.
فما حكم تمني الموت؟
الجواب: -باختصار- لا يجوز تمني الموت إلا في حالتين؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا، فَلْيَقُلْ: ”اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي“) [أنس بن مالك رضي الله عنه | المصدر: صحيح البخاري (5671)، وصحيح مسلم (2680)]، لكن يجوز تمني الموت في حالتين:
الحالتان التي يجوز للمسلم ان يتمنى بهما الموت
الحاله الاولى: ان يخاف الانسان على نفسه من الفِتْنَةِ بشيءٍ من شهوات الدنيا، سواءا أكَانت فتنةَ شهوات او شُبهات، فيجوز عندَ خوف الانخراط في الفتنة انْ تَتَمنّى الموت، وعلى ذلك الحديث الذي في السنن: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، (-وهنا محل الشاهد:- وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ)، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ) [معاذ بن جبل رضي الله عنه | المصدر: سنن الترمذي (3235) | الحكم على الحديث: صححه الألباني في صحيح الترمذي]، وعليها يُحمل قول مريم: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ -وهنا محل الشاهد:- يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23].
الحاله الثانية: ان تتمنى الموتَ تَمَنِّيَا مُعَلَّقَا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ”فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا، فَلْيَقُلْ: ”اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي““ [انس في الصحيحين]، فقال في الحياة (مَا) وفي رواية (إن)، وفي الموت (مَا) وفي رواية (إنْ).
فاذن: إذا تَمنَّيْتَهُ مُعَلَّقا فلا بأس، واذا تمنيته خوف الوقوع في الفتنة فلا باس، وهذا هو من باب الجَمع بين الادلة.
فإذا تمنى الانسان ان يموت شهيدا، فهل هذا من تمني الموت المنهي عنه؟
الجواب: لا، بل ونسال الله ان نموت كلنا شهداء في ارض المعركة، فتمني الشهادة ليس من تمني الموت المُحرم ابدا؛ لان الادلةَ دلّت على عِظَمِ هذه الخاتمة، وقد نبهت الشريعة على طلبها؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) [ سهل بن حنيف رضي الله عنه | المصدر: صحيح مسلم (1909)]، وفي الحديث: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ) [أبو هريرة رضي الله عنه | المصدر: صحيح مسلم (1910)].
لقد نبه العلماء في كتاب الجنائز على وجوب تقديم التوبة والاستعدادِ للموت بها، يعني ينبغي لك ان تكون دائما على أُهْبَةِ الاستعداد للموت، واعظم ما تستعدَّ بِهِ التوبةَ الصادقة المُستَجْمِعَةَ لشروطها الستة:
شروط التوبة الستة
الشرط الاول: الاقلاع عن الذنب في الحال.
الشرط الثاني: الندم على الذنب الذي ارتكبه الانسان.
الشرط الثالث: العزمُ على عدم العودة مُطلقا لهذا الذنب مرة اخرى.
الشرط الرابع: ردُّ المظالم الى اهلها، سواء اكالت مظالم حِسِّيّةٌ او مظالم معنوية:
فالحسية مثل الديون والسرقات والغُصُوب.
والمعنوية كالغيبة والنميمية والبُهتان ونحوها.
الشرط الخامس: الاخلاص لله عز وجل؛ لانّ التوبة عبادة، والعبادة لا يقبلها الله عز وجل الا بالاخلاص.
الشرط السادس: أنْ تَكُونَ في زمن الامكان، اي ان تكونَ قبلَ زَوالِ زَمَنِ المُهْلَةِ، وكل اوقات العُمُرِ صالحةٌ للمهلةِ، الا اذا وجدت علامة عامة تنقطع التوبة في حق الجميع، وعلامةٌ خاصة تنقطع التوبة في حق من قامت فيه:
- امّا العلامة العامة (خروج الشمس من المغرب) فمتى ما خرجت الشمس من مغربها انقطعت التوبة انقطاعا مُطلقا على الجميع.
- وأمّا العلامة الخاصة التي تخص العبد بنفسه (غرغرةُ الروح).
فمتى ما توفرت هذه الشروط الستة، فانّ التوبة حينئذ مقبولة، فينبغي للانسان الا يسوف فيها.
ما حُكْمُ قراءة شيء من القران في حال الاحتضار؟
الجواب: اولا: اعلموا قاعدة وهي انّ ”الاصلَ في سور القران واياته بالاطلاق في الفضل زَمَاناً ومَكَانَا وحَالا“، فمن قيَّدَ شيئا من سور القران، او اياته، بزمان دون زمان، او مكان دون مكان، او حالةٍ دون حالة، فقال مثلا: (الافضل ان نقرا سورة كذا او اية كذا في زمان كذا او مكان كذا او حالة كذا) فهو يريد مِنّا تقييدَ المُطْلَق، والاصل هو البقاء على المُطلق، ولا يُقيَّدُ الا بدليل، فنحن لا نَقبلُ اي تقييد للمطلقات الا اذا جاءنا بدليل يدلُّ على ذلك.
واعظم السور التي تكلم عنها العلماء في هذه الحالة هي سورة (يـس)، وفيها حديث مَعقل بن يَسَار رضي الله تعالى عنه وارضاه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس) [ معقل بن يسار رضي الله عنه | المصدر: سنن أبي داود (3121)، وسنن ابن ماجه (1448)، ومسند أحمد (20301) اختلف العلماء في تصحيحه، لكن جمهور المحققين من المحدثين على تضعيفه؛ فقد ضعفه يحيى بن شرف النووي، وعبد العزيز بن باز، ومحمد بن صالح العثيمين، ومحمد ناصر الدين الألباني، وذلك لوجود جهالة واضطراب في سنده]، فهو عند ابي داوود [وصححّهُ الامام ابنُ حِبّان]، ولكن لو صح هذا الحديث لكان صالحا للتقييد، الّا انه حديث ضعيف؛ لان فيه رجلا يُقَالُ لَهُ (ابو عثمان) فسنده [سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبيه عن معقل بن يسار رضي الله عنه] قال أبو داود السجستاني عقب الحديث: “هذا الحديث ضعيف، أبو عثمان وأبوه مجهولان.”، وليس هو أبو عثمان النّهْدِي، فابو عثمان هذا مجهول، والمتقرر في قواعد التحديث انّ ”الجهالةَ سبب لرَدّ الرواية“، فاذن: لا نعلم دليلا يدلُّ على تعيين سورة، او ايةٍ تقرا في هذه الحالة، فاذن: نحن نرفض التقييد لعدم وجود الدليل.
لكن نبقى على حكم الاطلاق وهو انّ: مَن اراد في هذه الحالة والظروف الحرجة ان يقرا شيئا من القران لا عن فَضل خاص، ولا عن تقييم سورة او اية خاصة، فمن الذي يمنعه؟ تبقى الادلةُ العامةُ المُرَغِّبَة في سماع القران، وفي قراءه القران، وفي فضل القران، بل انّه لو مات بعد سماعه شيئ من ايات القران، فانها تكون حسن خاتمة، بل ربما يتخيّرُ القارئ، ويكون حكيما، فيتخير مثلا الايات التي فيها توحيد، التي فيها لا اله الا الله، من باب تحقيق مصلحة الشرعية وهي (تلقينَهُ بِلا مُبَاشَرَة)، فبدل ما يقول (قُل لا اله الا الله)، فيقرأ مثلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: 19]، فهذا لا بأس، لكن من غير تحديد شيء معين بفضل خاص، لا زمانا، ولا مكانا، ولا حالا؛ لان التقييد يحتاج الى دليل، وسورة الرحمن كذلك، وغيرها، فكل ذلك لا نعلم له دليلا خاصا.
ما حُكْمُ قراءة شيء من القران بعد الموت، فهل اذا مات، أوَيُسَنُّ ان يُقرا في حال خروج روحه -يعني بعد خروج الروح- شيئا من القران؟
الجواب: امّا هذا فلا نعلمه واردا ابدا، ولم يقله احد من العلماء.
فاذن: مسالة قراءة القران على المحتضر، إمّا قراءة قبليّة -اي قبل خروج روحه-، وإمّا قراءة بعديّة -بعد خورج روحه- فالخلاف حصل فقط في القراءة القبلية لا القراءة البعدية.
استحب العلماء جميعا لِمَن حَضَرَ الميت ان يُلقنَهُ كلمةَ التوحيد، ويكونُ تلقينُهُ برفقٍ؛ وذلك لانّهُ قد حَلّ بِهِ امرٌ عظيم لا يُطاق وهي السكرات، فنفسهُ مُتحجرِش، وصَدْرُهُ ضيّق، فانت لا تثيره ببعض التصرفات التي تثير حفيظةَ غضبه، فربما قال (لن اقول) فربما تُخْتَمُ له بهذه الكلمة فتكون انت سببا في ذلك.
وقد دل على ذلك الدليل الاثري والنظري: والدليل الاثري: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ) [أبو سعيد الخدري رضي الله عنه | المصدر: صحيح مسلم (916) ]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ) [معاذ بن جبل رضي الله عنه | المصدر: سنن أبي داود (3116) | الحكم على الحديث: صححه الألباني في صحيح أبي داود]، وفي رواية ابن حِبّان: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ) [معاذ بن جبل رضي الله عنه | أخرجه سنن أبي داود (3116)، وأخرجه مسند أحمد باختلاف يسير. والزيادة: (يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) وردت في بعض الروايات والشواهد، وذكرها أهل العلم في الشروح]، وقد اجمع العلماء على ان مَن مات ومَعَهُ اصل الاسلام على (لا اله الا الله)، فانه لا يخلد الخلود الابدي المطلق في النار, وان مسته بسبب بعض ذنوبه اذا شاء الله عز وجل ان تمسه, فانه يخرج منها الى الجنة انتقالا.
إنْ قُلْتَ: ما حُكْمَ توجيه المحتضر للقبلة؟
فاقول: في ذلك خلاف بين اهل العلم رحمهم الله، والقول الصحيح انّهُ يُستحبُّ توجيه المحتضر الذي حَلَّت فيه السكرات الى جهه القبلة؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الكعبة: الكبائِرُ تِسْعٌ ، أعظمُهُنَّ الإِشراكُ بِاللهِ، و قتلُ النفسِ بِغيرِ حقٍّ، و أكلُ الرِّبا، و أكلُ مالِ اليتيمِ، و قذْفُ المحصَنَةِ و الفِرارُ يومَ الزَّحْفِ، و عُقوقُ الوالِدَيْنِ، واسْتحلالُ البيتِ الحرامِ، قِبلتِكمْ أحياءً و أمْواتًا. [من حديث عمير بن قتادة الليثي، أخرجه أبو داود (2875)، والنسائي (4012) باختلاف يسير، وحسنه الالباني في صحيح الجامع 4605]. محل الشاهد “و اسْتحلالُ البيتِ الحرامِ، قِبلتِكمْ أحياءً و أمْواتًا“.
فان قلتَ: وكيف نوجهُّهُ؟
فنقول: نجعل وَجْهَهُ الى جهة القِبْلَة على جنبه الايمن إنْ أمْكَنَ ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفسا الا وُسعها، ولكن في تصرفنا معه في هذه الحالة ينبغي ان يكون بكمال الرفق، وكمال العطف والحنان، حتى لا نُغضبه، او نثير حفيظةَ غضبه.
إنْ قُلْتَ: وهل يُستَحَبُّ تَبْقِيَتُهُ متوجها الى القبلة حتى بعد الموت وبعد خروج الروح؟
فاقول: في ذلك خلاف بين اهل العلم رحمهم الله تعالى، والقول الاقرب ان شاء الله انّ: بعدَ خروج الروح لا يلزم ذلك، الا اذا انزلناه في قبره، لعدم وجود الدليل الخاص بذلك، ولعظم المشقة علينا في امساكه، او في رد جسده من هاه وها هنا حتى لا ينكفئ على ظهره.
فاذن: المطلوب توجيهه في حال حلول السكرات، واما بعد خروج الروح منه فانّه لا يُطلب توجيهه في هذه الحالة.
اعلم رحمك الله تعالى ان الفقهاء استحبوا لِمَن حَضَرَ المُحتَضِرُ في عِدّة اشياء ذكرنا منها سابقا:
المستحب الاول: توجيهه للقبلة [ذكرناه في المسألة الثالثة عشرة].
المستحب الثاني: تلقينه الشهادتين برفق [ذكرناها في المسألة الثانية عشرة].
المستحب الثالث: قراءة القران عنده دون تخصيص سُوَرٌ معينة [ذكرناها في المسألة الحادية عشرة].
المستحب الرابع: ايضا فإنّ الموت حرارة تنبعثُ من الجسد، فينشَفُ بها اللسان والحلق، وتيبسُ الشّفتات، فاستحب العلماء رحمهم الله تعالى في هذه الحالة، ان يُنَدِّيَ الانسان اصابعه او منديل او قطنة، فينديها في عصير، او ينديها في شاي او قهوة باردة، او ينديها مثلا في ماء، فيبُلُّ بها شفتيه، ليكون ذلك أعْوَنُ له عن النطق بالشهادتين، فانّ الحلق اذا جف، واللسان اذا يَبَس، والشفتان اذا يبست ايضا، يَصعُبُ النطق على الانسان، فهو الان ضعيف يحتاج الى من يعينه، لكن الفم اذا كان مبتلا ولعابه فيه، فان النطق عليه يكون يسيرا سهلا؛ ولذلك تجدون الانسان اذا اكثر الكلام ربما يحتاج الى جَرْعَةٍ من الماء حتى ينطق بالعِلْم؛ لانّ النُّشُوفةَ تمنع خروج الكلام، ويسر حركة الحبال الصوتية.
المستحب الخامس: يُطلبُ ممن حضر عن المحتضر أنْ يُغَمِّضَ عينيه بعد التاكد من خروج روحه، فمتى ما خرجت الروح، فانّهُ يُستحب له ان يُغَمِّضَ عينيه؛ وذلك للدليل الاثري والنظري:
الدليل الاثري: ففي صحيح مسلم من حديث أمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ»…) [أم سلمة | المصدر: صحيح مسلم (920)].
الدليل النظري: فلأنّ الانسان اذا عَلِمْنَا انه ميت وعيناه مفتوحتان، فانّ هذا يوجب الرّهْبَةَ والخوف منه، ويوجب تشويه منظره، ونحن ينبغي لنا ان نعامل اخانا الذي خرجت روحه بأتمِّ المُعاملة، فنُغْمِضُهُ للدليل الاثري وحتى لا يقدَحَ منظره، او يَرهب من حَوْلَهُ منه.
المستحب السادس: يستحبُّ لمن حضر المحتضر كثرةُ الدعاء لهذا الميت، فلا ينبغي ان يشتغل بالقيل والقال وكثرة الكلام الجانبي، او اللطم، والصراخ، والبكاء، بل الدعاء للميت، فانّهُ مَوْضِعٌ من المواضع التي يُستجاب به الدعاء، ويغفل عنه الكثير، رُبَمَا يكون عند الله هذا الميت من اهل النار، لكن بتلك الدعوة في مجلس شهدته الملائكة قَبِلَ الله عز وجل دعاء من حضر، وكُتِبَ هذا الرجل في دَوَاوِيْنِ اهل الجنة؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لآلِ أبِي سَلَمَة بعد ان مات قال: (لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. ثم قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) [أم سلمة | المصدر: صحيح مسلم (920)]، وكُلَّمَا دعا الحاضرون للميت بشيء قالت الملائكة: امين، فامّا الدعاء بالويل، والشر، والثُّبور، والهلاك، واللطم، وكثرة البكاء، والصراخ، ويا لهوي، فكل هذا من الامور التي لا ينبغي قولها؛ لان هذا موضع تستجاب فيه الدعوات، فلا ينبغي ان تدعو على نفسك بالشر فتقول الملائكة: امين، فيكون في ذلك عَطَبُك.
ان قُلْتَ: وما حكم تقبيل الميت بعد موته؟
فاقول: قَبِّل كيفما شئتَ، اذا كان مِمَّن يَحِلُّ لَكَ ان تُقَبِّلَهُ فلا حرج عليك، ولا باس في ذلك ان شاء الله عز وجل، فمن كان يجوز له ان يُقَبِّلَهُ في الدنيا، فله ان يُقَبِّلَهُ بعد موته، وعلى ذلك ما في صحيح الامام البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: .. فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا. أي: لن يُوقع الله بك موتًا ثانيًا بعد الموتة التي كتبها عليك في الدنيا، فقد وفيت ما قضاه الله عليك من الموت، وهذا المعنى موافق لقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30][عائشة بنت أبي بكر | المصدر: صحيح البخاري (1241)]، ولانّ المُتقرر انّ ”الاصل في الاشياء الحل والاباحة“، ولان المنع حكم شرعي، والاحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للادلة الصحيحة الصريحة.
لقد ذهب بعض العلماء الى انّهُ اذا كان في مَجْلِسُ الوفاة قد حضر إمْرَأةٌ حائِضٌ او نُفَسَاء او جُنُب، فيُسْتَحَبُّ اخراجُهُنَّ، حتى لا يُحضر مجلس قبل الروح الا مَنْ هُوَ على طهارة كاملة، ولكن هذا الاستحباب غير مقبول ولا دليل عليه، ولا يجوز ان نعتقد استحباب شيء الا وعلى ذلك الاستحباب دليل.
كما ان بعض اهل العلم كَرِهَ تغميض العينين من الحائض والنُفَسَاء والجُنُب، وكل ذلك إدِّعَاء فروع شرعية لا دليل عليها، والاحكام انما مصدرها من الشرع، وليس هناك دليل لا من الكتاب، ولا من السنة الصحيحة، ولا من اقوال الصحابة، ولا من القياس الصحيح، ولا الاعتبار المقبول عند اهل العلم مما يُصَحِّحُ هذه الفروع، فلو كانت الحائض والنفساء موجوده تبقى لا باس عليها.
وكذلك كره بعض اهل العلم وجود الجنب في مجلس الوفاة، قالوا: لماذا؟ قالوا: لانّ الملائكة ما تدخل بيتا فيه جُنُب، ونحن الان نحتاج الى وجود الملائكة عند هذا المَيِّت، ولكن هذا ايضا فيه نظر ظاهر، لماذا؟ فانّ الجنابةَ وان كانت مانعةً للملائكة الا اذا كان لا يتعلق بذلك حَقُّ الغير، فالملائكة تحضر لا لحق يَرجِعُ للجُنُبِ نفسه، وانما يرجع لغيره، فاهمَالِ الجنب لا يُضيع حق غيره، كَمَا مثلا لو جاء جنب للمسجد، والملائكة تكون مع المسلمين في المسجد، فهل تخرج الملائكة من المسجد ويُحرم المسلمون منهم؟ الجواب: لا، فوجود الجُنُبِ في المكان في امر لا يتعلق بِحَقِّهِ هُوَ، فلا يُعتبر مانعا دخول الملائكة، لكن الملائكة ما تدخل في المكان الذي فيه الجنب اذا كان يتعلق بِحَقِّهِ هو؛ لقوله ﷺ (لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَا كَلْبٌ، وَلَا جُنُبٌ.) [علي بن أبي طالب | المصدر: سنن أبي داود (4152)، وسنن النسائي (261)، فصححها أو حسنها جماعة من أهل العلم، منهم الألباني، بينما توقف فيها عبد العزيز بن باز، وقال إن زيادتها محل نظر، واستدل بأن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب بعد أن يتوضأ، ولو كانت الملائكة لا تدخل بيت الجنب مطلقًا لما كان ذلك، وحملها جمهور الشراح على ملائكة الرحمة والبركة، وليس ملائكة الحفظة ولا الملائكة الموكلين بقبض الأرواح؛ فهؤلاء لا يفارقون العبد، كما حملها كثير من العلماء على من يتهاون بالغسل من الجنابة ويؤخره بغير عذر حتى يصير ذلك عادة، لا من أخَّر الغسل إلى وقت الصلاة أو نام جنبًا بعد الوضوء].
فاذن: لا يلزم اخراج لا الحائض، ولا النُفَسَاء، ولا الجُنُب، وليس وجودُهُ في هذه الحالة يُعتبر طاردا للملائكة.
فان قلت: هل يجوز للرجل ان يُغمِّضَ عين المراة اذا ماتت؟
الجواب: نعم، إذا كان في حياته يجوز له ان يَمَسَّهَا، سواءا ان كانت زوجته، او ابنته، او اخته، او عمته، او خالته، او بنت اخيه، او بنت اخته، وأمّا المراة الاجنبية فلا يجوز له انْ يَمَسَّهَا.
تفصيل في حكم الرجل الاجني: إلّا انّ بعض اهل العلم قالوا: ”بل يجوز له انْ يمسها، في هذه الحالة فقط: إذا لم يُوجد غَيْرُهُ مِنْ مَحْرَمٍ او امراة“، فقالوا: لماذا؟ فقالوا -من باب التأصيل العلمي- فقالوا: لانّ حُرْمَة مَسِّ الاجنبي لجسد الاجنبية ليس مُحَرَّمَا لذاتِهِ، وانّمَا مُحرم لانه ذريعة للفاحشة ولاثارة الشهوات، فإذن: مَسُّ الاجنبية ليس مُحَرَّمَا تحريم مَقَاصِد، وانّما تحريمُ وَسَائل، ”وما كان مُحرما تحريم وسائل، فيجوزُ عِنْدَ حلولُ الحاجات“، وهذا وهذا القول هو الاقرب ان شاء الله، وهي انّ الاجنبي يجوز له ان يُغمض في حال الضرورة والحاجة الملحة في عدم وجود من يُغمِّضُهَا، واما في حال السعة والاختيار فلا يجوز.
امثلة: مثل حكم الحرير اليس حراما على الرجال؟ لكن اذا حَلّ بك مرض وكان افضل ادوية لَكَ الحرير البس الحرير لا باس، والذهب يجوز ان يَتَداوى به مع انهما محرمان، لكن تحريمهما لما لم يكن تحريم مقاصد، وانما تحريم وسائل، يعني سدا لذريعة التشبه بالنساء، والتأنّث، والتخنث، فالرجل زينته بِفُحُولَتِهِ ورجولته، فاذن: مُحرم تحريم وسائل، وليس تحريم مقاصد.
القاعدة: ما كان محرما تحريم وسائل فتبيحه الحاجات، وما كان محرما تحريم مقاصد فلا تبيحه الا الضرورات، [الضابط عند الأصوليين هو: الضرورة: إذا لم يُرتكب المحظور ترتب على ذلك هلاك النفس، أو تلف عضو، أو ضياع أحد الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، أو ضرر بالغ يقارب ذلك. الحاجة: إذا لم يُرتكب المحظور لم يقع هلاك ولا تلف، لكن تقع مشقة معتبرة أو حرج شديد، سواء كان عامًا أو خاصًا.] اي (الثقيل للثقيل، والخفيف للخفيف)، فالضرورة ثقيلة فهي للمُحرم تحريم مقاصد، مثل الاكل من الميتة، واما ما حُرِّمَ تحريم وسائل فانّ تحريمَهُ خفيف، فتبيحه الحالة الخفيفة وهي الحَاجَة، فما كان محرما تحريم مقاصد فتبيحُهُ الضرورات، وما كان محرما تحريم وسائل فتبيحه الحاجات هذا هو الاقرب والله اعلم.
فإنّ من العلماء من نَصُّوا على انّهُ ينبغي ان يقول عند التغميض: بسم الله، وعلى وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل هذا القول مقبول، ولا غير مقبول؟
الجواب: المتقرر عند العلماء انّ: ”الاصل في الاذكار الإطْلاق عن الزمان والمكان والاحوال“ وهذه قاعدة عظيمة جدا، فمَن قَيَّدَ ذِكْرَا بزمان دون زمان، او قيد ذكرا بمكان دون مكان، او قَيّد ذكرا بحال دون حال فنطالبه بدليل التقييد، فانْ جاء به صحيحا صريحا فعلى العين والراس، وان لم ياتي به فانّه لا حَقّ لاحد ان يَذْكُرَ استحباباً لا دليل عليه.
وبناء على ذلك فلا نعلم بالحقيقة على مشروعية او استحباب هذا القول، فلا دليل بخصوص، لا من كتاب الله، ولا من السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن قول احد من العلماء، انمّا هذا قول ورد في حديث ابن عمر عند ادخال الميت كما سياتينا، وامّا عند تغميضه فانّهُ ليس هناك دليل يدل عليه.
فان قُلْتَ: أوَلَا يُقَاس هذا علي هذا، اي ان الدعاء الاصل فيه عند ادخاله القبر، أولا يُفَرَّعُ على ذلك عند تغميض العينين ايضا بالقياس؟
نقول: لا، عندنا قاعدة اصولية وهو انّهُ: ”لا قياس بين عبادتين مستقلتين“، فلا قياس في عبادات، فالقياس في العبادات ممنوع عند اهل السنة والجماعة، فاذن: إدْخَالُهُ عبادة مستقلة، وتغميضه عبادة مستقلة ولا قياس بين عبادتين؛ ولان القياس يشترط فيه ان يكون مُعَلَّلا، وتِلْكَ العلة مُتفقة مع الفرع، فاذن: عِلَّةُ التغميض ما هي؟ حتى لا يُكْرَهُ منظره، وعِلَّةُ ادخاله مُوَارَاتُهُ فاكرام الميت دفنه حتى لا تاكل السباع جسده، ولا تخرج رائحته تؤذي اخوانه، فالعلتان مختلفتان، ومع اختلاف العلل يمتنع القياس.
فاذن: غَمّض ولا تذكر شيئا، لكن ان كنت تدعو قبلا، او دعوت عن غير قصد، او ذكرت شيئا من الاذكار عن غير قصد فضيلة بخصوصها فاننا لا نقول لك شيئا؛ لانك تذكر الله مُطلقا لا مقيدا فنحن نمنع التقييد لا الاطلاق.
فان قال قائل: يا اخي وبعدين معكم انتم يا الحنابلة، كل شيء تمنعونه، يعني الرجل يقول (بسم الله) وبسم الله اية من القران ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]، ثم قال وعلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني لماذا هذا التشديد؟
فنقول: إنّ المتقرر عند العلماء قاعدة عظيمة وهي اصل عند اهل العلم تحفظ، وهي انّ: ”مشروعيّةَ الشيء بأصْلِهِ، لا تستلزِمُ مشروعيتَهُ بِوَصْفِهِ“ فنحن لا نمنع الاصل، وانما نمنع الوصف. مثلا: الذي يرفع من الركوع ويقول (لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وعلى كل شيء قدير)، فهذا القول صح ام خطا؟ طبعا صحيح، قال ﷺ: (خَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص | المصدر: سنن الترمذي (3585) | الحكم على الحديث: حسنه محمد ناصر الدين الألباني في صحيح الترمذي]، فنقول هذا القول (صح وخطأ)، فهو صحيح بأصله اي اصل ثبوته وثبوت فضيلته، وخطأ بِوَصفه اي لا يُقال في هذا الموضع، فاعتقاد فضيلة هذا القول الشرعي في هذا المكان المخصوص هو الذي نَرْفُضُهُ، فاذن: لا تخلطوا بين اصل الشيء ووصفه؛ لان كثيرا من اهل البدع جعل مشروعية الاصل مُسَوِّغَةً ليُشَرِّعَ الوصف. [وهناك رسالة للشيخ وهي رسالةٌ في وجوب التفريق بين اصل العبادة ووصفها (موجودة النسخة لدينا بالملف والحمد لله)]؛ لان اغلب اهل البدع عندهم خلط في اصل العبادة ووصفها، فإذا انكرت عليهم الوصف ماذا يقولون؟ يحتجون مباشر بالاصل، مثل: الذي يقول قبل الاذان ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: 111]، ثم يبدأ بالاذان فيقول (الله اكبر)، فنقول له: يا اخي هذه بدعة، فيقول لنا: اعوذ بالله، هذه من القران، وفي سورة الاسراء!، وقال الله عز وجل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20]، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، وقال النبي (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ.) [أبو أمامة الباهلي | المصدر: صحيح مسلم (804)]، فهل كلامه صح ولا خطا؟ نقول: كلام كله صحيح، لكن الادلة تُصَبُّ في الوصف ولا في الاصل؟ الادلة تصب في الاصل، ونحن انكرنا ماذا؟ الوصف، ”مشروعيّةَ الشيء بأصْلِهِ، لا تستلزِمُ مشروعيتَهُ بِوَصْفِهِ“، فقد يكون الاصل مشروعا والوصف ممنوعا.
فاذن: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نمنعها بأي اعتبار، بالاصل ام بالوصف؟نمنعها باعتبار الوصف، اما بالاصل فهو ثابت في موضع اخر بوصف اخر.
مثا: الفاتحة على روحه -ستأتي ان شاء الله- اي إذا ذُكِرَ الميت يقراون الفاتحة، فنقول: امّا الفاتحة باعتبار كونها سورة من القران، ووردت الادلة بفضلها فهذا هو الاصل، لكن باعتبار اعتقاد فضيلتها بخصوصها في هذا الموضع فهو وصف، فإذا انكرت الوصف ماذا يقولون؟ يستدلون عليك اهل البدع بالاصل.
مثال آخر: الذين يحتفلون بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، على طول مباشرة يقولون: نُحِبُّه، طبها المحبة أصل، ونحن نتكلم عن الوصف، من الذي قال لك ان تُعبِّرَ عن محبتك بالاحتفال؟ انا اطلب دليل على الوصف، وليس الأصل، فمحبته فرض فيه، بل وتقديم محبتي على محبة النفس والولد والمال، فاذن: كل اهل البدع متى ما انكرت عليهم الوصف، مباشره جاء بادلة الاصل.
مثال آخر: قبل ابتداء الخُطُوبَة يقرأونَ الفاتحة عليها، فهل الفاتحة باصلها ممنوعة ام بوصفها؟ بوصفها.
مثال آخر: الذكر الجماعي، كم من كلمة (الذكر الجماعي) كلمتين، الذِّكْرُ مشروع، جماعي ممنوع، فاذن: نحن نمنع الوصف ما نمنع الاصل، فابعد هذا الوصف (الجماعي) الممنوع، واذكر الله في الليل والنهار كما تشاء، فمتى ما انكرت عليهم يقولوا انت (انت وَهَّابِي)، ويقولون لنا: هذا اللي علمكم علمائكم، تنكرون ذكر الله، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا - وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]، فهذا للذي يلاحظ هو دليل اصل وليس دليل وصف، فدليل الاصل اصلا خارج محل النزاع بيننا.
القاعدة الاولى: انّ الاحكام الشرعية تفتقرُ في ثُبُوتِهَا الادلة الصحيحة الصريحة.
لان المُبتدع يستدل على بدعته باحد دليلين:
اولا: إمّا ان يستدل على بدعته بحديث مكذوب، او موضوع، او وَاهي، فتاتي قاعدة ”الاحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها الادلة الصحيحة الصريحة“
ثانيا: وإمّا ان يستدل على بدعته بدليل صحيح من القران والسنة، لكن هو يضيف على هذا الدليل الصحيح وصفا لا دليل عليه، فتاتي قاعدة:
القاعدة الثانية: [التي اخذناها الان] مُشروعية الشيء باصله لا تَسْتَلزِمُ مشروعيّتَهُ بوصفه.
المستحب السابع: فمما استحبه الفقهاء لمن حضر الميت ايضا ان يَشُدَّ لحيَيّه، وهي ان يَضَعَ خِرقةً تربط لحييه مع هامَتِهِ (راسه)، وعللوا ذلك حتى لا يبقى فَمُهُ مَفْتُوحا فيَقْبُحُ مَنْظَرُهُ، ويهابُهُ من حَضَرَهُ.
المستحب الثامن: واستحب الفقهاء كذلك لمن حضر الميت انْ يُلَيِّنَ مَفَاصِلَهُ (يديه ورجليه)؛ لانها اذا بقيت بدون تليين فانها سوف يعسر على الغاسل تقليبَهُ وربما تنكسر يده، او تنكسر رجله، لكن اذا ليّنها مَرَةً او مرتين فانه سيبقى مُدّة طويلة وهو مُلَيّن.
طريقةُ التليّين: ان ياخذ يَدَهُ اليُمْنَى ثم يَرُدُّهَا الى كَتِفِهِ، ثم يعيدها مرة اخرى، وكذا اليسرى، ويَرُدُّ ركبتيه الى فخذيه، ثم يعيدها مرة اخرى وان كررها مرتين فلا حرج ولا باس عليه، لكن شريطة الا ينكشف شيء من عورة الميت.
ان قلت: ما حُكْمُ نزع ثيابه بعد خروج روحه -وهنا بعد نزع الروح وليس قبل التغسيل-؟
فنقول:
المستحب التاسع: نعم، هذا هو السّنَّة، فلا ينبغي بقاء ثيابه عليه؛ لان ثيابه خاصة القطن والكتان يُوجِبُ حرارة، ونحن نريد ان نبرد جسده في اطول وقت حتى، لا يسرع له الفَسَاد، فثيابُهُ هذه توجب السخونة لجسده، فيُسرع اليه الفساد، فنجردُهُ من ثيابه، ولكن يجب علينا ان نضع عليه شيئا باردا، لما الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تُوُفِّيَ سُجِّيَ -أي غُطِّيَ وستر جسده الشريف- بِبُرْدِ -كساء أو ثوب مخطط يُلتحف به- حِبَرَةٍ -بكسر الحاء وفتح الباء): نوع من البرود اليمانية، يكون غالبًا مخططًا أو مزخرفًا بخطوط جميلة-) [عائشة بنت أبي بكر | المصدر: صحيح البخاري (5814، 1241)، وصحيح مسلم (942)].
المستحب العاشر: ومما ينبغي ايضا فعله عنده بعد خروج روحه، ان الفقهاء استحبوا ان ياتي بشيء ثقيل ويضعُهُ على بطنه، حتى لا ينتفخ، هذا فيما اذا غلب على ظن من عنده انتفاخ بطنه، فيضعون عليه شيئا ثقيلا حتى لا ينتفخ.
نقول هنا: نحن للان وصلنا الى انّ امامنا جَنَازَةٌ مُمَدَّدَةٌ، قد جردناها من ثيابها، وغَطَّيْنَا عورتها، وعندنا مسالة تتكلم عن قاعدة من قواعد باب الجنائز، وهي انَّ ”الاسراع مأمُورٌ به في كل احوال الجنازة“؛ لما في الصحيحين من حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال: (أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) [أبو هريرة | المصدر: صحيح البخاري (1315)، وصحيح مسلم (944)]، وهذا ليس اسراعا بالمشي فيها، وانّمَا هو أمرٌ مطلق، والمتقرر عند العلماء: ”بَقَاءُ المُطلَقِ على إطْلَاقِهِ، ولا يُقَيَّدُ الا بدليل“، فـ“أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ" تجهيزا، “أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ“ تغسيلا، “أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ" تكفينا، “أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ" بها صلاة، “أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ" سيرا الى المقبرة، “أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ" دَفْنَا، فجميع ما يتعلق بالميت فينبغي ان نعتمد فيه قاعدة ”الاسراع مأمُورٌ به في كل احوال الجنازة“. لكن: الاسراع هنا ضابته هو الذي لا يُفَوِّتُ من السُّنَّة.
والعلماء استثنوا من قاعدة (الاسراع) بالـ (الابطاء) في بعض المواضع إذا كانَ لمصلحةٍ راجِحَة:
فمنها: إذا اقتضى تاخير تغسيله مَصْلَحَة، فنؤخر تغسيله.
وايضا: اذا اقتضى تاخير تكفينِهِ مَصْلَحَة فنؤخر تكفينا.
وايضا: اذا اقتضى تاخير الصلاة عليه مصلحة، فنؤخرها.
فاذن: فايُّ حالة من احوالها الاصل فيها (الاسراع) الا اذا كانت المصلحة تقتضي تاخيرها، وكانت المصلحة مُعْتَبَرَةٌ شرعا، فانّنَا نُؤَخِّرَهَا لهذه المصلحة؛ لان المتقرر عند العلماء انّ ”الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلِهَا، وتقليلِ المفاسد وتعطيلها“.
مثال ذلك: إذا كانَ المَيِّتُ قد جُنِيَ عليه، فتكون الجثة جُثَّةٌ جِنَائِيّةٌ، والجثث اللي يتعلق بها امور جنائية سوف تُؤَخّر كثيرا، وربّما تُؤَخر بالسنوات، حتى يُكشف القاتل، فما يدفن الا بعد كشف قاتله، او يختم ملفه، او المحضر يُغلق، والا فيبقى وهناك جثة بقيت ثلاث سنوات في الثلاجة؛ لان زوجها متهم بقتلها، ولا تزال التحقيقات جارية حتى كشف عن حقيقة الامر، ثم اُذِنَ بعد ذلك بالدفن.
ومثاله ايضا: وكذلك تاخير الميت لمصلحة الراجحة اذا كان الماء غير موجود معنا الان، لكن الماء سيأتي بعد ساعة، او هو مات بالبر وادركنا البلد قريبة، او مات علينا في البحر وبيننا وبين البلد ساعات او ساعتين او ثلاث ساعات، فهنا لا نُيَمِّمُهُ بل ننتظِر، فتاخير تغسيله لمصلحة راجحة، وهكذا يقال في تكفينه، وهكذا يقال في الصلاة عليه.
اذن: الاصل في كل شؤون الميت الاسراع، الا اذا كان هناك مصلحة راجحة للتاخير.
توجيه الميت على السرير: اعلم ان الفقهاء استحبوا ان يوضع الميت على سرير تغسيله متوجِّهَا الى القبلة؛ وذلك لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة: (… إِنَّهَا قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا.) [عمير بن قتادة الليثي | المصدر: سنن أبي داود (2875) | الحكم على الحديث: حسنه محمد ناصر الدين الألباني في صحيح أبي داود].
حكم وضع الميت على الارض لتغسيله: فلا ينبغي لجثته ان تبقى على الارض؛ لان ذلك -اي وضعها على السرير- احْفَظَ لجثتِهِ عن اسراع الفساد لها، وابْعَدَ عنه دخول شيء من الهَوَام في انفه، او فَمِهِ، او في دُبُرِهِ، او نحو ذلك، وليرتفع ايضا عن نَدَاوَةِ الارض.
انحدار السرير: ويستحبُّ كذلك مع توجيهه على سريره الى القبلة، انْ يكون السرير مُنحَدِرَا الى جهة القدمين مرفوعا من جهةِ الرّاس ما استطعنا الى ذلك سبيلا، لا سيّما عند تغسيله حتى ينحدرَ الماء ويتخلل، الا انّ العلماء قالوا هذا مطلوب في السرير اذا لم يكن ثمةَ فتحات يتسرب منها الماء، وامّا اذا كانت هناك فتحات يتسرب منها الماء فلا حاجة حينئذ الى رفع راسه عن مستوى قدميه؛ لان اي شيء من الماء سيتخلل كما هو حاله مغاسلنا، او سرائر مغاسلنا في هذا الزمن.
قاعدة مهمة: ”كُلُّ ما يتعلق بالميت من شؤونه واحواله، ففرضُ كِفَايَة“، من أدَاءُ دُيُونِهِ فرض كفاية، تنفيذُ وَصِيَّتِهِ فرض كفاية، تجهيزُهُ فرض كفاية، تغسيله فرض كفاية، حَمْلُهُ فرض كفاية، تكفينه فرض كفاية، الصلاة عليه فرض كفاية، حمله الى المقبرة، تشييعه، دفنه، كل هذا من فروض الكفاية، اذن: خذوها قاعدة، وما يحتاج ان نبينها دائما، وانما كل ما يتعلق بالميت فيعتبر من فروض الكفايات.
واول شيء يتعلق بالميت تغسيله وهو ما سياتي بعد ذلك من مسائل ان شاء الله عز وجل:
تم بفضل الله هذا الباب