أهوال يوم القيامة
أهوال يوم القيامة
قريبا ان شاء الله سيتم تنزيل الدرس
المختصر والخلاصة
للقيامة شأن عظيم يتضمن تغيرات هائلة تشمل الكون بأكمله، من العالم العلوي والسفلي، بالإضافة إلى العرض والحساب والبعث والصراط والميزان والحوض.
تغيرات العالم العلوي
ماذا سيحدث للنجوم والكواكب؟
فالنجوم: تتهاوى وتتساقط وتتناثر (انكدرت) ويذهب ضوؤها (طُمِسَتْ). ذهاب النجوم مرتبط بما يوعد للسماء من الخراب والانشقاق. والكواكب: تتساقط متفرقة كالجواهر إذا قُطع سلكها (انْتَثَرَتْ)، مما يؤدي إلى زوال الضوء والسقوط واختلال النظام الكوني.
ماذا سيحدث للسماء؟
• ١. التصدع والتشقق: تنشق وتتفطر (انفطرت، انشقت)، لشدة هول ذلك اليوم,.
• ٢. الوهن والضعف: تصبح ضعيفة وواهية ومتهتكة بعد الشق,.
• ٣. التحول لأبواب: تتحول إلى طرق ومسالك (أبوابًا) لنزول الملائكة,.
• ٤. تغير اللون والذوبان: يتغير لونها فتصبح حمراء كالورد (وردة كالدهان). وتكون أيضًا كالزيت أو المعدن المُذاب (كالمهل),.
• ٥. الكشط والطي: تُنزع كغطاء وتُكشط وتُطوى (تُلَفّ) كطي السجل للكتب.
• ٦. الاضطراب: تضطرب وتدور (تمور مورًا).
• ٧. تبديل السماوات والأرض: يُبدل نظامها ووصفها ثم تُطوى، ويقع تبديل الصفات أولاً ثم تبديل السماء والأرض بين النفختين.
ماذا سيحدث للشمس والقمر؟
• القمر: يُخسف ويذهب نوره وسلطانه.
• الشمس: تُنطفأ وتُكَوَّر (أي يُجمع الشيء ويُلَفّ ويذهب ضوؤه).
• جمعهما وإلقاؤهما في النار: يُجمع الشمس والقمر، ثم يُلقيان في النار كثوران عقيران، لإهانة وتبكيت من عبدهما، لا كعقوبة لهما,. هذا الإلقاء في النار يكون بعد انتهاء الحساب وتبيّن مصير الخلق، وليس وقت دنوّها من الرؤوس.
مشهد دنو الشمس والعرق في أرض المحشر
• دنو الشمس: تُدنَى الشمس من الخلائق حتى تكون على مقدار ميل,. هذا الدنو يحدث في موقف الحساب قبل تكويرها.
• العرق: يكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. منهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يُلجمه إلجامًا (يغطي فمه),.
• أسباب العرق: الزحام (حيث يكون لكل إنسان موضع قدميه فقط)، وتقريب جهنم، والخوف والفزع.
• مدة الموقف: يوم القيامة طويل مقداره خمسون ألف سنة,.
• تخفيف على المؤمنين: يُخفف طول الموقف على المؤمن، فيكون عليه كما بين الظهر والعصر أو كتدلّي الشمس إلى أن تغرب.
• الظل: سبعة أصناف يظلهم الله في ظله، كما أن قراءة البقرة وآل عمران تظلل على صاحبها كغمامة,.
تغيرات العالم السفلي - ماذا سيحدث للأرض؟
• زلزلة الأرض: ترتجف الأرض كلها رجّة عظيمة وتكسر كل ما عليها (زلزالها).
• إخراج الأثقال: تخرج الأرض ما في بطنها من الأموات والكنوز (أفلاذ كبدها),. وتحدث الأرض وتشهد على ما عُمل عليها من خير وشر.
• دك الأرض: تُدكّ الأرض والجبال دكة واحدة. وتُسوّى وتُسحق حتى تصير سطحًا واحدًا مستويًا لا ارتفاع فيه ولا انخفاض,.
وصف الجبال
• ١. كثيباً مهيلاً: تصبح ككثبان الرمل المهيل بعد أن كانت صلبة.
• ٢. العهن المنفوش: تكون كالصوف الملون المنفوش الذي يتطاير لضعفه.
• ٣. الحركة والنسف: تسير بسرعة عظيمة كمر السحاب، وتصبح سرابًا.
• ٤. التفتيت والغبار: تُفتَّت تفتيتاً شديداً (بُسَّتْ) فتصير غبارًا دقيقًا متطايرًا (هَباءً مُّنْبَثًّا).
• ٥. التسوية: ينسفها الله نسفًا فيترك الأرض مستوية ليس فيها عوج ولا أمت (ارتفاع وانخفاض).
أما البحار
• ١. التفجير: تُفجَّر (تُفتح) ويختلط بعضها ببعض، عذبها بمالحها.
• ٢. التسجير: تُوقد نارًا وتشتعل فتغلي كالنار.
تمييز أهل النار من أهل الجنة
• نسبة أهل النار: يُخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين للنار,.
• أمة محمد ﷺ: يُرجى أن تكون هذه الأمة شطر أهل الجنة. المؤمنون فيها قليلون بالنسبة لبقية الأمم (كالشعرة البيضاء في الثور الأسود)، ويزيد الله نسبتهم بجعل العدد الأكبر من الهالكين من يأجوج ومأجوج,.
• هول الموقف: عند إعلان نسبة أهل النار، تذهل كل مرضعة وتضع كل ذات حمل حملها، ويشيب الصغير من شدة الهول,.
السماوات والأرض يوم قبضته
• الله يقبض الأرض جميعًا ويطوي السموات بيمينه.
• يُمسك السموات والأرضين والجبال والشجر والماء والثرى وسائر الخلق على أصابعه، ثم يهزهن ويقول: "أنا الملك".
• ينادي الله تعالى: "لمن الملك اليوم"، فيجيب نفسه بنفسه أو يجيبه العباد: "لله الواحد القهار",.
مجيئ الله ﷻ لفصل القضاء
• يأتي الله تعالى لفصل القضاء في ظلل من الغمام والملائكة صفاً صفاً,.
• تُشرق الأرض بنور ربها حين يتجلى الرحمن لفصل القضاء.
• يتبع كل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا.
أنواع من العذاب في أرض المحشر
• مجيء جهنم: تُجاء بجهنم (تُقرب إلى الموقف) ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلَك يجرونها.
• ظل المجرمين: ينطلق المجرمون إلى ظل ذي ثلاث شُعَبٍ من دخان جهنم، لا ظليل ولا يغني من اللهب، وترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر.
• مانعي الزكاة: تُحمى صفائح من الذهب والفضة في نار جهنم ويُكوى بها جبينه وجنبه وظهره، ويعاد ذلك كلما بردت، في يوم مقداره خمسون ألف سنة,. وكذلك بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم) تنطحهم وتطأهم بأظلافها في قاع مستوي لمدة خمسين ألف سنة,.
• المتكبرون: يُحشرون أمثال الذرّ في صور الرجال ويغشاهم الذل، ويساقون إلى سجن في جهنم يسمى "بولس"، ويُسقون من صديد أهل النار (طينة الخبال).
خصائص أمة محمد عليه الصلاة والسلام يوم القيامة
• السبق: هم الآخرون زمانًا، السابقون منزلة يوم القيامة، يُقضى لهم قبل الخلائق.
• دخول الجنة بغير حساب: يدخل سبعون ألفًا من هذه الأمة الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. ووعد النبي ﷺ بزيادة عظيمة مع كل ألف سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات الرب.
• الشهادة على الأمم: تشهد هذه الأمة للأنبياء السابقين بأنهم بلغوا رسالاتهم.
المبحث كامل
﷽
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد سبق الحديث عن المحشر، واليوم عن أهوال العظام تكون في ذلك المقام.
إن للقيامة شأناً عظيماً، فهذا الكون يتغير، ولو لم يكن يوم القيامة من الأهوال إلا تغير العالم العلوي والسفلي من الأرض والسموات، لكان ذلك كافياً، فكيف بالعرض والحساب والبعث والصراط والميزان والحوض، كيف بالأهوال في النار؟
إن هذه التغيرات الهائلة التي تكون يوم القيامة تشمل هذا الكون :
النجوم : وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [التكوير ٢]، ، أي: تَهاوَتْ وتَساقَطَتْ وتناثَرَتْ، وذُكِر أيضًا: تَغَيَّرَتْ فَذَهَبَ ضَوْؤُها، فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [المرسلات: ٨]، أي: ذَهَبَ ضَوؤُ النُّجوم، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ”النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ“ [صحيح مسلم (٢٥٣١)]، فربط النبي ﷺ ذهابَ النُّجوم بما يُوعَد للسماء من الانشقاق والخراب، ومعنى الحديث أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية؛ فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة، وهنت السماء، فانفطرت وانشقت وذهبت. وقوله ﷺ: ”وأنا أَمَنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يُوعَدُونَ“ أي من الفتن والحروب، وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب، ونحو ذلك مما أنذر به صريحًا، وقد وقع كل ذلك، وقوله ﷺ: ”وأصحابي أَمَنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدُونَ…“ معناه: من ظهور البدع، والحوادث في الدين، والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم عليهم، وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك. وهذه كلها من معجزاته ﷺ.
الكواكب : وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢]، أي: تَساقَطَتْ مُتَفَرِّقَةً كالجواهر إذا قُطِع سِلكُها. فهذه الآيات الثلاث تبين مصيرَ النجوم: زوالُ الضوء، والسقوطُ والتناثر، واختلالُ النظام الكونيّ المعروف.
١- فالسماء تنشق وتتفطر: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ - وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ - وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ - وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ - عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: 5]، إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ اي انشقت، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ: أي تساقطت النجوم وتفرقت، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ: أي فُجِّرت عُذوبتها ومالحتها فاختلطت، أو امتلأت حتى طغت على الأرض، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ: أي أُثيرت وقُلب ترابها، فخرج من فيها من الأموات للحساب، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ: أي علم كل إنسان ما عمله من خير أو شر قدَّمه في الدنيا، وما سنَّه من سنة حسنة أو سيئة فاتبعه الناس بعده.
٢- والسماء تصبح ضعيفة، فهذه السماء القوية، هذه السبع الشداد، البنيان المحكم الذي سَمَكَها رب العالمين، وبناها متينة لا صَدْعَ فيها ولا فُطُور، تتشقق يوم القيامة فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ - وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً - فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ - وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ - وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: 18]، فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، قال ابن كثير: ”أي ضعيفة متهتكة، ليست بشيء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى، كما قال: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾“ [النبأ: 19]، وقال السعدي: ”أي لا قوة لها ولا ثبات، بل تكون قد تلاشت واضمحلت“. فهي ضعيفة مسترخية لا تماسك فيها ولا صلابة، والملائكة على جوانبها وأطرافها.
٣- والسماء تتحول لابواب : وهذه السماء تتحول إلى أبواب: ”وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا“ [النبأ: 19]، يعني: طرقاً ومسالك لنزول الملائكة.
سور تصف القيامة : يقول ﷺ: ”من سَرَّهُ أن يَنْظُرَ إلى القيامة كأنه رأيُ عين فليقرأ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ“ [التكوير: 1]، ”وإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ“ [الانفطار: 1]، ”و إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ“ [الانشقاق: 1] [رواه الترمذي 3333 وهو حديث صحيح صححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 6293]. قال القرطبي -رحمه الله-: ”وإنما كانت هذه السور أخص بالقيامة، لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها، وتكوُّرِ شمسها وانكدار نجومها، وتناثر كواكِبِها إلى غير ذلك من الفزع والأهوال“. [التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص: 538].
٤- والسماء يتغير لونها : فتصبح إلى الاحمرار فكانت وردة كالدهان، قال ﷻ: ”فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ“ [الرحمن: 37]. وردة: أي صارت حمراء كالورد في لونها، كالدِّهان: الدِّهان في اللغة هو الزيت المغلي والرصاص، فهي متغيّرة الألوان بين الحمرة والصفرة والسواد من شدّة الانفجار والاضطراب.
وقيل: إنها إذا طويت تكور شمسها وقمرها وسائر نجومها، وتصير تارة ”كالمهل“ (والمهل هو الزيت أو المعدن المذاب) ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: 8].، وتارة ”كالدهان“. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ”السماء تكون ألوانا كالمهلِ وكالدهانِ وواهيةً وتَشَقَّقْ فتكون حالاً بعد حال“. [فتح الباري: 11/376]. إذن هناك تغير تعتري السماء في الألوان، وفي البُنية.
وجمع بعضهم بأنها بعدما تنشق، فبداية تصير وردةً كالدهانِ واهيةً كالمهل، وتُكوَّرُ وتنطفئُ الشمس والقمر وسائرُ النجوم. وبعدها : ثم تطوى السماوات يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: 104]، كما يطوي القاضي السجلات.
اذن السماء
1. تتصدع وتتشقق فهي منفطرة منشقة، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾[الانفطار: 1]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1–2]، ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾) [المزمل: 18]، أي متشقّقة لِهَوْلِ ذلك اليوم.
2. فصارت ضعيفة بعد الشقّ، ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: 16].
3. ففُتحت ابوابا ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: 19].
4. ثم تتلون وتذوب ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾) [الرحمن: 37]. ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: 8]، أي كالمعدن او الزيت المُذاب.
5. وتنزع كالغطاء وتكشط، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: 11].
6. بعد ذلك طيُّها ولفُّها، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾) [الأنبياء: 104]. ومعناه متّصل بقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67].
7. اضطرابُها وتموّرُها ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور: 9] أي تضطرب وتدور.
8. تشققُها بالغمام ونزولُ الملائكة ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾) [الفرقان: 25].
9. الملائكة على حوافِّها، فعقب وهاء السماء وشقّها: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: 17] أي على أطرافها وحوافِّها.
10. وتبديل السماوات (مع الأرض) ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾) [إبراهيم: 48]، أي يُبدَّل نظامُها ويغيَّر وصفُها ثم تُطوى. ونقل القرطبي في تذكرته عن أبي الحسن بن حَيْدَرَة صاحبُ الإفصاح كما مر معنا في الحشر، أنه الجمع بين الأخبار : ”بأن تبديل السموات والأرض يقع مرتين : إحداهما: تبدل صفاتهما فقط، وذلك عند النفخة الأولى، فتنثر الكواكب، وتخسف الشمس والقمر، وتصير السماء كالمهل، وتُكشف عن الرؤوس، وتسير الجبال، وتموج الأرض وتنشق، إلى أن تصير الهيئة غير الهيئة، الثانية : ثم بين النفختين تطوى السماء، والأرض وتبدل السماء والارض..“ إلى آخر كلامه رحمه الله [التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص: 506]. فهذه التغيرات تكون إذا قامت الساعة، وبعد النفخة الأولى، إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتستقر الأمور، لكن ما بين ذلك تغيرات متوالية.
النجوم : وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [التكوير ٢]، ، أي: تَهاوَتْ وتَساقَطَتْ وتناثَرَتْ، وذُكِر أيضًا: تَغَيَّرَتْ فَذَهَبَ ضَوْؤُها، فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [المرسلات: ٨]، أي: ذَهَبَ ضَوؤُ النُّجوم، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ”النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ“ [صحيح مسلم (٢٥٣١)]، فربط النبي ﷺ ذهابَ النُّجوم بما يُوعَد للسماء من الانشقاق والخراب، ومعنى الحديث أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية؛ فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة، وهنت السماء، فانفطرت وانشقت وذهبت. وقوله ﷺ: ”وأنا أَمَنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يُوعَدُونَ“ أي من الفتن والحروب، وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب، ونحو ذلك مما أنذر به صريحًا، وقد وقع كل ذلك، وقوله ﷺ: ”وأصحابي أَمَنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدُونَ…“ معناه: من ظهور البدع، والحوادث في الدين، والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم عليهم، وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك. وهذه كلها من معجزاته ﷺ.
الكواكب : وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢]، أي: تَساقَطَتْ مُتَفَرِّقَةً كالجواهر إذا قُطِع سِلكُها. فهذه الآيات الثلاث تبين مصيرَ النجوم: زوالُ الضوء، والسقوطُ والتناثر، واختلالُ النظام الكونيّ المعروف.
فالشمس والقمر يوم القيامة مع عظمهما ونورهما ضوء الشمس وضوء القمر يعتريهما من التغيرات العظيمة، قال تعالى: فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ - وَخَسَفَ الْقَمَرُ - وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ - يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ [القيامة: 10]. فإذا كانت القيامة : بَرِقَت الأبصار من الهول وشَخِصَتْ فيقال: “شَخَصَ البصر” إذا ثبت ولم يطرف، من شدة الفزع أو الذهول، فلا تَطْرِف كما قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم: 43]، من الخوف والفزع.
- والقمر يُخسف : وَخَسَفَ الْقَمَرُ [القيامة: 8]، يعني ذهب نوره وسلطانه.
- والشمس تنطفئ وتُكَوَّرُ ، إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير: ١]، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ”الشمس والقمر مكوران يوم القيامة“ [رواه البخاري: 3200]، فهذا التكوير الذي أشار إليه ربنا ﷻ بقوله: ”إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ“. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ”أُظْلِمَتْ وذَهَبَ ضَوْؤُها“ [تفسير الطبري 24/85])، والتكوير في لغة العرب “جَمْعُ الشيء وَلَفُّهُ” فيذهبُ ضوؤُها، ”كُوِّرَتْ“ لُفَّتْ وذهب ضوؤها.
- ويُجمع القمر مع الشمس، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة: 9]، فهما لم يجتمعا منذ خلقهما الله، فإن الله خلق الشمس والقمر لكل واحد منهما فلك يسبح فيه، اما الآن جُمِعَ الشمس والقمر، فكانت الشمس في النهار والقمر في الليل، الان جُمعا. ثم يقذفان في النار فعند الإمام البخاري أيضًا: ”الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يُلْقَيانِ في النَّارِ“. [رواه البخاري في صحيحه (رقم 3199)]؛ وقد أخرج الطيالُسِي وأبو يَعْلَى من حديث أنس رضي الله عنه: ”إنَّ الشمس والقمر ثوران عَقِيْرَانِ في النار“ [مسند الطيالسي: 2103، ومسند أبي يعلى: 4116 ، وصححه الألباني صحيح الجامع: 1643]. عقيران: مقعوران، وأصل العَقْر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف فيهوي، ثم استُعْمِلَ توسعاً في القتل أو الهلاك، فالشمس والقمر يكونان كهيئة الثور ”ثوران عقيران“ الذي قطعت قوائمه ليهوي، فإذاً هكذا تهوي الشمس والقمر، يجمعان ويذهب ضوؤهما، ويكوران ويرمى بهما في النار.
هل عقوبة للشمس والقمر؟
الجواب: لا؛ لأن الشمس والقمر ليسا بمكلفين حتى يُعاقبان، ولكن ليرى عُبَّاد الكواكب أنهما - اي الشمس والقمر - مُسَخَّرَان، فيكون في ذلك تَبْكِيْتَاً لهم، فـ ”يَقُولُ الْإِنْسَانُ“ حين يرى هذه القلاقل المزعجة: ”أَيْنَ الْمَفَرُّ“ [القيامة: 10]، فأين الخلاص والنجاة والفَكَاكُ مما أصابنا وطرقنا؟ ”كَلَّا لَا وَزَرَ ”[القيامة: 11]، فلا ملجأ لأحد دون الله: ”إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ“ [القيامة: 12].
فهذا تَبْكِيْت وخزي لعباد الكواكب، الذين كانوا يعبدون الشمس والقمر، ففي النار يُجمع بينهم، فأي خزي أعظم من ذلك؟ فكانوا إذا أشرقت الشمس سجدوا لها، وإذا غربت الشمس سجدوا لها، فعندما يرون أن هذه معهم في النار تهوي ثوران عقيران مكوران. وأخرج أبو يعلى من حديث أنس رضي الله عنه (رَفَعَه) من حديث أنس وفيه: ”ليراهما من عبدهما“، مثل ما قال الله -تعالى- في عباده: ”إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ“ [الأنبياء: 98]. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11/ 370):“المُراد بذلك أنهما يُقذَفان في النار؛ ليُعذَّبَ بهما مَن كان يعبدهما، لا لأنهما يستحقان العقوبة”، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يعصيان الله، ولكن الله يُلقيهما في النار إهانةً لمن عبدهما” (مجموع الفتاوى 6/ 349). وقال الخطابي -رحمه الله-: ”ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا، ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلاً“، وقيل: ”إنهما خلقا من النار فأُعيدا إليها“. [فتح الباري: 6/300]. وقال الإسماعيلي: ”لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها، لتكون لأهل النار عذاباً، وآلة من آلات العذاب، وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة“. [فتح الباري: 6/300]. وقال المُنَاوِي: ”فسقط قول المشككين على الأصول الإسلامية، ما ذنبهما حتى يعذبان؟ وقال -يعني عن كلام المعترضين لماذا الشمس والقمر في النار؟ - وما هذا إلا كرجل قال في قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: 24]، ما ذنب الحجارة؟ فنقول: إذاً هذا زيادة عذاب في النار لمن كان يعبدهما من دون الله، فقوم إبراهيم كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب، ولذلك إبراهيم ﷺ لما ناظرهم، عندما رأى الشمس بازغة ورأى القمر ورأى كوكباً من باب أن يبين لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام: 76]، كيف يكون إلهاً ثم يغيب“ [فيض القدر لزيد المناوي: 6/132].
قبول النص والتسليم عند السلف : وأخرج ابن وهب في كتاب الأهوال عن عطاء بن يسار (وهو من كبار التابعين مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي ﷺ وُلد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونشأ بالمدينة المنورة) فقال في قوله تعالى: ”وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ“ [القيامة: 9]، قال: ”يُجمعانا يوم القيامة، ثم يُقذفان في النار“، قال الحسن: ”وما ذنبهما؟“ فقال أبو سلمه: ”أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: وما ذنبهما!“ [ذيل طبقات الحنابلة: 1/75]. قال الشيخ عبد الرحمن المُعلِّمي -رحمه الله-: أبو سَلَمَة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، من كبار أئمة التابعين، مُكثر الرواية عن الصحابة، وقول الحسن لأبي سَلَمه: وما ذنبهما، يمثل حال أهل العراق في استعجال النظر فيما يُشكل عليهم، فجواب أبي سلمه يمثل حال علماء الحجاز في التزام ما يقضي به كمال الإيمان من المسارعة إلى القبول والتسليم، ثم يكون النظر بعد“. [الأنوار الكاشفة: 1/192].
تفسير من سورة التكوير : قال ﷻ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ - وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ - وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ - وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ - وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ - وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ - وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ - وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ - بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ - وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ - وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ - وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ - وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ - عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير: 1 - 14]. فلُفَّت الشمس وذهب ضوؤها، والنجوم تناثرت فذهب نورها فانكدرت، والجبال سُيِّرَت عن وجه الأرض، فصارت هباءً منبثاً (أي غبارًا دقيقًا متناثرًا في الهواء، لا يُرى إلا إذا دخلت الشمس من نافذة فظهر الغبار في شعاعها)، والنوق الحوامل ”العشار“ تركت وأهملت ”عطلت“، والحيوانات الوحشية ” الْوُحُوشُ “ جمعت واختلطت ” حُشِرَتْ “ ليُقتَصَّ لبعضها من بعض، ” وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ “ فالبحار أوقدت فصارت ناراً. والعجيب أن الماء يطفئ النار، لكن هذه المرة الماء نفسه يشتعل؛ لأن البحار فُجّرت وسُجِّرَت (قال ابن عباس : فُجِّرت قال ابن عباس : أي فُجِّر بعضُها في بعض، فاختلط عذبُها بمالحها [تفسير الطبري 24/109]، و“سُجِّرَتْ“، قال ابن عباس: ”أُضرِمت نارًا فصارت جهنم“ [تفسير ابن كثير 8/366])، فهما تفجير وإيقاد، فهي تتوقد وتشتعل ناراً، فجرت وسجرت، وهكذا السماء قلعت وأزيلت من مكانها ”كشطت“، والنار أوقدت ”سعرت“، والجنة أعدت وقربت ”ازلفت“.
كيف الشمس تدخل النار، وهي تدنوا من رؤوس العباد في الموقف ؟ فقد ثبت في الصحيحين عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ”تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ، حتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ…“ [صحيح مسلم 2864]. وثبت أيضًا حديث: ”إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار“ [رواه البخاري في صحيحه، وصححه الألباني في “صحيح الجامع” ١٦٤٣]، والمعنى: أن الشمس تُقرَّب قربًا حقيقيًا في موقف الحساب، وهذا قبل أن تُكوَّر وتذهب أنوارها، فالشمس تدنو من رؤوس العباد وقت الحساب، وهذا قبل أن يُقضى بين الخلق، وبعد انتهاء الحساب وتبيّن مصير الخلق، يأمر الله بجرّها هي والقمر وإلقائهما في النار؛ لا لأنها تستحق العقوبة، ولكن ليظهر بطلان عبادة الكفار لهما، وتكون فتنةً وحسرةً عليهم.
عن المقدادُ بن عمرو بن الأسود رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ: ”تُدْنَى الشَّمْسُ يَومَ القِيامَةِ مِنَ الخَلْقِ، حتَّى تَكُونَ منهمْ كَمِقْدارِ مِيلٍ“ (جاء في شرح النووي أنَّ «الميل» يُحتمل أن يكون مسافةً معروفةً، أو «مِيلَ الكُحل» (المِرْوَد)، وكلاهما يدل على القُرب الشديد)، - قالَ سُلَيْمُ بنُ عامِرٍ: ”فَواللَّهِ ما أدْرِي ما يَعْنِي بالمِيلِ؛ أَمَسافَةَ الأرْضِ، أَمِ المِيلَ الَّذي تُكْتَحَلُ به العَيْنُ؟“ - ثم قالَ ﷺ : ”فَيَكُونُ النَّاسُ علَى قَدْرِ أَعْمالِهِمْ في العَرَقِ؛ فَمِنْهُمْ مَن يَكُونُ إلى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَن يَكُونُ إلى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَن يَكُونُ إلى حَقْوَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَن يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجامًا. قالَ: وأَشارَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إلى فِيهِ“. [صحيح مسلم (2864)]، فيجمع الناس في الموقع في المحشر في الكروبات، وتدن الشمس قال عليه الصلاة والسلام: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: 6] قال ﷺ : ”يقوم أحدهم في رَشَحِهِ إلى أنصاف أذنيه“ [رواه البخاري: 4938، ومسلم: 2862]، والرشح: هو العرق سُمي بذلك؛ لأنه يخرج من البدن شيئاً بعد شيئا، كما يَرْشَحْ الإناء المتحلل الأجزاء. وجاء في رواية سعيد بن داود: ”حتى إن العرق يُلْجِمَ أحدُهُم إلى أنصَافِ أُذنيه“. قال ابن حجر -رحمه الله-: ”وهذا ظاهر في أن العَرَق يحصل لكل شخص من نفسه“، لأنه هناك بحث، هل العَرَق الذي يغطي مستويات مختلفة من الناس هو عرق كل واحد وحده، أو يشترك معه عرق الباقيين، ويسيح بعضه على بعض ؟ قال ابن حجر -رحمه الله-: ”وهذا ظاهر في أن العرق يحصل لكل شخص من نفسه“ [فتح الباري: 11/393]. وقال القاضي عياض -رحمه الله-: ”١- يَحتمل أن يريد عرق الإنسان نفسه بقدر خوفه مما يشاهده من الأهوال، ٢- ويحتمل أن يريد عرقه وعرق غيره فيُشَدَّدُ على بعض ويخفف على بعض“، لأنه منهم من يكون العَرَق إلى عقبيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، وإلى ثدييه، ويلجمه إلجاماً، ويغرق في عرقه، قال: ”وهذا كله بتزاحم الناس وانضمام بعضهم إلى بعض حتى صار العرق يجري سائحاً في وجه الأرض كالماء في الوادي بعد أن شربت منه الأرض وغاص فيها سبعين ذراعاً“. [فتح الباري: 11/ 393].
وجاء في مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال ﷺ: ”إنَّ العَرَقَ يَومَ القِيامَةِ لَيَذْهَبُ في الأرْضِ سَبْعِينَ باعًا، وإنَّه لَيَبْلُغُ إلى أَفْواهِ النَّاسِ، أوْ إلى آذانِهِمْ“، [صحيح مسلم (2864)]، “إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعًا” معناه: أن العرق ينزل في الأرض عمقًا عظيمًا من شدته وكثرته يوم القيامة، وأما اختلاف الناس في قدر ما ينالهم من العرق: فذلك لاختلاف أحوالهم وأعمالهم، فمن كان عمله سيئًا أثقله الخوف والفضيحة ففاض عليه العرق حتى يلجمه، ومن خفَّت ذنوبه خفَّ أمره.
ولكن البشرى : روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال ﷺ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: ١- الإمَامُ العَادِلُ، ٢- وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، ٣- ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ٤- ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ اجْتَمَعَا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ٥- ورَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ فَقالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ، ٦- ورَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ٧- ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. [البخاري (660، 6806) ومسلم (1031)].
وايضا : قراءة البقرة وال عمران، فأن الله -تعالى يلطف- بعباده المؤمنين في ذلك اليوم، وهناك أناس تظلل عليهم قراءتهم للبقرة وآل عمران؛ لأنه قال: ”تأتيان كغمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، فتظللان على صاحبهما“ [رواه مسلم: 804]. فالقراءة والتلاوة هذه تأتي كالغمامة تظلل على صاحبها، فالناس يحتاجون جداً إلى ظل من هذا الكرب، ومن هذا العرق.
الصحيح والراجح انه لم يرفع للنبي ﷺ ما يدل على مدة العرق، وقيل : يبقى هذا القيام الطويل في اليوم الثقيل مدة أربعين سنة قبل أن يأذن الله -تعالى- بفصل القضاء بين خلقه، فيوم القيامة طويل طوله ”خمسين ألف سنة“، الناس يقومون في العرق أربعين سنة، الدليل الوارد في ذلك هو حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ”يُجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ، يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ الْقَضَاءِ، فَيَنْزِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَيَقْضِي بَيْنَ خَلْقِهِ“[المعجم الكبير: 9763 ، وصححه الألباني في صحيح التقريب 3591 والصحيح ان الاسناد فيه مقالات]، ولم اقف على ما يصحح مدة العرق، والاصح التوقف فيها وعدم التحديد.
لقد اجتمع على الناس أسباب متعددة للعرق:
منها: الزحام ليس للإنسان إلا موضع قدميه، والزحام يخرج العرق. جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله في تفسير هذه الآية: ”يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً، فيكونون في صعيد واحد، ليس منهم أحد إلا وهو على موضع قدمه، لا يقدر أن يزول عنه“ [تفسير الطبري 24/243، بسند صحيح]. فكيف كان النبي صيا يعلمنا ان نستعيذ بالله من هذا الموقف؟ فعن عاصم بن حميد قال: سألتُ عائشةَ: بم كان رسول الله ﷺ يفتتح به قيام الليل؟ قالت: «كان إذا كبَّرَ عشرًا، ويحمدُ عشرًا، ويسبحُ عشرًا، ويهللُ عشرًا، ويستغفرُ عشرًا، ثم يقول: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني وتعَوَّذ من ضيق المقام يوم القيامة». [الحديث أخرجه الإمام النسائي في السنن الكبرى (رقم 11149)، وفي عمل اليوم والليلة (رقم 911) وذكره أيضًا في صحيح الترغيب والترهيب (حديث رقم 595)، وقال:حديث صحيح.] ومنها: تقريب جهنم وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ[الفجر: 23] ولها حرارة. ومنها: الخوف والفزع، فإن الإنسان إذا خاف وفزع عرق.
ومنها: دنو الشمس من رؤوس العباد وهي حامية كما مر معنا، وفيها الظل يحمي الله به من ذكروا في الحديث. فهذه الأسباب المجتمعة تجمع الناس يعرقون، وكل واحد عرقه مستواه على حسب أعماله، فمنهم من يكون إلى عقبيه، وإلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، وإلى ثدييه، وهكذا، غير أن من رحمة الله -تعالى- بعباده أنهم يتفاوتون بحسب أعمالهم، قال ﷺ : ” ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً“ قال الراوي: ”فأشار النبي ﷺ بيده إلى فيه“ فإذاً يغطيه" [رواه مسلم: 2864]، يلجمه يصبح كاللجام يغطيه، وقال النبي كما في حديث أحمد عن عقبة بن عامر: ”تدنُو الشمس من الأرض، فَيَعْرقُ الناس فمن الناس من يبلغ عرقُهُ عَقِبَيْهِ، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العَجُزَ، ومنهم من يبلغ الخَاصِرَةَ، ومنهم من يبلغ مَنْكِبَيْه، ومنهم من يبلغ عُنُقَه، ومنهم من يبلغ وَسَطَ فِيْهِ“ ”وأشار بيده فألجَمَهَا فَاهُ“-غطى بها الفم- ”رأيت رسول الله ﷺ يشير هكذا“، فمنهم من ”يغطيه عَرَقُه“ تغطية تَامَّة [رواه أحمد: 17475، وصححه الألباني في الترغيب 3588]. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: ”الأولى أن تكون الإشارة بمن يصل الماء إلى أذنيه إلى غاية ما يصل الماء، ولا ينفي أن يصل الماء لبعضهم إلى دون ذلك“. [فتح الباري: 11/146]. واستشهد بالحديث السابق، وأيده أبي المقداد قال الحافظ : ”فإنه ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم، ويتفاوتون في حصوله فيه“. إذن: كل واحد يصل إليه العرق، لكن كل واحد يختلف مستوى العرق بالنسبة إليه على حسب عمله.
هذا اليوم الطويل خمسون ألف سنة، وفيه هذه المواقف العظيمة، ومشاهد الحساب، وتطاير الصحف. هذا اليوم كم طوله على المؤمنين ؟ هل هم فعلاً يكونون فيه كخمسين ألف سنة، أو أنه يختلف في الطول على حسب الإيمان والعمل الصالح؟
- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: ”يوم يقوم الناس لرب العالمين“، قال: ”مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن كتَدَلِّي الشمس إلى أن تغرب“ [رواه ابن حبان: 7333 ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب: 3589]. ”تَدَلّي الشمس“ يعني ميلانها إلى الغروب إلى أن تغرب، وهذا زمن يسير، في رواية أخرى روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ”يَوْمٌ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَإِنَّهُ يُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَمَا بَيْنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ“ [رواه الحاكم في المستدرك: 284، وصححه الألباني صحيح الجامع: 8193]، فرحمة الله بالمؤمنين، اما الكافر يطول عليه الموقف حتى يكون مقدار خمسين ألف سنة حقيقةً، أما المؤمن فيهوّنه الله عليه فلا يشعر إلا كما بين الظهر والعصر.
ومن الأهوال التي تكون أيضاً يوم القيامة في العالم السفلي :
زلزلة الأَرْضِ : والزلزلة الحركة العظيمة التي تكسر كل شيء على ظهر الأرض ”إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا“ [الزلزلة: 1]، وهي رجّة عظيمة ترجف لها الأرض كلها، وقال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: 1-2]، فإنها ليست زلزلة بلدة او قرية بل زلزلت الأرض جميعاً، فترجف وترتج حتى يسقط كل ما عليها، وأخرجت ما في بطنها من الأموات والكنوز، ”وَقَالَ الْإِنْسَانُ“ إذا رأى ذلك مستعظماً مما هاله ”مَا لَهَا“ أي: شيء عرض لها، ”يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا“ فتشهد بما عمل عليها العاملون من خير أو شر، ويأمرها ربها أن تتكلم وتخبر بما حصل عليها فلا تعصي أمره، ”يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا - بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا“ [الزلزلة: 3 - 5] ، ”فـيَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ“ [الزلزلة: 6] عن ابي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ:إذا زُلزلتِ الأرضُ زلزالَها، وأخرجتِ الأرضُ أثقالَها، قال: أَتَدْرون ما أثقالُها؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: فإِن أثقالَها أن تُخرجَ من كلِّ رجلٍ وامرأةٍ ما عمِلوا على ظهرِها، تقولُ: عملتَ كذا وكذا يومَ كذا وكذا، فهذه أثقالُها. [مسند أحمد (10365) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3567)]. فتشهد علينا ولا يأخذ أحد شيئاً من الكنوز التي في الأرض.
ويقول النبي ﷺ: ”تَقْيءُ الأرضُ أفلاذَ كَبِدِهَا أمثال الْأُسْطُوَانِ من الذهب والفضة“، (ما معنى الْأُسْطُوَانِ ؟ الْأُسْطُوَانِ القطع المدفونة فيها، الاسطوانة هي السارية أو العمود، شبه الكنوز التي في الأرض بالأسطوان لكثرته وعِظَمِه)، ” فيجيءُ القاتل فيقول في هذا قتلتُ، ويجيءُ القاطع فيقول في هذا قطعتُ رحمي، ويجيءُ السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً“. [رواه مسلم: 1013] إذن المال سبب الاختلاف والقتل والسرقة والاعتداء وقطع الرحم، فالأرض تقيء ما فيها تخرج كل ما فيها من الكنوز، كل الذهب والفضة أمثال الْأُسْطُوَانِ، أسطوانات كالأعمدة تخرجها، كالسارية والعمود، وتشهد بما عُمل عليها.
دَكُّ الأَرْضِ والجبال، فإذا تشققت السماء، وتفطرت، ومَارَتْ، أي: دارت واضطربت، فلا عجب أن تضطرب أحوال الأرض وتتغير، فالأرض ثابتة وراسية بالجبال، ”وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا“ [النازعات: 32]، فهي أوتاد تثبت الأرض، فإذا زالت الجبال فماذا سيحدث للأرض ؟ ”كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا“ [الفجر: 21]. فالدَّكُّ الكسر والدق، : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ - وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً - فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الحاقة: 13 - 15] دكت أي صُفِّت وسُوِّيَت وسُحِقَت سحقًا واحدًا حتى لم يبقَ لها تمايز ولا ارتفاع، فجبالها تدك اي تدق، وهضباتُها، ومُرْتَفِعَاتُها حتى استوت في الانفراش، فذهبت دورها وقصورها وجبالها وسائر أبنيتها، وسميت الدكان دكاناً لاستوائه في الانفراش، وهذا معنى قول ابن مسعود رضي الله عنه : ”تمد الأرض مد الأديم“. [تفسير القرطبي: 20/54]. اي كالبساط.
وصف الجبال : بينت الآيات التحولات التي ستكون للجبال :
١- كثيبا مهيلا : قال ﷻ: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا [المزمل: 14]، أي: تصبح ككثبان الرمل، بعد أن كانت صلبة صماء، والرمل المهيل: هو الرمل إذا أخذت منه شيئاً انحدر ما بعده، هذا الرمل المهيل. فهذه الجبال الراسيات العظيمة التي يُضرب بعظمها وثباتها الأمثال قد صارت في ذلك اليوم مهيلاً.
٢- العهن المنفوش : العهن هو الصوف يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ - وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [المعارج: 9]، وقال تعالى : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ - وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة: 5]. فيصبح الناس في تلك الأهوال كالفراش المنتشر، والجراد الذي يموج بعضه في بعض، وهذه الجبال الصُّمْ الصلاب تكون كالعهن المنفوش، يعني: كالصوف المنفوش الذي بقي ضعيفاً جداً يتطاير من الرياح، ثم ينسفها الله فتكون هباءً منثوراً، وتضمحل لا يبقى منها شيء، ويبقى مكان هذه الجبال خاوياً خالياً قاعداً مستوياً وتصبح الأرض سطحاً واحداً ليس فيه ارتفاع، ولا انخفاض.
٣- تسير كالسراب : قال الله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل: 88] وقال تعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [النبأ: 20] أي أن الجبال التي نراها ثابتة راسخة، تتحرك يوم القيامة بسرعة عظيمة كمرّ السحاب.
٤- تُنسف وتُذرّى : قال تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا - فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [طه: 105-107]. أي يُزيلها الله إزالة تامة، فلا يبقى منها شيء، وتصبح الأرض مستوية لا مرتفعات ولا منخفضات.
٥- تُفتَّتُ فتصير غبارا متفرقا :، وقال ﷻ : وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا - فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا [الواقعة: 5-6]. بُسَّت: أي فُتِّتت تفتيتًا شديدًا ودُقَّت دقًّا عنيفًا، هباء: الهباء هو الغبار الدقيق المتطاير الذي تراه داخل شعاع الشمس إذا دخل البيت. منبثًّا: أي متفرقًا متطايرًا في كل اتجاه.
أما البحار : فانها تتفجر وتشتعل ناراً، قال ابن عباس رضي الله عنه : ”فجَّرَ الله بعضها في بعض“، وقال الحسن: ”فجر الله بعضها في بعض فذهب مائها“، وقال قَتَادة: ”اختلط عذبها بمالحها“. [تفسير ابن كثير: 8/341]. وهذا التفجير للبحار الهائلة الذي تُسَجَّرُ وتشتعل على إثره، وتنقلب جحيماً مضطرباً، فهي :
١. تفجير البحار : أي فُتحت فاختلط بعضها ببعض: قال الله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: 3]. أي فُجّر بعضها في بعض، فاختلط عذبها بمالحها.
٢. تسجير البحار : أي إشعالها أو امتلاؤها نارًا : قال الله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير: 6] أي أُضرمت نارًا، فصارت تغلي كالنار، وقال الله تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور: 6]. أي البحر الموقد نارًا يوم القيامة.
تفجير ثم تسجير ؟ ام العكس
- قال ابن كثير : “أي أُضرمت، فذهب ماؤها وفُجِّرت، ثم أضرمت نارًا”. [تفسير ابن كثير، دار طيبة، ج8 ص 252].
- وقال الطبري : “يعني: فجّر الله بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح. وذلك أول حالها. ثم بعد ذلك تسجّر، فتُوقد نارًا”. [تفسير الطبري، جامع البيان، ج24 ص 157].
- وقال القرطبي : ”أي فُجِّر بعضها في بعض، فاختلط العذب بالمالح. وقيل: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أي أضرمت نارًا حتى يذهب ماؤها. وقيل: ملئت، فزادت حتى فاضت على وجه الأرض”. [الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج19 ص 236].
قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: ”أول ذلك أن يَنفُخ إسرافيل في الصور إذا تكاملت الأجساد نابتة نفخةً واحدة، فخرجت الأرواح، فتدخل كلَّ روح في جسدها“. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 1/883]. فإذاً بين النفختين كما ذكرنا في درس سابق، يُنزل الله من السماء ماء كالطَّل، أو مطراً كالرش الخفيف، فينزل على الأرض وفيها عَجْبُ الذَّنَب، من كل إنسان موجود باق منه يركب الخلق، فينبت كل جسد من هذا العظم الصغير المستدق، فإذا تكاملت الأجساد بين النفختين، أمر الله إسرافيل بالنفخة الثانية، فتطير الأرواح وتدخل في الأجساد، وعند ذلك يقومون من قبورهم، قال: ”فخرجت الأرواح فتدخل كل روح في جسدها فإذا الناس قياماً لرب العالمين“. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 1/883]. ”وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً“، أي: فتتت الجبال بالأرض، ونسفت عليها فكان الجميع ”قَاعًا صَفْصَفًا - لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا“ [طه: 106-107]. فحينئذ تنصب الموازين، وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء، ”وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فإذاً نسف مهيل، وكالعهن المنفوش،فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا - لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا - يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا - يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا - وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا“ [طه: 105-111].
يوم القيامة يوم عظيم، قال الله تعالى: ”يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ“ [الحج: 1]، ولكن ما مميزات امة محمد ﷺ ؟
- روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله ﷻ: ”يا آدم!“ فيقول: ”لبيك وسَعْدَيْكَ، والخير في يَدَيْكَ“، قال: يقول: ”أخرج بَعْثَ النَّار“، قال: ”وما بعثُ النار؟“ قال: ”من كل ألفٍ تسعمِائَةٍ وتسعةً وتسعيَن“. (ولما يقول هذه الكلمة) قال: ”فذاك حينَ يَشيبُ الصّغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد“، قال الراوي ابي سعيد: ”فاشتد عليهم“ -يعني: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين في النار، إذاً من بقي؟، من الذي سينجو؟“ فقالوا: ”يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟“ فقال: ”أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجل“ (لأنه من أمة محمد ﷺ كفرة وملاحدة ومرتدون ومجرمون، ومنهم من أمة محمد ﷺ ناس استجابوا، فهؤلاء كم نسبتهم في أهل الجنة بالنسبة لبقية الأمم؛ لأن من بقية الأمم ناس استجابوا، فكم نسبة المستجيبين من أمة محمد ﷺ إلى بقية الأمم في الجنة؟)، ثم قال: ”والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة““ فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال“: ”والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة“، ”فحمدنا وكبرنا، ثم قال“: ”والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا شَطْرَ أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود“. [رواه البخاري: 3348، ومسلم: 222]. إذاً: الأمة هذه فيها ميزات، وتتميز عن غيرها بأشياء.
- وفي صحيح مسلم في حديث الدجال وأشراط الساعة في آخره ثم يقال: ”يا أيها الناس! هَلُمَّ إلى ربكم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ“ [الصافات: 24]، ثم يُقال: ”أخرجوا بعث النار“، فيقال: ”من كم؟“ فيقال: ”من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: ”فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذاك يوم يُكشف عن ساق“. [رواه مسلم: 2940].
اول نداء يوم القيامة لان يوم القيامة فيها نداءات : والدليل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: ”أول من يُدعى يوم القيامة آدم فَتَرَاءَى ذُرِّيَتَهُ“، فيقال: ”هذا أبوكم آدم“، فيقول: ”لبيك وسعديك“، فيقول: ”أخرج بعث جهنم من ذريتك“، فيقول: ”يا ربي كم أخرج؟“ فيقول: ”أخرج من كل مائة تسعةً وتسعين“، فقالوا: ”يا رسول الله، إذا أُخذ منا من كل مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى منا؟ ” فقال: ”إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود“ [رواه البخاري: 6529]. ومعنى: ”فَتَرَاءَى“: وتراءى الشخصان تقابلا بحيث صار كل منهم يتمكن من رؤية الآخر. وقوله: ”لبيك وسعديك والخير في يديك“: لا يعني أن الشر ليس بتقديره تعالى، بل من تقديره أيضاً، ولكن أدباً مع الله، اقتصر على ذكر الخير. وقوله: ”أخرج بعث النار“: البعث المبعوث، ومعناه ميز أهل النار من غيرهم، فلماذا خُص آدم بذلك؟ لأنه والد الجميع، ولكونه قد عَرَف أهل السعادة من أهل الشقاء؛ لأن آدم لما خلقه الله استخرج ذريته من ظهره، وألقى على بعضهم نوراً وبقي الآخرون في الظلمة، ورآه النبي -عليه الصلاة والسلام- يوم الإسراء والمعراج ليلة المعراج ينظر إلى مجموعة أيمن منه أَسْوِدَة ويضحك، وإلى ناس شمالاً أيسَرَ منه فيبكي، فلما سأل عن ذلك أجاب، ”عن يمنيه أَسْوِدَةٌ وعن شماله أَسْوِدَةٌ“ [رواه البخاري: 3342]، كلمة “أسودة” جمع “سَواد”، وهو يُطلق في اللغة على جماعات الناس، فما مقدار مبعوث النار. وفتح الله ﷻ على هذه الأمة بأن جعل يأجوج ومأجوج يكثرون النسبة، فإنهم كفار وسيدخلون النار، وعددهم رهيب جداً.
الجمع بين الحديثين : تبيان من يدخل الجنة في حديث واحد من كل الف، وحديث واحد من كل مئة، فذكر العلماء أجوبة من ذلك قالوا:
اولا : نسبة الكفار الذين يدخلون النار بالنسبة للمؤمنين تسعمائة وتسعة وتسعين إلى واحد. ثانيا : نسبة الناجين من النار من أهل الطاعة، إلى العصاة واحد إلى تسعة وتسعين. فالعصاة إذا دخلوا النار دخولاً مؤقت، والكفار إذا دخلوا النار دخولاً أبدي.
فاذن :
١ الى ١٠٠٠ (مؤمن مع مخلد في النار دخول دائم)
١ الى ١٠٠ (مؤمن مع موحد عاصي في النار دخول مؤقت)
لما قال: يا آدم، أخرج بعث الناريقول: كم أخرج، فيقول له: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال ﷺ: ”فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها“..، الحديث. فالإشكال هو الآن إن ذلك الوقت ليس بوقت وضع وحمل، فكيف يكون هذا؟
فقال بعض العلماء: ”لو كان هنالك حوامل لوضعت“. بمعنى لو كان هناك حوامل.
وقال ابن حجر: ”يحتمل أن يُحمل على حقيقته“، طيب كيف يُحمل على حقيقته؟ وهل سيكون يوم القيامة هناك حوامل وهناك أطفال؟ قال: ”فإن كل أحد يُبعث على ما مات عليه، فتبعثُ الحامل حاملاً، والمرضعُ مرضعة، والطفل طفلاً، فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم، ورأى الناس آدم، وسمعوا ما قيل له، وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحملُ، ويشيب له الطفل، وتذهل به المرضعة“ [فتح الباري: 11/390].
وذكر الحَلِيمي -رحمه الله- واستحسنه القرطبي - ”أنه يحتمل أن يحيي الله حينئذ كل حمل كان قد تم خلقه، ونفخت فيه الروح فتذهل الأم حينئذ عنه“،[فتح الباري: 11/391] بعد أربعة أشهر ينفخ الروح في الحمل ففي أجنة سقطت بعد نفخ الروح، وفي أجنة ماتت عند الولادة، وفي أطفال أو رُضع ماتوا بعد الولادة، فهؤلاء كلهم كل واحد نفخ فيه الروح سيُبعث، فأمُّه تذهل عنه مع أنها قد حملته بعض المدة، أو كل المدة، أو كانت ترضعه فتَْذهَلُ عنه؛ لأنها لا تقدر على إرضاعه من الهول ثم لا غذاء ولا لبن، وأما الحمل الذي يسقط قبل نفخ الروح فلا يُبعث؛ لأنه لا يُبعث إلا من كان فيه حياة فيه روح هذه الروح التي قُبضت تُعاد، لكن إذا ما في روح أصلاً.
فهذا جواب من قال: الأجنة التي سقطت ما مصيرها ؟ يوم البعث والنشور؟ فنقول: الأجنة التي سقطت بعد أربعة أشهر هذه تكون موجودة يبعثها الله، ولكن الأمهات تذهل عنها من الهول.
- جاء في الكتاب العزيز أن ”الْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ“ [الزمر: 67].
- ووروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ”جاء حَبْرٌ“ يعني: من اليهود، وهؤلاء كان عندهم بقايا من علم صحيح وخلطوا وحرفوا وكذبوا وبدلوا، لكن بقي عندهم بقايا من علم صحيح من التوراة من نبوة موسى ﷺ، "جاء حَبرٌ إلى النبي ﷺ فقال: ”يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله -تعالى- يُمسك السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماءَ والثَّرى على إصبع، وسائرَ الخلق على إصبع، ثم يَهُزُّهُنَّ فيقول: أنا الملك، أنا الملك“، يقول ابن مسعود : ”فضحِك رسولُ الله ﷺ حتى بدَتْ نواجذُه تصديقًا لقولِ الحَبرِ. ثم قرأ رسولُ الله ﷺ“: ”وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ“ [الزمر: 67] [رواه مسلم: 2786]. قال ابن القيم -رحمه الله-: ”فكان هذا رداً على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده وصفاته“. [الصواعق المرسلة: 4/1363]. إذاً نؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ، فاليهود علموا أشياء من الحق، ومنها هذا كما قال الله: ”تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا“ [الأنعام: 91].
اثبات صفة الاصبع لله : وهذا الحديث يُبين أن لله -تعالى- صفة الأصابع على ما يليق بجلاله وعظمته، ليست كأصابع البشر، لكن له اليد، والوجه، والأصابع، وغير ذلك من الصفات، كالسمع والبصر حقاً على الحقيقة، كما يليق به ﷻ.
وأن الحق يُقبل حتى لو جاء به يهودي : فإذا قال كلاماً وافق ما عندنا في الكتاب والسنة أقررنا به، وليس لأنه قال فلان رددناه ولأنه قال فلان قبلناه، لا، إذا وافق الكتاب والسنة قبلناه، ”وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ“ [المائدة: 48] ، فهناك أشياء بقيت إلى عهد النبي ﷺ وجاء القرآن على النبي ﷺ فنزل مصدقاً لما بين يديه.
فإن الله هو الملك حقاً، وزالت الأنداد والشركاء وذهب الملك والسلطان إلا ملك الله، ”هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ“ [الحاقة: 29]، ”يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ“ [غافر: 16]، تتجلى عظمة الله -تعالى- وبين الأهوال والشدائد الثقال يطوي الكبير المتعال السماء بيمينه قال تعالى: ”يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ“ [الأنبياء: 104]. فأخبر في هذه الآية أنه ﷻ يوم القيامة :
يطوي السموات على عَظِمهَا واتساعها كما تطوى الصحيفة على ما كُتب فيها.
ويكور شمسها وقمرها، ويزيلها عن أماكنها كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: 104]، وقال ﷺ: يقبض الله -تبارك وتعالى- الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض [رواه البخاري: 4812، ومسلم: 2787].
فقال بعض العلماء: ”لو كان هنالك حوامل لوضعت“. بمعنى لو كان هناك حوامل.
وقال ابن حجر: ”يحتمل أن يُحمل على حقيقته“، طيب كيف يُحمل على حقيقته؟ وهل سيكون يوم القيامة هناك حوامل وهناك أطفال؟ قال: ”فإن كل أحد يُبعث على ما مات عليه، فتبعثُ الحامل حاملاً، والمرضعُ مرضعة، والطفل طفلاً، فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم، ورأى الناس آدم، وسمعوا ما قيل له، وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحملُ، ويشيب له الطفل، وتذهل به المرضعة“ [فتح الباري: 11/390].
وذكر الحَلِيمي -رحمه الله- واستحسنه القرطبي - ”أنه يحتمل أن يحيي الله حينئذ كل حمل كان قد تم خلقه، ونفخت فيه الروح فتذهل الأم حينئذ عنه“،[فتح الباري: 11/391] بعد أربعة أشهر ينفخ الروح في الحمل ففي أجنة سقطت بعد نفخ الروح، وفي أجنة ماتت عند الولادة، وفي أطفال أو رُضع ماتوا بعد الولادة، فهؤلاء كلهم كل واحد نفخ فيه الروح سيُبعث، فأمُّه تذهل عنه مع أنها قد حملته بعض المدة، أو كل المدة، أو كانت ترضعه فتَْذهَلُ عنه؛ لأنها لا تقدر على إرضاعه من الهول ثم لا غذاء ولا لبن، وأما الحمل الذي يسقط قبل نفخ الروح فلا يُبعث؛ لأنه لا يُبعث إلا من كان فيه حياة فيه روح هذه الروح التي قُبضت تُعاد، لكن إذا ما في روح أصلاً.
قال بعض العلماء : ”وإذا أفنى الله الخلق قبل يوم القيامة، فأنه تعالى ينادي في السموات والأرَضين، وقد مات الناس كل من عليها فان، ”أنا الملك، أين ملوك الأرض، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟“ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه تعالى فيقول :“ ” لله الواحد القهار“.
وقيل : والمنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يُعصى الله عليها : ”لمن الملك اليوم“ فيجيبه العباد ”لله الواحد القهار“. [وجاء هذا القول عن ابن مسعود رضي الله عنه، وهو صحيح عنه]، ولا يؤخذ بالقياس فلا بد أن يكون قد أخذه من النبي ﷺ.
إذن : قيل أنه يقول بعدما ينفي الخلق (بعد النفخة الاولى قبل الثانية)، لمن الملك اليوم فيجيب نفسه بنفسه؛ لأنه لا أحد يجيب لله الواحد القهار، وقيل: عندما يجمع الناس في أرض المحشر يقول لمن الملك اليوم فيجيبه الناس لله الواحد القهار.
أما مجيئه تعالى: ”وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا“[الفجر: 22]، فإنه شيء عظيم.
- قال سبحانه: ”هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ“ [البقرة: 210]، فأثبت تعالى لنفسه صفة المجيء والإتيان، أنه يأتي ويجيء، وقال مهدداً للكافرين: ”هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ“، هل ينتظرون إلا ذلك اليوم الذي يأتيهم الله فيه تعالى، والملائكة تأتي كذلك، يأتيهم ربنا في ظلل من الغمام والملائكة، وكما قال في الصورة الأخرى: ”وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا“ [الفجر: 22].
- وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ”لما رَجَعَتْ إلى رسول الله ﷺ مُهَاجِرَةُ البحر“، (وهم أهل الهجرة إلى الحبشة، عبروا البحر إلى الحبشة، هاجروا في سبيل الله، "لما رجعوا من الحبشة وكان النبي ﷺ في المدينة)، فقال: ”ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟“ قال فتيةٌ منهم: ”بلى يا رسول الله! بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قُلَّةً من ماء، فمّرت بفتى منهم“ -شاب طائش- فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دَفَعَهَا“ -فهي عجوز تحمل قربة ماءها على رأسها فجاء هذا الفتى المؤذي، فجعل إحدى يديه بين كتفيها ودفعها- ”فخرّت على ركبتيها فانكسرت قُلَّتُها، - إيذاء العباد- ، ”فلما ارتفعت التفتت إليه، فقالت: سوف تعلم يا غُدَرْ إذا وَضَعَ اللهُ الكرسيَّ، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً“، قال: يقول رسول الله ﷺ: ”صدقت صدقت“،- هنا علمنا أن هذا كلام حق، لما صدَّقَ النبي ﷺ قول الحبشية العجوز علمنا أن هذا الكلام صحيح- ، قال: ”صدقت صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم“ [ابن ماجه: 4010، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة: 4000].
- وقال الله تعالى: ”وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ - وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ“ [الزمر: 70]، فإذا جاء الله ﷻ لفصل القضاء إلى أرض المحشر، ينزل كيف يشاء، ينزل لفصل القضاء بين العباد، فأضاءت الأرض بنور ربها حين يَبْرُزُ الرحمن لفصل القضاء بين الخلق. قال ابن كثير: ”أضاءت إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق“ [تفسير ابن كثير: 5/162].
- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: ” يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً، شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ الْقَضَاءِ، وَيَنْزِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ظِلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ يَنْادِي مُنَادٍ: “أَيُّهَا النَّاسُ! أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ قَوْمٍ مِنْكُمْ مَا كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ وَيَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلاً مِنْ رَبِّكُمْ؟” قَالُوا: “بَلَى.” فَيَنْطَلِقُ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَيَتَوَلَّوْنَ فِي الدُّنْيَا. فَيُتَمَثَّلُ لَهُمْ أَشْبَاهُ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى الْقَمَرِ، وَإِلَى الْأَوْثَانِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَأَشْبَاهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَيُتَمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى، وَلِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْر، وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ،،،،. “ الحديث طويل سياتي باذن الله . [أخرجه الطبراني (9/417) (9763)، والدارقطني في ((رؤية الله)) (163)، والحاكم (8751) باختلاف يسير، وصحّحه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم 3591]. طبعاً يتبع عباد الصليب الصليب، يتبع عباد الكواكب الكواكب، وهكذا، ”نُوَلّيهِ ما تولى“.
- وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ”إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمةٍ جاثية“. [رواه الترمذي: 2382، وصححه الألباني صحيح الترغيب: 1335]. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شرح حديث النزول طرق كثيرة لهذا الحديث، وجزم بأنه من الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في نزوله تعالى لفصل القضاء بين العباد، ينزل لفصل القضاء بين العباد. وقال ابن القيم -رحمه الله-: ”وهذا النزول إلى الأرض يوم القيامة قد تواترت به الأحاديث والآثار، ودل عليه القرآن صريحاً في قوله تعالى“: ”هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ“ [الأنعام: 158] [زاد المعاد: 3/588]. والطريق الحق في هذا، إثبات ما أثبته الله لنفسه من النزول، والإتيان، والمجيء لفصل القضاء، ونصب الكرسي، وأنه ينزل من العرش إلى الكرسي كما يليق به ﷻ، ”لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ“ [الشورى: 11]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شرح حديث النزول ناقلاً عن أبي عُمَرْ الطَلَمَنْكِيْ من أئمة السلف (هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ الطَّلَمَنْكِي (ت 429هـ) رحمه الله، من كبار علماء الأندلس في القرن الخامس الهجري، كان من أئمة المالكية بالأندلس، بارعًا في الفقه والأصول، متمكنًا في علوم الحديث واللغة، قال عنه الذهبي في السير: “الإمام، العالم، المقرئ، الحافظ، شيخ الأندلس”، اشتهر بكونه مدافعًا عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وخاصة في باب الصفات، حيث ألّف كتابه المعروف “الوصول إلى معرفة الأصول” الذي رد فيه على أهل الكلام): ”أجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - على أن الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفاً صفاً لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء ﷻ“ [شرح حديث النزول: 2/311].
مجيء جهنم : يوم القيامة تجيء جهنم، قال ﷻ : ”وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ“ [الفجر: 23]، وهذا منظر فضيع، وشأن مهول، قال ﷺ: ”يُؤْتَى بجَهَنَّمَ يَومَئِذٍ ولَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمَامٍ، مع كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها“ [رواه مسلم: 2842]، يؤتى بها من المكان الذي خلقها الله -تعالى- فيه يؤتى بها ”وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى“ [الفجر: 23]. والزمام ما يُجعل في أنف البعير يجرونه به، ”لها سبعون ألف زمام“، يؤتى بها من المكان الذي خلقها الله فيه إلى الموقف ليراها الناس ترهيباً لهم، فجهنم لم تنتظر مجيئهم إليها، بل جِيءَ بها إليهم، تجرها الملائكة الشِّداد، فياله من مشهد للمُلْك والملكوت والعزة والجبروت، حين يذل الله العصاة والمجرمين، بجرَّ جنهم إليهم، الملائكة سبعون ألف ملك على كل زمام أربعة مليار وتسعمائة مليون مَلَكْ يَجُرُّون جنهم.
- بماذا يستظل المؤمن؟ المؤمنون يؤوُونَ إلى ظلِّ عرش الرحمن. ”وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا [النساء: 57] وظل العرش الذي يؤوون إليه يوم القيامة قبل دخول الجنة كرامة من الله لهم على أعمالهم العظيمة.
- وبماذا يستظل الكافر؟ المجرمين يؤوون إلى ظل النار، في أرض الموقف، يقول الله لهم: ”انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ - انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ - لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ - إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ“ [المرسلات: 32]، فالشرارة كالقصر في الحجم، الشرر يكون عادة صغير ودقيق، ولكن شرر النار يوم القيامةحجمها كالقصر، كأنها ”جِمَالَةٌ صُفْر“، والجمال السوداء التي تضرب إلى لونه إلى الصفرة، وهذا يدل على أن النار مظلمة ولهبها وجمرها وشررها، وأنها سوداء كريهة المرأى شديدة الحرارة نسأل الله العافية، فظل النار التي تتمايز في خلاله ”ثلاث شُعب“، أي: قطع من النار تتعاوره وتتناوبه وتجتمع به (فدخان جهنم الذي يتفرّع ثلاث شعب، أو أعمدة ضخمة متفرعة)، ”لا ظليل“، ولا راحة، ولا طمأنينة فيه، ولا يغني من مكث فيه من اللهب، بل قد أحاطه، ”إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ - كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ“ [المرسلات: 33].
يوما عبوسا قمطريرا : وصف الله -تعالى- يوم القيامة في كتابه بأنه يوم عبوس قمطرير، يعني: طويلاً، قال: ”تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ“ [المعارج: 4]. إنه يوم ثقيل، كانوا في الدنيا يتركون يومهم مثقلاً بالمعاصي، فجاءهم اليوم الثقيل الطويل الآن مقداره خمسين ألف سنة.
ومانعي الزكاة : فالذي لم يؤدي حق الله فيها يؤتى به يوم القيامة، ويؤتى بالذهب والفضة الذي ما أدَّى حق الله فيه :
١- تُصفح صَفَائِح من نار
٢- ويُحمى في نار جهنم
٣- ثم يكوى بها جنبه وجبينه وظهره، لانه كان يأتيه السائل من الأمام فيصد عنه بالجنب، فيأتي أمامه فيلقيه ظهره، فلذلك يكوى بها جبينه وجنبه وظهره
٤- كلما بردت أعيدت له.
وقال ﷺ: ”في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة“، (وكذلك الأبل والغنم والبقر التي ما أدى حق الله فيها زكاة السائمة، وهي زكاة بهيمة الأنعام، وزكاة عروض التجارة)، ”بُطِحَ لها بِقَاعٍ قَرْقَرْ أوْفَرَ ما كانت، لا يَفْقِدُ منها فَصِيْلاً واحداً، تَطَأُهُ بأخْفَافِهَا، وتَعُضُّهُ بأفواهها، وتَنْطَحُهُ بِقُرُونِها، وتطأُه بأظْلاَفِهَا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة“. [رواه مسلم: 987]. ٥- بُطِحَ لها بِقَاعٍ يعني: مستوي واسع من الأرض، قَرْقَرْ المستوي أيضاً، وهل يكون بَطْحُهُ على وجهه ؟ قال بعض العلماء ذلك، وقال بعضهم: ”ليس بشرط وإنما كما جاء في رواية البخاري يُخبط وجهه بأخفافها“، فمعناها أنه يُبسط ويمد على هذه الأرض المستوية ويكون على وجهه وقد يكون على ظهره،
٦- فتطأه
٧- وتعضه
٨- وتنطحه ”خمسين ألف سنة“.
المتكبرين في ارض المحشر : ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ:“يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَومَ القِيامَةِ أَمْثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ، يَغْشاهُمُ الذُّلُّ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَيُساقونَ إلى سِجْنٍ في جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ، تَعلُوهُم نارُ الأنْيارِ، يُسْقَوْنَ مِن عُصارةِ أَهْلِ النّارِ طِينَةَ الخَبالِ“. [الراوي: عبد الله بن عمر في سنن الترمذي (رقم 2492) وصححه الألباني في صحيح الترمذي]. فالمتكبرون يُحشرون يوم القيامة صغارًا محتقرين، كالنمل يُداس بأقدام الناس، جزاءً على استعلائهم في الدنيا. ثم يُساقون إلى “بُولَس” وهو وادٍ في جهنم شديد الحرارة والظلمة، ويُسقَون من “طينة الخبال” وهي عصارة صديد أهل النار.
هذه الأمة يوم القيامة لها ميزات عظيمة فهي :
- تسبق الأمم الأخرى، قال ﷺ: ”نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فُرض عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تَبَعْ، اليهود غداً، والنصارى بعد غد“ [رواه البخاري: 876، ومسلم: 855]. فنحن لنا يوم الجمعة واليهود السبت والنصارى الأحد، ”نحن الآخرون السابقون يوم القيامة“ ما معنى هذا؟ الآخرون زماناً الأولون منزلة، فهذه الأمة وإن كانت آخر أمة في هذه الدنيا، آخر أمة وجدت وخُلقت ”أنتم توفون سبعين أمة أنتم أكرمها على الله“ [رواه أحمد: 20037، وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 2301]، وإن وجدت في آخر الزمان لكن يوم القيامة تسبق كل الأمم، قال عليه الصلاة والسلام: ”نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق“. [هذه رواية مسلم 856].
- سيدخل منها سبعون ألفاً الجنة بغير حساب، وبين من هم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: ”عُرِضَت عليَّ الأُمَمُ، فرأيتُ النبيَّ ومعه الرَّهطُ، والنبيَّ ومعه الرجلُ والرَّجلانِ، والنبيَّ ليس معه أحدٌ، إذ رُفِعَ لي سوادٌ عظيمٌ فظننتُ أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومُه، ولكنِ انظُرْ إلى الأفقِ. فنظرتُ فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: انظُرْ إلى الأفقِ الآخرِ، فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: هذه أُمَّتُك، ومعهم سبعونَ ألفًا يَدخُلونَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ. قالوا: ”ومَن هم يا رسولَ اللهِ؟“ قال: هم الذين لا يَستَرْقونَ، ولا يَكتَوونَ، ولا يتطيَّرونَ، وعلى ربِّهم يَتوكَّلونَ“ [صحيح البخاري (5705)، صحيح مسلم (220)] وثبت أن النبي ﷺ سأل ربه الزيادة في هذا العدد: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: ”وَعَدَنِي رَبِّي أن يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي سَبْعِينَ ألْفًا بغيرِ حِسابٍ، فقال: وهَكَذا مع كُلِّ ألْفٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وثَلاثُ حَثَيَاتٍ مِن حَثَياتِ رَبِّي“ [مسند أحمد (2/337)، سنن الترمذي (2437)، وحسنه الألباني]، لا يسترقون: لا يطلبون الرقية من غيرهم، توكلًا على الله. (لكن لو رَقَوا غيرهم فلا بأس). ولا يكتوون: لا يلجؤون للكيّ بالنار طلبًا للشفاء، مع أنه مباح، لكنهم يترفعون عنه لكمال التوكل. ولا يتطيرون: لا يتشاءمون بالطيور أو بالأيام أو الأشخاص. وعلى ربهم يتوكلون: صفة جامعة؛ قلوبهم معلقة بالله وحده، وفي رواية احمد والترمذي ”وهَكَذا مع كُلِّ ألْفٍ سَبْعُونَ ألْفًا“ اي كل واحد من السبعين ألفًا، يُضاف معه سبعون الفا (أربعة مليارات وتسعمئة مليون)، وغير ثلاث حثيات من حثيات ربي. قال ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ”إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ“: “وقد صح أن مع كل ألف سبعين ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب، ثم يزادون ثلاث حثيات من حثيات الرب عز وجل، وهي زيادة عظيمة لا يعلم عددها إلا الله.” [تفسير ابن كثير، 2/285] قال ابن القيم في طريق الهجرتين: “فأول من يدخل الجنة بلا حساب سبعون ألفًا، ومع كل واحد منهم سبعون ألفًا، ثم يضاف إليهم ثلاث حثيات من فضل الله، وهي فوق الحصر والعد.”[طريق الهجرتين، ص 375]
- تشهد لكل الأنبياء السابقين يوم القيامة، قال ﷺ: ”يُدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بَلَّغْتَ؟ فيقول: نعم، فيُقَالُ لأمته - أمة نوح الذين كذبوه وأغرقهم الله -: هل بَلَّغَكُم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، - كذبوا في الدنيا ويكذبون في الآخرة- ، فيقول: من يشهدُ لَك؟ - اي يا نوح من يشهد لك أنك بلغت أمتك؟ - فيقول: محمدٌ وأُمَّتُه، - مع أننا نحن ما وجدنا في زمن نوح ولا شهدنا لكن سنشهد لنوح أنه بلغ، وكل الأنبياء أنهم بلغوا، من أين لنا هذا العلم وما شهدنا إلا بما علمنا؟ من القرآن، فتشهدون أنَّهُ قَد بَلّغ، ويكون الرسول عليكم شهيدا“ [رواه البخاري: 4487]. فذلك قوله جل ذكره: ”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ ” [البقرة: 143]، والوسط العدل، وفي رواية لابن ماجه: ”فتُدعَى أمة محمد“، فيقال: ”هل بلغ هذا أمتَه؟“ فيقولون: ”نعم“، فيقال: ”وما عِلْمُكُم بذلك؟“ يعني ما أدراكم أنه بلغ أنتم ما كنتم في عهده وزمنه!، فيقولون: ”أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلغوا فصدقناه“. [رواه ابن ماجه: 4284، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 2448]،اذن كيف تكونوا شهداء على الناس؟ تشهدون لكل نبي أنه بلغ أمته، فنحن شهداء على قوم نوح، وعلى قوم هود، وعلى قوم صالح، وعلى قوم شعيب أن رسلهم بلغتهم وأنهم كذبوا.
في يوم القيامة هناك أحداث كثيرة جداً، وسنأتي على مزيد منها إن شاء الله، وقد عرفنا في هذا الدرس ما يكون من التغيرات في العالم العلوي وفي الأرض، وما يكون من شيء من الأهوال في ذلك الموقف كتقريب الشمس، والحر، وبعض الأحوال للناس في ذلك المقام وبعث النار، والمسلم عليه أن يتفطن لهذا الأمر وأن يعي ماذا سيحدث وأن يتفكر في هذه الأهوال حتى يستعد.
مَثّلْ لنِفْسِكَ أيُّهَا المغرورُ يومِ القيامةِ والسّماءُ تَمُورُ
إذ كُوِّرَت شمسُ النهار وأُدْنِيَتْ حتى على رأس العبادِ تَسِيرُ
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلّت بعد الضِيَاءِ كُدُوْرُ
وإذا البحار تفجّرَت من خَوْفِها ورأيتَها مِثلَ الجحيمِ تَفُورُ
وإذا الجبال تَقَلَّعَتْ بأصولِهَا فرأيتَها مثلَ السّحَاب تَسيرُ
وإذا العِشَارُ تعطَّلتْ وتَخَرَّبَتْ خَلَتِ الديار فما بها مَعْمُورُ
وإذا الوحوش لدى القيامة حُشِّرَتْ وتقولُ للأَمْلاَكِ أين نَسِيرُ؟
وإذا تُقَاةُ المسلمين تزوَّجَت من حورِ عِينٍ زَانَهُنَّ شُعُورُ
وإذا الموؤدة سُئِلت عن شَأنها وبأيِّ ذَنبٍ قَتْلُهَا مَيْسُورُ
وإذا الجَلِيْلُ طوى السماء بيمينه طيَّ السِّجِلِّ كتابَهُ المنشُور
وإذا الصَّحَائِفُ نشَّرَت فتطايرت وتَهَتَّكَت للمؤمنين سُتُورُ
وإذا السَّماء تَكَشَّطَتْ عن أهلها ورأيتَ أفلاكَ السماء تَدُورُ
وإذا الجحيم تَسَعَّرتْ نِيرَانُها فلها على أهل الذنوبِ زَفِيرُ
وإذا الجِنَانُ تزَخْرَفَتْ وتطيَّبت لفتىً على طول البَلاءِ صَبُور
وإذا الجنين بأمِّهِ متعلقٌ يخشى القصاصَ وقلبُهُ مَذعُورُ
هذا بِلا ذنبٍ يخافُ جِنايةً كيف الـمُصِرُّ على الذنوب دُهُورُ؟!