العبادات الواردة على وجوه متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقات مختلفة
العبادات الواردة على وجوه متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقات مختلفة
شرح القواعد الفقهية
شرح الامام عادل الشوربجي حفظه الله
تلخيص وجمع وتدوين الفقير الى الله طارق عتمه
الدرس قريبا ان شاء الله
مختصر القاعدة
يتمحور هذا الدرس حول قاعدة أصولية وفقهية هامة، وهي أن العبادات التي وردت عن النبي ﷺ بكيفيات وصفات متنوعة، يُشرع للمسلم فعلها بجميع وجوهها في أوقات مختلفة، وذلك اقتداءً بهديه ﷺ الذي نقلته لنا الصحابة بصور متعددة للعبادة الواحدة،.
وإليك ملخص لأبرز نقاط القاعدة:
• أقسام العبادات من حيث الكيفية:
1. عبادات لها كيفية واحدة: لا يجوز تغييرها أو تبديلها (مثل عدد ركعات الصلوات المفروضة، وزمن الصيام)، ومن خالفها فقد ابتدع.
2. عبادات لها كيفيات متنوعة: وهي التي ثبتت بأدلة شرعية صحيحة بوجوه متعددة (مثل صيغ دعاء الاستفتاح، التشهد، وتنوع الأذان).
• كيفية العمل بالقاعدة: لا يصح الجمع بين الكيفيات المختلفة في آن واحد (كأن يجمع كل صيغ الاستفتاح في صلاة واحدة)، بل يؤدي هذه الكيفية تارة، وتلك تارة أخرى في أوقات منفصلة،. ومن اكتفى بكيفية واحدة دائماً فصلاته صحيحة، لكنه فاته كمال اتباع الهدي النبوي.
• موقف الشريعة من التنوع: لا يوجد تعارض بين الأدلة الصحيحة، ولا يلجأ العلماء لقول إن إحدى الكيفيات "ناسخة" للأخرى أو "مرجحة" عليها ما دام العمل بالدليلين ممكناً؛ لأن الأصل في الأدلة الإعمال لا الإهمال،،.
• فوائد تنويع العبادات:
1. حفظ الشريعة من النسيان بجميع صورها الواردة.
2. تجديد نشاط النفس ودفع الملل عنها، لأنها تحب التجديد.
3. تعليم الناس ونشر السنن حتى لا ينكر المسلمون على بعضهم بعضاً عند رؤية صفات مشروعة لم يألفوها.
خلاصة القول: إن هذا التنوع في العبادات يشبه تعدد الطرق المؤدية إلى وجهة واحدة؛ فكل طريق منها صحيح وموصل، والتنقل بينها يمنع الرتابة ويجعل المسافر (العابد) مستحضراً لكل تفاصيل رحلته.
الله شرع لنا العبادات وأمرنا بها، وافعال العباد اما عبادات واما معاملات؛ وهذه القاعدة في العبادات، والعبادات التي أمرنا بها ربنا فعلها النبي ﷺ والصحابة لما نقلوا كانوا تفعل هذه العبادات نقلوها كما رأوا النبي ﷺ، فالذي حدث ان الصحابة نقلوا لنا عابدات واحدة ولكن فعلها النبي ﷺ على كيفيات مختلفة.(اي نفس البعادة باشكال مختلفة)، فالعلماء نظروا الى هذه الكيفيات وقالوا: ”هل تعتبر كيفية ناسخة لكيفية اخرى؟“ الجواب: ”لا“، فما العمل؟ الجواب: النبي ﷺ لما فعل العبادات بكيفيات مختلفة في اولقات مختلفة الاقتداء بالهدي ان تُفعل كما فعل ﷺ؛ اذن: هناك عبادات لها اكثر من كيفية، ولكن كيف افعلها؟ الجواب: نفعلها بهذه الكيفيات، ولكن باوقات مختلفة.
سؤال: هل يجوز أن نأتي بالكيفيات كلها في وقت واحد؟ مثال: صح عن النبي ﷺ انه اذا كبر للصلاة سكت هُنَيّهَة، فساله ابو هريرة رضي الله عنه عما يقول في هذه السكتة؟ فذكر ﷺ دعاء الاستفتاح، ورد فيه اكثر من صيغة، فماذا هنا يصنع المسلم؟ هل يكتفي بصيغة واحدة؟ ام يجمع كل الصيغ الواردة في صيغة واحدة؟ او مثلا: التشهد في الصلاة ورد فيه اكثر من صيغة، هل يجوز ان اجمعها في صلاة واحدة ام انوع؟ (هذا موضوع هذه القاعدة).
القاعدة: العبادات الواردة على وجوه متنوعة -متنوعة بالنسبة للكيفية وليست أصل الشرع- إذا العبادة مشروعة، ولكن كيفية فعل هذه العبادة الواردة عن النبي ﷺ جائت على هيئات متنوعة، والقول الفصل والصواب والذي تشهد له الادلة (أن المسلم يفعل هذه العبادات على الكيفيات مختلفة في أوقات مختلفة، وتفعل على جميع وجوهها في أوقات مختلفة).
سؤال: لو أن مسلماً اكتفى في كيفية واحدة في كل العبادات؟ الجواب: العبادة صحيحة، ولكنه خالف الهدي؛ لان الذي فعله ورد ايضا عن النبي ﷺ وعلينا ان نفرق بين: المشروعية، والاستحباب والفرضية.
الفرضية : لا بد ان يفعلها المسلم والا يأثم.
الاستحباب: دل على الاجر دون حتم والزام -دون اثم تاركه-.
المشروعية: من لوازمها عدم الانكار فهي اقل من الاستحباب (وهي مخصصة في السنة التقريرية، اي اقره ﷺ ولم ينكر عليه).
تنقسيم العبادات باعتبار كيفيتها الى قسمين:
القسم الاول: عبادات ليس لها إلا كيفية واحدة ولا تتغير ولا تتبدل.
ضمن اصل شرعيتها شرعت على اصل واحد فقط.
مثال ذلك: عدد الركعات في الصلاة المفروضة، وكيفية الطواف في البيت (كان يطوف والبيت عن يمينه)، وزمن الصيام، فهذا النوع يؤدى على كيفيتها التي شُرِعَت عليه، ولا يجوز تغيير الكيفية إلا بإذن من الشارع (ومن خالف فقد ابتدع)؛ لان المبتدع يعتقد انه يتقرب الى الله. (كل بدعة معصية وليس كل معصية بدعة)
القسم الثاني: عبادات شُرِعَت على كيفيات متنوعة، وكل كيفية شملت بدليل شرعي صحيح.
هذا النوع من العبادات يؤدي بنا الى هذه الاسئلة:
السؤال الأول: هل الشريعة متعارضة؛ لأنها فعلت عبادة واحدة على وجوه متعددة؟ كأذان ابي محذورة واذان بلال ابن رباح (ابي محذورة في ترجيع، وبلال ليس فيه ترجيع)، وايضا دعاء الاتفتاح وصيغ التشهد. الجواب: لا تعارض ابدا بين الأدلة الشرعية الصحيحة من كل الوجوه لانها من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
السؤال الثاني: هل نبحث عن الكيفية المتأخرة حتى تكون ناسخة لما قبلها من الكيفيات؟ فمثلا: علم النبي ﷺ الاذان لابي محذورة وحديث بلال امر عبد الله بن زيد بن عبد ربه ان يعلم بلال، والكيفيتين مختلفتين، فهل هناك كيفية ناسخة لكيفية اخرى، وعليه نبحث عن كل كيفية والاخيرة هي الناسخة؟ الجواب: لا يجوز. لماذا؟ لأنه الأصل في الأدلة الشرعية الإعمَال لا الاهمال، والاصل ان كل دليل الاصل فيه العمل فيه، فلا يُصار الى النسخ الى عند العجز عن الجمع بين النصين، مثل ما ثبت عن النبي ﷺ باكثر من وجه انه نهى ان يحلف المسلم بغير الله (من كان حالفا فاليحلف بالله) وايضا (من حلف بغير الله فقد اشرك)، وثبت عنه في الصحيحين انه قال : افلح وابيه (اي دخل الجنة وابيه)، فهنا حديث نهى عن الحلف بغير الله وحديث حلف بغير الله، فكيف يُجمع بينهما؟ قرر العلماء انه حديث الحلف (افلح وابيه) منسوخ، والمُحكم (الناسخ) هو انه محرم وشرك (ولكن بعدما حاول العلماء الجمع ونفذت جميع المحاولات وبها قلنا بالنسخ)، وهذا سؤال باطل لان النسخ فيه ابطال لاحد الدليلين، ولا يجوز المَصير الى النسخ الا عند تعذر العمل بالدليلين والعمل بالدليلين ان امكن اولا من اهمال احدهما.
السؤال الثالث: هل نرجح احدى الكيفيات على بعض؟ الجواب: معنى الترجيح هو : ابطال الدليل المرجوح ابطالا تاما، فهو اعظم من النسخ، وعليه فلا يجوز القول بهذا السؤال، فالفرق بين النسخ والمرجوح هو ان النسخ عُمِل فيه فترة من الزمان، اما المرجوح فلم يُعمل بع فهو اعلى من النسخ.
السؤال الرابع: اختيار إحدى كيفيات العبادة والعمل بها وترك غيرها؟ الجواب: هذا الاختيار لكيفية محددة ينبغي ان يُبنى علي دليل وهذا غير موجود وعليه فالسؤال لا يصح، اذن: كيف العمل بهذه البعادة -اي التي جائت بكيفيات مختلفة-؟
تُفْعَل هذه العبادة على جميع كيفياتها وصفاتها الواردة، فنفعلها على هذه الوجه تارة، وعلى هذا الوجه تارة، وبهذا نجمع بين الادلة الصحيحة الصريحة ونعمل بها.
ملاحظة: لا يُجمَع بين جميع الكيفيات والا اذا جمع فقد ابتدع في دين الله؛ لانه لم يرد عن النبي ﷺ الجمع بينهم، لانه الاصل انه لا يوجد ولن يوجد احد عبد الله كما عبده النبي ﷺ، فمثلا : التنوع بين الاذكار في صلاة واحدة (فلا يدعو بجميع الادعية في عبادة واحدة)، فكل ركوع يُخَصَّص في ذكر وارد ولك ان تنوع في الركوع الواحد في الصلاة الواحدة (فيركع الاولى ويدعو دعاء، والركعة الثانية ان اراد دعاء اخر)؛ لانه لا يُعتبر جمع الكيفيات في عبادة واحدة.
الفائدة الأولى: حفظ الشريعة وعدم نسيان شيء منها.
الفائدة الثانية: تنويع العبادة على النفس حتى لا تمل، فإن النفس تحب التجديد.
الفائدة الثالثة: نشر الكيفيات بين الناس لكي لا ينكرونها (كعدد التكبيرات في صلاة الجنائز اربعة وخمسة وسبعة وتسعة).