الشفاعة الجزء الاول
الشفاعة الجزء الاول
قريبا ان شاء الله سيتم تنزيل الدرس
المختصر والخلاصة
أولاً: حقيقة الشفاعة وحكمها
• الشفاعة لغةً: هي الطلب، وسُمي الشفيع شفيعاً لأنه ينضم إلى صاحب الحاجة فيصير له "شفعاً" بعد أن كان فرداً.
• حكمها: ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وهي من قضايا العقيدة الكبرى.
• أهل السنة والجماعة: يرون أن الشفاعة جائزة عقلاً وواجبة شرعاً لوقوعها، بينما أنكرها الخوارج وبعض المعتزلة بناءً على مذهبهم في تخليد العصاة في النار .
ثانياً: المقام المحمود والشفاعة العظمى
• المقام المحمود: هو مقام الشفاعة العظمى الذي وعد الله به نبيه محمداً ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ .
• كرب الموقف: يجمع الله الناس في صعيد واحد، وتدنو الشمس من الرؤوس حتى يبلغ العرق مبالغ عظيمة، فيصل الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون .
• تدافع الأنبياء للشفاعة: يذهب الناس إلى الأنبياء (آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى) واحداً تلو الآخر لطلب الشفاعة لبدء الحساب، وكلهم يعتذرون تأدباً مع الله وإجلالاً له، حتى تنتهي إلى النبي محمد ﷺ فيقول: "أنا لها" .
• صفة شفاعته ﷺ: يسجد النبي ﷺ تحت العرش ويحمد الله بمحامد يفتحها الله عليه، ثم يُؤذن له بالشفاعة ليقضي الله بين العباد .
ثالثاً: أنواع الشفاعات يوم القيامة
تنقسم الشفاعة إلى عدة أنواع، بعضها خاص بالنبي ﷺ وبعضها عام له ولغيره:
1. الشفاعة العظمى: للفصل بين القضاء وإراحة الناس من هول الموقف (خاصة بالنبي ﷺ).
2. الشفاعة في دخول أقوام الجنة بغير حساب: كحديث السبعين ألفاً (خاصة بالنبي ﷺ) .
3. الشفاعة لفتح باب الجنة: فهو ﷺ أول من يقرع باب الجنة ويستفتح لأهلها (خاصة به).
4. الشفاعة في رفع درجات المؤمنين: بزيادة ثوابهم عما تقتضيه أعمالهم.
5. الشفاعة في إخراج عصاة الموحدين من النار: وهم الذين دخلوا النار بذنوبهم (يشترك فيها النبي ﷺ والملائكة والأنبياء والمؤمنون).
6. الشفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب: وهي شفاعة خاصة في التخفيف لا في الإخراج من النار.
رابعاً: المستحقون للشفاعة وضوابطها
• التوحيد هو الأساس: الشفاعة لا تنال إلا الموحدين الذين ماتوا لا يشركون بالله شيئاً، أما المشركون والكفار فلا تنفعهم شفاعة الشافعين .
• أمة الإجابة: اختار النبي ﷺ الشفاعة بدلاً من دخول نصف أمته الجنة لأنها أوسع وأنفع لكل من مات على التوحيد وإن زنى وإن سرق .
• تنبيه عقدي: الشفاعة تُطلب من الله تعالى، ولا يجوز طلبها من النبي ﷺ وهو في قبره، وإنما يُطلب منه يوم القيامة وهو حي مأذون له.
خلاصة الأمر: إن الشفاعة مظهر من مظاهر رحمة الله بعباده وإكرامه لنبيه محمد ﷺ، حيث جعل فكاك الناس من كرب الموقف وخروج الموحدين من النار مرتبطاً بسؤاله وتوسله لربه .
المبحث كامل
﷽
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإن من قضايا اليوم الآخر الكبرى ومما يحدث للعباد في عَرَصَاتِ القيامة، ومن قضايا العقيدة الكبار مسألة الشفاعة.
والشفاعة في اللغة : الطلب، الشافع الطَالِبُ لغيره يَتَشَفّعُ به إلى المطلُوب، واسم الطّالِب شَفِيْع، شَفَعَ لي فلان إلى فلان شَفاعة، طلبُهُ إليه في قضاء حاجته، وإنما قيل للشفيع شفيع وشافع؛ لأنه ثنى الـمُسْتَشفِعَ به، فصار له شَفْعَاً، فكان ذو الحاجة قبل استشفاعه به في حاجته فرداً، فصار صاحبه له فيها شافعاً، وطلبه في حاجته شفاعة، والشفاعة كما قال الراغب -رحمه الله-: ”الانضمام إلى آخر ناصراً له، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في يوم القيامة“. [تاج العروس: 1/5348].
والشفاعة في الآخرة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، ولم يُخالف فيها إلا شرذمة من أهل البدع القائلين بخلود أهل المعاصي في النار؛ فالذين يقولون بخلود أهل المعاصي في النار لا يؤمنون بالشفاعة؛ لأن الشفاعة من مقتضياتها: إخراج ناس من أهل التوحيد من النار بعد أن عذبوا فيها ما شاء الله يخرجون بالشفاعة، فالذي يقول: بأن أصحاب الكبائر، أو العصاة يخلدون في النار لن يؤمن بالشفاعة، ولهذا البدعة إذا حصلت يترتب عليها بدع أخرى، وهذا مثال الان قضية اعتقاد تخليد العصاة في النار، يترتب عليه بدعة أخرى، وإنكار الشفاعة؛ لأنه سيلزمه أن يقول بهذا. وقال القاضي عياض -رحمه الله-: ”مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً ووجوبها سمعاً لصريح قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا“ [طه: 109]، وكذلك بقوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28]. وأمثال هذه الآيات، وكذلك بخبر الصادق المصدوق ﷺ وقد جاءت الآثار -التي بلغت بمجموعها التواتر- بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف، ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومَنَعَت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد الـمُذنبين في النار“. [إكمال المعلم: 1/367].
تنبيه : قول بعض العلماء من أهل السنة في إثبات الشفاعة، يقصدون بقولهم جائزة أنها ممكن من جهة العقل الصحيح يقبل الشفاعة، والعقل الصحيح لا ينكر الشفاعة وتعبيرهم بأنها واجبة يريدون بها أنها محققة الوقوع من جهة الشرع؛ لأنه ثبت وجوبها أو وجودها في الشرع، إذن قولهم جائزة يقصدون عقلاً، وقولهم واجبة يقصدون شرعاً.
وقال القرطبي -رحمه الله-: ”والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين، من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين. وقد أجمع السلف على ذلك، ولم يبدوا من أحد منهم في عصر من العصور نكير، فظهور رواية الأحاديث وارتباطهم على صحتها وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد دين المعتزلة“. [الجامع لأحكام القرآن: 1/378].
ومقام الشفاعة هو المقام المحمود الذي وعد الله -تعالى- نبيه محمداً ﷺ بأن يبعثه إياه يوم القيامة، كما قال ﷻ: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء: 79]. وهذا الكلام لمحمد ﷺ لكرامته على الله أن جعل وظيفته أكثر من غيره، ولذلك أوجب عليه قيام الليل، وعلى الأمة قيام الليل مستحب؛ ليكثر ثوابه، وينال بذلك المرتبة العظيمة العالية، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهو الشفاعة العظمى، عندما يتشفع الخلائق بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم عيسى، وكلهم يعتذر ويتأخر عنها، حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم محمد ﷺ ليرحمهم الله من هول الموقف وكربه، فشفع لهم عند ربه، فيشفعه ويقيمه مقاماً يغبطه عليه الأولون والآخرون، وتكون له المنة على جميع الخلق.
قال الطبري -رحمه الله- في قوله تعالى: ”عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا“، فقال ”وتأويل الكلام أقم الصلاة المفروضة يا محمد، في هذه الأوقات التي أمرتك بإقامتها فيها، ومن الليل فتهجد فرضاً فرضته عليك، لعل ربك أن يبعثك يوم القيامة مقاماً، تقوم فيه محموداً تغبط فيه، ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر العلم: ذلك هو المقام الذي هو يقومه يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم“. [جامع البيان: 9/248].
وقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النبي ﷺ: ”إنَّ الشمسَ تَدْنُو يومَ القيامةِ حتى يبلُغَ العَرَقُ نصفَ الأُذُنِ، فبينما هم كذلك، استغاثوا بآدمَ، ثم بموسى، ثم بمحمدٍ ﷺ“، [وزاد عبد الله بن صالح: حدّثني الليث، حدّثني ابن أبي جعفر]: ”فيشفع ليُقضى بين الخلقِ، فيمشي حتى يأخذ بحَلْقَةِِ البابِ، فيومئذٍ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلُّهم“. [رواه البخاري: 1475]. وقد ثبت بيان أن هذا المقام المحمود الذي يحمد الخلق نبينا ﷺ عليه، هو مقام الشفاعة.
لا بد ان نميز أن الشفاعة أكثر من نوع، هناك شفاعة لفصل القضاء لينفك الموقف الذي الناس فيه المتأزم من الحر الشديد والعرق لينفك القيام الطويل، وهناك شفاعة إخراج المذنبين من النار شفاعة، إدخال ناس الجنة فيها شفاعة، في عدة شفاعات يوم القيامة، ونفصلها :
الشفاعة ”العظمى“ لبدء الحساب لريح الناس ما هم فيه: قلنا: يوم القيامة الناس في كرب عظيم؛ لأنهم يقومون كما قال بعض العلماء أربعين سنة في العرق، والعرق متفاوت بحسب أعمال العباد، ومنهم من يكون إلى قدميه، وأنصاف ساقيه، وركبتيه، وحقويه، وصدره، ويلجمه إلجاماً، ومنهم من يغطيه، فالناس في حر شديد؛ لأن
١- جهنم قُربت، ٢- والشمس دنت، ٣- وهم في الزحام ليس للإنسان إلا موضع قدميه، ٤- وأنفاس العباد مع الزحام، ٥- ثم الهول، وما يفرزه الإنسان من العرق نتيجة الخوف العظيم، فهذا الموقف الناس يريدون الفكاك منه بأي طريقة، فيسألون ويطوفون على الأنبياء واحداً واحداً، ألا ترون ما قد بلغنا، ألا ترون ما نحن فيه، ولذلك يكون الفَكَاك من هذا الموقف نعمة عظيمة جداً، ويكون الفكاك على يد نبينا محمد ﷺ، هذا مقام ادخره الله له المقام المحمود، وكان بالإمكان أن ينتهي هذا المشهد من الله ﷻ مباشرة بدون تدخل وسؤال وشفاعة من أحد، لكن الله ادخرها لنبينا ﷺ ليشفع عند الله بالفكاك من هذه الأزمة العظيمة، فيقبل الله شفاعته، فيحدث الفرج للناس لينصرفوا ليبدأ الحساب، حتى لربما الكافر أن يتمنى الانصراف ولو إلى النار، المهم أن تنفك الأزمة هذه، عندهم من شدتها في ذلك الموقف، فيكون هذا المقام لنبينا ﷺ.
فشفاعته ﷺ في أهل الموقف ليقضي الله بينهم من خصائصه ﷺ ، ومن آيات كرامته، وهي المقام الشريف.
- والدليل على خصوصية النبي ﷺ ما رواه البخاري ومسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي:
١- نصرت بالرعب مسيرة شهر،
٢- وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأي ما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلي، - من قبل لا بد يصلي الناس في أماكن معينة، ولا بد أن الواحد يستصحب معه الطهور، وما يستطيع أن يتيمم، هذه الأمة صارت تخفيف لها بحمد لله- ، قال:
٣- وأحلت لي الـمَغَانِم، ولا تَحِلُّ لأحد قبلي،
٤- وأعطيت الشفاعة،
٥- وكان النبي ﷺ يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة [رواه البخاري: 438]. فنحن نستطيع أن نصلي في أي مكان إلا ما جاء النهي عنه خصيصاً، كالمقبرة - إلا صلاة الجنازة مسموح بها- ، كذلك الحمام، ومواضع النجاسات ما نصلي فيها، موضع الخسف والعذاب، أماكن معينة محصورة جداً، والباقي نصلي فيه.
محل الشهاد : ”وأعطيت الشفاعة“، المقصود بها الشفاعة العظمى، في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل ربه، وقيل: الشفاعة لخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان يعني من النار.
قال الحافظ -رحمه الله-: ”والذي يظهر لي أن هذه مرادة مع الأولى -اي العظمى للخلائق ليقوم الحساب -؛ لأنه يتبعها بها، كما سيأتي في حديث الشفاعة“، إذن (الفِكَاك من الموقف، وإخراج الموحدين من النار)، هاتان الشفاعتان أعظم شفاعات النبي ﷺ.
- وجاء في المسند أيضاً من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: أُعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي ولا أقولهن فخراً، - اي أنا ما أتعالى وأتكبر بهذا، لكن أتحدث بنعمة الله عليّ -، قال فيه: وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً“ [رواه أحمد: 2742، ، وفي تحقيق المسند حديث حسن].
- قال ابن حجر: ” فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة في هذا الحديث إخراج من ليس له عمل صالح إلا التوحيد، وهو مختص أيضاً بالشفاعة الأولى لكن جاء التنويه بذكر هذه لأنها غاية المطلوب من تلك لقتضاءها الراحة المستمرة“ [فتح الباري: 1/439].
لماذا النبياء لا يتقدمون للشاقة العظمى ؟ لأجل ما اختص به النبي ﷺ من مقام الشفاعة العظمى ليقضي الله -تعالى- بين الخلائق تدافعها الأنبياء جميعاً لِعِلْمِهِم أنها ليست لهم، ولكمال علمهم بربهم، ولإجلالهم له لا يتقدمون بالشفاعة، وليس مأذون لهم فيها، بل يردونها إلى أهلها، وهو محمد ﷺ.
لقد ورد ذكر هذين المقامين العظيمين من مقامات الشفاعة : الشفاعة في أهل الموقف، والشفاعة في الموحدين ليدخلوا الجنة، فورد ذكرهما معاً في غير حديث الشفاعة الطويل.
- روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه : ”أن رسول الله ﷺ أوتِيَ بلَحم فرُفعَ إليه الذراع - وكان يحب الذراع -، فنَهَشَ أو نَهَسَ منها نهشة، ثم قال: ”أنا سيد الناس يوم القيامة، - طبعاً تكلم العلماء في العلاقة بين نهش الذراع، وبين أنا سيد ولد آدم، قالوا: إن النهش نهش اللحم من الذراع ليس من عادات المتكبرين، فالمتكبرين لا ينهشون اللحم من العظم، مثل سكين وشوكة، فلما رفع العظم ونهشه دليلاً على أنه ليس من أهل التكبر، وأنه في طعامه من المتواضعين يأكل بما تيسر له الأكل منه - قال: ”أنا سيد ولد آدم“ وعبر بالفعل بالتواضع وبالقول أنا سيد ولد آدم، حتى لا يُظن أنه يقولوها كبراً، فقال الكلمة: أنا سيد ولد آدم في هذا الموضع، بعدما نهش من اللحم حتى يُبعد عن الذهن أن المقصود بها فخر أو خيلاء، فقال: أنا سيد ولد آدم، يعني: ولا فخر، وهذا فعلي فعل المتواضعين آكل مثل ما يأكل الناس متواضعاً من العظم، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يُسِمُعُهم الداعي، ويُنْفِذُهُم البصر، وتدنُو الشمس، فيبلُغُ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقونه، ولا يحتملون، فيقول الناس - يعني: يقول الناس لبعضهم البعض يوم القيامة -: ”ألا ترون ما قد بلغكم! ألا تنظرون على من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ”عليكم بآدم“،
- (ادم ﷺ) فيأتون آدم ﷺ فيقولون له: ” أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟“ فيقول آدم: ”إنَّ ربي قد غَضَبَ اليوم غَضَبَاً لم يغضَب قبله مثله، ولن يغضب بَعْدَهُ مِثلَه“، - هذه غضبة الله يوم القيامة ما لها مثيل، ولذلك حتى الرسل يقولون: ”نفسي نفسي اللهم سلم سلم“، خافوا من غضب الجبار في ذلك اليوم؛ لأنه يوم الانتقام ينتقم الله فيه من الكفرة، والمجرمين، والظلمة، والمتكبرين، فلذلك هذا اليوم الذي خوف الله وأنذر الأمم المكذبة والتي أهلكت في الدنيا، فالرسل كانت تنذر أقوامها من هذا اليوم، وكانت الأمم تستهزئ، وتقول: ”هات العذاب إن كنت صادقاً“ - ثم قال آدم: ”اذهبوا إلى نوح“، فيأتون نوحاً،
- (نوح ﷺ) فيقولون: ”يا نوح، إنك أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟“، فيقول: ”إن ربي ﷻ قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دَعْوَةٌ دعوتها على قومي - يعني: بأن يهلكهم الله جميعاً، ولا يجعل في الأرض منهم دياراً، كانه يقول: إني لست بهذا المقام الذي أطلب فيه الشفاعة، وأنا دعوت على قومي دعوة- فيقول : ”نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم“،
- (ابراهيم ﷺ) فيأتون إبراهيم، فيقولون: ”يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ” فيقول لهم: ”إن ربي ﷻ قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى“،
- (موسى ﷺ) فيأتون موسى، فيقولون: ”يا موسى، أنت رسول الله فضلك الله برسالته، وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟“، فيقول: ”إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أُومَرْ بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى بن مريم“،
- (عيسى ﷺ) فيأتون عيسى، فيقولون: ”يا عيسى أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبياً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟“، فيقول عيسى: ”إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنباً، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمداً ﷺ“،
- (محمد ﷺ) : فيأتون محمداً ﷺ فيقولون: ”يا محمد ﷺ أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟“ (يقول ﷺ : في رواية ”انا لها انا لها“) ثم قال : ”فأنطلق، فأتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي ﷻ ثم يفتح الله عليّ من مَحَامِدِهِ، وحُسْنِ الثناء عليه شيئاً لم يَفْتَحْهُ على أحد قبلي - يعني: نحن نعرف الآن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله عدد خلقه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، هناك محامد كثيرة، لكن هذا المقام الله ﷻ يعلم- نبيه محامد ما يعرفها أحد، ولا خطرت على بال أحد، ولا سبق أن قالها أحد ليقولها وهو ساجد، والمحامد هذه الثناء على الله قبل الطلب؛ لأن هذا من آداب الدعاء وقبل أن يطلب الشفاعة، ثم يطلب الشفاعة، فلا يزال النبي ﷺ ساجداً يقول المحامد قبل أن يطلب طلب واحد، فما زال يحمد بما علمه الله وهو ساجد إلى أن يشاء الله، ويقول الله : ”يا محمد! ارفع رأسك، - بلغ الثناء الذي يريده الله منه في هذا الموضع- ارفع رأسك، وسَلْ تُعْطَهُ، واشفَع تُشفّع. - أذن الآن يبدأ الطلب، فقبل كلها محامد وهو ساجد - يقول ﷺ: فارفع رأسي، فأقول: ”أمتي يا رب! أمتي يا رب! أمتي يا رب!، - وهذه من رحمته ﷺ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128]. فما في الامة من العنت والمشقة والشدة يريد أن يريحكم فهو حريص عليكم - فيقال: ”يا محمد أَدخِل مِنْ (هنا مِنْ للتبعيض) مَنْ لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاءَ الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، - إذاً الباب الأيمن هذا مخصص لأمة محمد ﷺ وندخل من الأبواب الأخرى مع بقية الأمم، من الموحدين الذين يدخلون الجنة، الطائفة الأولى الذين لا حساب عليهم أول ناس يدخلون الجنة، هي الدفعة الأولى - ثم قال: والذي نفسي بيده، إنما بين الـمِصْرَاعَيْنِ من مَصَارِيعِ الجنة كما بين مَكّةَ وحِمْيَر - حمير في اليمن، ومكة في الحجاز، وكم المسافة بينهما؟ هذا عرض باب واحد من أبواب الجنة - أو قال: كما بين مكة وبُصرى. [رواه البخاري: 4712]. بُصرى في الشام، ومكة في الحجاز كم المسافة بينهما؟ عرض باب من أبواب الجنة، ومع ذلك يأتي يوم هذا الباب (كَظِيظٌ من الزحام)، من كثرة الداخلين، طبعاً هذا من سعة رحمة رب العالمين، لكن الدفعة الأولى هذه الذين لا حساب عليهم، والذين يدخلون الباب الأيمن من أبواب الجنة، يدخلون بشفاعة محمد ﷺ، حتى الذين لا حساب عليهم، وهذا من ارتفاع منزلته عند ربه.
شرح الموقف كاملا بتعدد رواياته : المقدمة للموقف : قوله ﷺ: ”أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي ولا فخر“ [رواه الترمذي: 3148 ، وصححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب: 3543]، اي لا أقولها فخراً وكبراً هذه نعمة ربي عليّ. قال النووي -رحمه الله-: ”إنما قال هذا ﷺ تحدثاً بنعمة الله، وقد أمر الله تعالى بهذا“ [شرح النووي على مسلم: 3/66]، ومعرفتنا بحق نبينا ﷺ مهمة. وقال القاضي -رحمه الله-: ”قيل السيد الذي يفوق قومه ويُفزع إليه في الشدائد، والنبي ﷺ سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة“. [شرح النووي على مسلم: 3/66]. فالآن سيد قبيلة كذا، وسيد بني فلان هذا الذي يفزعون إليه إذا صارت شدة، فالنبي ﷺ سيد ولد آدم.
تنبيه عقائدي : طبعاً يُفزع إليه في شيء يقدر عليه، أما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يُسأل غير الله فيه أبداً، فلا يجوز أن تقول لأي مخلوق ”اشف مريضي، أو ارزقني، أو اغفر ذنبي“؛ لأن هذا ما يقدر هذا من شأن الله -تعالى-، اختص الله به لا يقدر عليه إلا الله، أما أن يُقال للحي يوم القيامة -والأنبياء بكامل حياتهم والناس بكامل حياتهم يوم القيامة- أن يقول الحي للنبي ﷺ: ”اشفع لنا إلى ربك“، يسألونه شيئاً يعرفون أنه يقدر عليه، وأنه مأذون له فيه، فهذا الطلب منه في الآخرة وهو حي، أما نحن الآن في الدنيا ما نطلب منه شيئاً في قبره، ونقول: يا رسول الله، افعل لنا كذا، وافعل لنا كذا، وهو في قبره، لا يجوز.
لماذا هذا التخصيص لنبينا ﷺ ؟ خصّ الله -تعالى- نبيه يوم القيامة بالذكر في هذا الموضوع لتظهر سيادته وشرفه، والأنبياء كلهم تحت لوائه، وكل العالم يحتاجون إليه جِنّاً وإنساً؛ لكي يسأل لهم الشفاعة، الشفاعة يشفع لهم عند الله.
والنبي ﷺ لما قال: ”وهل تدرون مما ذاك، يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسمِعُهُم الدّاعي، ويَنْفُذُهُم البَصَر“، الصعيد: الأرض المستوية وقد علمناها، يَنْفُذُهُم البَصَر يُحِيط بهم الناظر لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض، وهذا أولى من قول من قال إنه يأتي عليه بصر الرحمن -تعالى-؛ وذلك لأن الله ﷻ يحيط بهم ولا يغيبون عنه، لكن المقصود ينفذهم البصر يعني بصر الناظر إليهم؛ لأن الناس في صعيد واحد فلو نظر إليهم شخص رآهم؛ فلأن الأرض لا تُخفي أحداً، فلذلك قال: ”يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسمِعُهُم الدّاعي، ويَنْفُذُهُم البَصَر، وتدنوا الشمس فيبُلُغ النّاسَ من الغَمّ والكَرب ما لا يُطيقُون ولا يَحتَمِلون“، (هذا الحديث: ما لا يطيقون ولا يحتملون، وفي رواية إسحاق: ”وتدنوا الشمس من رؤوسهم، فيشتد عليهم حَرُّهَا، ويشُقُّ عليهم دُنُوُّها، فينطلقون من الضَّجَرِ والجَزَعِ مما هم فيه.“ [مسند إسحاق بن راهويه: 154]. وفي صحيح مسلم: ”فيقوم المؤمنون حتى تُزَلَفَ لهُم الجَنّة فيَأتُونَ آدم.“ [رواه مسلم: 195].
ثلاث فزعات قبل الذهاب لادم : وفي الترمذي: ”فيَفْزَعُ الناس ثلاثَ فَزعَات فيأتون آدم“ [رواه الترمذي: 3148]. قال القرطبي في الثلاث الفزعات هذه: ”كأن ذلك يقع إذا جيء بجهنم فإذا زفرت فزع الناس حينئذ وجثوا على ركبهم“ [فتح الباري: 11/433]. إذا زفرت سمعوا لها تغيظاً وزفيرا، جثوا على ركبهم من هول الموقف، فقد اجتمع على أهل الموقف ١- كرب القيامة وشدته، ٢- ودنو الشمس من الرؤوس ثم يزيد الأمر ٣- تقريب جهنم إلى الكفار والفجار، وتقريب الجنة للمتقين؛ فالمؤمنين يريدون أيضاً الخلاص من الموقف؛ لأنهم يشتاقون الآن إلى الجنة، حتى لو كانوا في الظل فيريدون انتهاء الموقف هذا حتى وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء: 90]، شوقاً إليها، وأما الجحيم فقد قال الله تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ [الشعراء: 91]، قال في الحديث: فيقول الناس: ”ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟“، وفي الصحيحين من حديث أنس: يقولون: ”لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا“ [رواه البخاري: 6565، ومسلم: 193]، وفي حديث ابن مسعود عند ابن حبان: ”إن الرجل لَيْلَجِّمُهُ العَرَقُ يوم القيامة حتى يقول: يا رب ارحني ولو إلى النار“ [صحيح ابن حبان: 7335، وضعفها الألباني السلسلة الضعيفة: 3042]، لكن هذه الرواية فيها ضعف، لكن بعض العلماء ذكر هذا قال: ”إن الكفار يتمنون في ذلك الموقف أن ينفكوا ولو إلى النار“.
أدم ﷺ : فيقول بعض الناس لبعض ”عليكم بآدم“ فيأتون آدم عليه فيقولون له: ”يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا، وأسكنك الجنة، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا“، وجاء في المسند: ”اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا“ [رواه أحمد: 2546]. وفي رواية لمسلم: فيقولون: ”يا أبانا استفتح لنا الجنة“ [رواه مسلم: 195].
اختلاف طلب الناس من ادم باختلاف حالهم : فبعض الناس يسألون الفكاك من الموقف، وبعضهم يقولون: ”استفتح لنا الجنة“، فلعل ذلك باختلاف أحوال الناس، فالمؤمنون إذا رأوا الجنة أُزلفت اشتاقوا إليها فيكون همهم الآن الانتهاء من هذا الموقف لكي يدخلوها، والناس الآخرين يعني همهم الآن فك الموقف هذا، الشدة ولو بإفنائهم وأن يكونوا تراباً، ولو بأن يُقضى عليهم، لكن هيهات. ففي المسند عن أنس قال: حدثني نبي الله ﷺ: ”إني لقائم انتظر أمتي تعبر على الصراط إذ جاءني عيسى فقال: هذه الأنبياء قد جاءَتْكَ يا محمد يسألون - أو قال: يجتمعون إليك-، ويدعون الله ﷻ أن يُفَرّقَ جَمْعَ الأمم إلى حيث يشاء الله لغَمِّ مَا هُم فيه، والخَلْقُ مُلْجَمُونَ في العَرَق، وأمّا المؤمن فهو عليه كالزّكْمَة وأما الكافر فيَتَغَشّاهُ الموت“ [رواه أحمد: 12847، وصححه الألباني صحيح الترغيب: 3639]. يعني: ذلك الموقف الشديد الذي ذكرناه ووصفناه الآن على المؤمن كالزكمة، والكافر كأنما يتغشاه الموت.
فيقول آدم: ”إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فَعَصَيْتُهُ نَفسي نَفسي نَفسي“. وفي رواية لمسلم: ”وهل أخْرَجَكُم من الجنة إلا خطِيْئَةُ أبيكم آدم؟ ”[رواه مسلم: 195]، وفي الصحيحين: ”ويذكر ذنبه فيستحي من ربه“، وفيه أيضاً: ”لستُ هناكٌم“ [رواه البخاري: 4476، ومسلم: 193]، كناية أن منزلته دون المنزلة المطلوبة، فيقول ذلك تواضعاً لله، وإكباراً لما يسألونه، ”اذهبوا إلى نوح“،
نوح ﷺ : نوح ﷺ يقولون له: ”أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض“، وآدم يقول لهم: ”اذهبوا إلى أبيكم بعد أبيكم نوح“؛ لأن كل البشرية بعد نوح من ذرية نوح، يعني: الذين كانوا مع نوح ما عاش لهم ذرية؛ لأن الله قال: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات: 77]. فنوح أبو البشرية الثاني، ولذلك آدم لما يَصْرِفُهُم عنه يقول: ”اذهبوا إلى أبيكم بعد أبيكم - اي نوح -، أيْتُوا عَبْداً شَاكِراً “ [رواه أحمد: 15، وحسنه الألباني صحيح الترغيب: 3641]، لأن الله أخبر عن شكره لربه؛ فقال الله ﷻ عن نوح: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: 3].
اول نبي واول رسول : ونوح أول الرسل وآدم أول نبي؛ لأنه ما حصل شرك قبل نوح، حصل الشرك في قوم نوح، فكان أول رسول من الله للبشرية لإنقاذهم من الشرك الذي وقعوا فيه هو نوح ﷺ، فآدم أرسل إلى بنيه أما نوح أرسل إلى أهل الأرض في ذلك الوقت الذين وقعوا في الشرك، وكان قبله عشرة قرون كلهم على التوحيد، كما قال ابن عباس رضي الله عنه : ”كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد“. [مستدرك الحاكم:3654، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة:3289]، ثم حدث الشرك أول شرك وانحراف في البشرية في قوم نوح، فأرسل الله إليهم أول رسول وهو نوح ﷺ، ورسالة آدم كانت إلى بنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته، يعني: حتى الأخ الذي قتل آخاه من ابني آدم كان موحداً، ونوح كانت رسالته إلى قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد.
فلما يأتون إلى نوح ويقولون: ”يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً اشفع لنا إلى ربك“، فنوح يقول كما قال آدم: ”قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي“، الدعوة التي دعاها على قومه صحيحة، والله ﷻ أخبره أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فإذا دعا على الباقين، فدعائه عليهم صحيح: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: 26]، وهو يرى بعينيه عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً فيهم ما يخرج جيل إلا هو أسوء من الجيل الذي قبله، ولذلك قال: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: 27]، فلماذا اعتبرها هكذا؟ لان نوح يخشى أن الدعوة كانت المستجابة، قد حصلت لهم بسببها، وأن دعوته ذهبت في قومه، واستوفاها بدعائه عليهم.
ابراهيم : عندما يأتون إبراهيم ويقولون: ”يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا عند ربك“، ويقول لهم: ”إني كذبت ثلاث كذبات“. فيقول: ”اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى بن مريم“.
هل كذب ابراهيم ﷺ : الكذبة في اللغة: أن تقول ما لا يعتقده السامع، ولكن إذا حَققتَ ما فعله إبراهيم ﷺ وجدنا أنها من المعاريض وهو معذور فيها تماماً، والكذبات الثلاثة هي ١- قوله عن الأصنام ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]، ٢- قوله بعد أن كسر الأصنام ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: 63]، ٣- قوله عن سارة لما دخل أرض الجبار فقال: «هي أختي» (أي أختي في الإسلام، روى البخاري (2217) عن ابي هريرة قال ﷺ : ”بينما هو وسارة، دخل أرض جبار من الجبابرة (قيل هو الملك الذي كان بمصر قبل فرعون موسى. قال ابن كثير في البداية والنهاية (1/163))، ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم على وجه الأرض مؤمنًا غيري وغيرك“، قال النووي في شرح مسلم: اتفق العلماء على أنه لا يجوز الكذب إلا في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته. وأما هذه الثلاث من إبراهيم فهي تأويلات صحيحة، لا يُؤاخذ بها.
موسى ﷺ : يأتون موسى فيطلبون منه، فيقول: ”قتلت نفساً لم أؤمَر بقَتلِها، وفي رواية لمسلم: ويذكر خطيئته التي أصاب فيَسْتَحْيِّيْ ربَهُ منها“ [رواه مسلم: 195].
عيسى ﷺ: وعيسى لا يذكر ذنباً، لكنه يقول أيضاً كما ورد في المسند : ”إنه لا يهمني اليوم إلا نفسي“، ثم يقول عيسى لهم: ”أرأيتم لو كان مَتَاعٌ في وعاء قد خُتم عليه، أكان يُقدَرُ على ما في الوعاء حتى يُفَضَّ الخَاتَم ؟ - اي هل يمكن ان تخرج من داخل الوعاء بدون أن تكسر الختم ؟ قالوا: ”لا“، فيقول: ”إن محمداً ﷺ خاتم النبيين قد حَضَرَ اليوم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر“ [الحديث في مسند أحمد 2546 قال محققوه طبعة دار الرسالة: حسن لغيره]. يقول الحافظ -رحمه الله-: ”ويستفاد من قول عيسى في حق نبينا ﷺ هذا ومن قول موسى فيما تقدم إني قتلت نفساً بغير نفسي وإني إن يُغفر لي اليوم حسبي، - اي حسبي أن يغفر لي النفس التي قتلتها، مع أنه قتل كافراً، لكن هذا من خشية الأنبياء لربهم، وعلما ان الله ﷻ غفر له ما حصل منه، وموسى مع وقوع المغفرة لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة، ورأى في نفسه تقصيراً في مقام الشفاعة - أما النبي ﷺ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولذلك معناه في حق نبينا أن عنده خبر من الله أن الله لن يؤاخذه بذنب لو وقع منه“ [فتح الباري: 11/436].
محمد ﷺ: يأتون محمداً ﷺ يقولون: ”أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك“، وفي رواية أنس في المسند عن النبي ﷺ: ”إني لقائم انتظر أمتي تعبر الصراط إذ جاءني عيسى، فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون - أو قال : يجتمعون إليك - ويدعون الله ﷻ أن يُفَرِّقَ مع الأمم إلى حيث يشاء الله - يعني: إلى الجنة أو إلى النار ونخلص من الموقف -، قال لعيسى : ”انتظر حتى أرجع إليك“، فذهب نبينا ﷺ حتى قام تحت العرش، فلقي ما لم يلقى ملك مصطفى ولا نبي مرسل فأوحى الله ﷻ إلى جبريل اذهب إلى محمد فقل له: ارفع رأسك وسل تعطه“ ،،، الحديث [رواه أحمد: 12847 والحديث صححه الألباني، صحيح الترغيب: 3639]، هذا الحديث في مسند أحمد يبين أن النبي ﷺ عندما تكون المداولات في قضية من الذي يشفع، ويذكر الواحد والثاني من الأنبياء يكون هو عند الصراط، يكون أصلاً ينتظر أمته لكي تأتي تعبر الصراط، وتقع المداولات بين الأمم والأنبياء، ثم يذهب عيسى إلى مكان النبي ﷺ ليقول له: ”الناس والأنبياء كلهم يطلبون منك الناس والأنبياء“، فيقول: ”انتظر“، ثم يذهب تحت العرش يسجد يستأذن على ربه، فيأذن له فيسجد تحت العرش، ثم يؤذن له بالشفاعة.
وفي صحيح مسلم عن أُبي بن كعب عن النبي ﷺ قال له: ”يا أُبي، أُرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين، إلى أن قال: اقرأه على سبعة احرف، فلك بكل ردة رَدَدْتُكَهَا مسألةٌ تَسْأَلُنِيْهَا، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرتُ الثالثة ليوم يَرغَبُ إليّ الخَلقُ كُلُّهُم حتى إبراهيم ﷺ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي ﷻ ،،، الحديث [رواه مسلم: 820]، حتى إبراهيم يطلب من محمد ﷺ، والحديث هذا فيه تفضيل محمد ﷺ على جميع الخلق؛ لأن الرسل والأنبياء والملائكة كُلُّهُم ما أحد نال هذا المقام، وكذلك فيه تفضيل أولوا العزم من الرسل هؤلاء مع آدم ﷺ؛ لأن الناس يفزعون إليهم دون غيرهم.
فائدة : في الحديث أن من طلب من كبير أمراً مهماً أن يقدم بين يدي سؤاله وصف المسئول بأحسن صفاته، وأشرف مزاياه، يعني: سواء طلب الناس من الأنبياء لما يقولون: يا آدم أنت أبو البشر قد خلقك الله بيده، نوح يقولون: أنت أول رسل أهل الأرض، إبراهيم أنت خليل الله، موسى أنت كليم الله، وعيسى، فيذكرون مناقب ومنزلة كل واحد قبل ما يطلب منهم، وهذا طبعاً مع الله ﷻ أوكد وأوجب، أن يُسأل الله بأسمائه وصفاته.
فلعل الله -تعالى- جعلهم يترددون من نبي إلى نبي لإظهار فضل نبينا ﷺ في النهاية، وقد كان بالإمكان أن يذهبوا إلى محمد ﷺ مباشرة، لكن الله يجعل الناس يوم القيامة يُفكرون أول شيء في آدم، ثم آدم يردهم إلى من بعده إلى من بعده حتى يظهر فضله عليه الصلاة والسلام على سائر الناس.
تعجيل الحساب، وفك الناس من الموقف هذا مكسب عظيم يناله الناس بالشفاعة، وأما رواية المسند حديث: ”إني لقائم أنتظر أمتي تعبر على الصراط إذا جاءني عيسى“. [رواه أحمد: 12824] قال ابن حجر -رحمه الله-: ”أفادت هذه الرواية تعيين موقف النبي ﷺ حينئذ، وأن هذا الذي وصف من كلام أهل الموقف كله يقع عند نَصْبِ الصراط بعد تساقط الكفار في النار“ [فتح الباري: 11/436].
فقد وقعت شفاعته في إدخال المؤمنين الجنة ايضا، كما في آخر الحديث المذكور، وإخراج من كان منهم في النار، كما في الصحيحين، ”فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلا من حسبه القرآن ووجب عليه الخلود“. يقول ﷺ: ”ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، ومن كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، ومن كان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، ومن كان في قلبه من الخير ما يزن ذرة“. [رواه البخاري: 7410]، وهؤلاء آخر الناس خروجاً من النار من الموحدين، قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79) قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ [رواه البخاري: 7440].
- وفي الترمذي والمسند عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا، سأل عنها؟ قال: هي الشفاعة [رواه الترمذي: 3137، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2639]. وكذلك جاء في المسند عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: المقام المحمود الشفاعة [رواه أحمد: 10203، وحسنه الألباني السلسلة الصحيحة: 2369]، وهو حديث صحيح، وقال الصَرْصَرِي -رحمه الله-:
وذلك يوم فيه نور نبينا لرفع لواء الحَمدِ يَعلو ويَسْطُعُ
ويظهر فيه جاهه بشفاعةٍ إليها بكرب الموقف الخَلقُ يُهرعُ
[ذيل مرآة الزمان لليونيني: 1/116].
تنبيه : وقد نبه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- على حديث رواه النسائي بإسناد صحيح عن حذيفة قال: ”يجتمع الناس في صعيد واحد، فأول مدعو محمد، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، المهدي من هديت، عبدك وابن عبديك، وبك وإليك، ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، فهذا قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [سنن النسائي الكبرى: 11294]، والحديث صححه الحاكم [المستدرك: 3384]، ولا منافاة بنيه وبين حديث ابن عمر في باب الشفاعة؛ لأن هذا الكلام كأنه مقدمة للشفاعة. [فتح الباري: 8/400].
- روى الترمذي وأحمد عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قال رسول الله ﷺ: ”أتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً“ [رواه الترمذي:2441، صححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 56]. الحديث هذا فيه أن النبي ﷺ خُيَّر بين أن يدخل الله نصف أمته الجنة وبين الشفاعة، فاختار الشفاعة، معنى ذلك أن الشفاعة تُعطي نتيجة بالنسبة لهذه الأمة في دخولهم الجنة أكثر من النصف، ولذلك اختارها، وقوله: ”أتاني آت من عند ربي“، يعني: أتاني ملك ”من عند ربي“ برسالة من الله، ”أن يدخل نصف أمتي“ المقصود بها أمة الإجابة.
امة محمد ﷺ تنقسم الى قسمين باعتبار أنه أرسل إليهم : أمة دعوة، وأمة إجابة. فأمة محمد ﷺ أمة الدعوة، اي كل من أرسل إليهم من الجن والإنس وأهل الكتاب والمشركين، كل الناس، من يوم أن بُعث إلى آخر الزمان، كل البشر والجن والانس الذين وجودوا من يوم أن بُعث إلى قيام الساعة، هؤلاء البشر كلهم صينيهم، وأوربيهم، وأمريكيهم، وأفريقيهم، كلهم أمة محمد ﷺ، باعتبار أنه أرسل إليهم، فهؤلاء أمة الدعوة، طبعاً أمة الدعوة هذه كثير منهم سيخلدون في النار؛ لأنهم كذبوا به، وعصوه ولم يسلموا وهو في قوله ﷺ ”ممن حبسهم القرآن“. وأمة الإجابة الذين آمنوا بمحمد ﷺ، فهم الذين آمنوا بمحمد ﷺ، ومنهم المطيع، ومنهم العاصي، ومنهم صاحب الكبائر، ومنهم أصحاب الصغائر، ومصرين على الذنوب، لكن آمنوا بمحمد ﷺ فهؤلاء أمة الإجابة شفاعته لهم.
فقوله ﷺ : ”أتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة“، قصد بالأمة أمة الإجابة، قال في الحديث عن الشفاعة: ”وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً“. - وفي رواية للبخاري عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: ”أتاني آت من ربي فأخبرني - أو قال: بشرني -أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: ”وإن زنى وإن سرق؟“ قال: وإن زنى وإن سرق“ [رواه البخاري: 1237، ومسلم: 94]. وهنا يدخل الجنة لا يعني أنه لا يدخل قبلها النار، فقد يدخل قبلها النار فيُعذب ما شاء الله، ثم يدخل الجنة.
واختيار النبي ﷺ للشفاعة يدل على أن مقام الشفاعة أنفع للأمة وأوسع، وأن الله يمنُّ على هذه الأمة بشفاعة نبيهم ﷺ فيدخل منهم الجنة ببركة هذه الشفاعة أكثر من نصف الأمة، ورحمته سبقت غضبه.
- وقد روى الإمام أحمد عن أبي موسى رضي الله عنه قال: ”غزونا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فعَرَّسَ بنا - يعني: نزل بنا للراحة والنوم - رسول الله ﷺ فانتهيت بعض الليل إلى مُنَاخِ رسول الله ﷺ - اي الموضع الذي أناخ فيه ناقته، أي المكان الذي بركت فيه الناقة - أطلبه فلم أجده، قال: فخرجت بَارِزَاً أطلُبُهُ - أي خرجت إلى الصحراء أو العراء، مكشوفًا بلا سترٍ من بيوت أو أشجار -، وإذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يطلب ما أطلب، فبينا نحن كذلك إذا اتجه إلينا رسول الله ﷺ فقلنا: ”يا رسول الله! أنت بأرض حرب، ولا نأمن عليك، فلولا إذا بَدَت لك الحاجة قُلتَ لبعض أصحابك فقام معك“ - يعني: مرافق، فأنت الآن في مكان خطير- فقال رسول الله ﷺ: ”إني سمعتُ هَزيزاً كهزيز الرَّحَى، أو حَنيناً كحنينِ النحل، وأتاني آتٍ من ربي عز وجل، فخيَّرَنَي أن يَدْخُلَ شطر أمتي الجنة وبين شفاعتي لهم، فاخترت شفاعتي لهم، وعلمت أنها أوسع لهم، فخيرني بأن يُدخل ثلث أمتي الجنة وبين الشفاعة لهم، فاخترت لهم شفاعتي، وعلمت أنها أوسع لهم“، فقال: ”يا رسول الله! اُدع الله -تعالى- أن يجعلنا من أهل شفاعتك“، فدعا لهم، ثم إنهما نبها أصحاب رسول الله ﷺ وأخبروهم بقول رسول الله ﷺ - يعني ألحقوا في دعوة عظيمة، أكسبوا دعوة أن تكونوا من أهل شفاعته، والصحابة يحبون الخير بعضهم لبعض، وما يقول واحد: خلاص أخذنا هذا والناس كلهم في ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً، هذا شعار جهلاء الأعراب؛ فالصحابة يحب الخير لبعضهم البعض، ولذلك ذهبوا يخبروهم - فبدأ الناس يأتونه، جعلوا يأتون النبي ﷺ ويقولون: يا رسول الله، ادعوا الله تعالى أن يجعلنا من شفاعتك، فيدعو لهم، فلما أضب عليه القوم –كثروا- قال رسول الله ﷺ: ”إنها لمن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله“ [رواه أحمد: 19739 والحديث له شواهد، وأصله ثابت من حديث أبو موسى وصححه الألباني في الجامع الصغير: 3335]. فالشفاعة لأهل التوحيد حَق، يعني: كل مسلم ما عنده شرك موحد، وهذا من فضل التوحيد، وأن الإنسان ينقي نفسه من أنواع الشرك الخفي الأكبر الأصغر ينقي نفسه من الشرك تماماً حتى يكون من الذين تنالهم الشفاعة. وإنما كان اختيار الشفاعة أنفع للأمة؛ لأنها تنال كل من مات على التوحيد من أمته ﷺ، وهذا أكثر من نصف الأمة والحمد لله.
هناك اشكال : ان أول الحديث وارد في استشفاع أهل الموقف لإراحتهم من هوله وكربه، ولذلك فإن القضية الآن فيها إشكال، هل هذا بعد ما تساقط الكفار في النار ؟ أو أن هذا الطلب عيسى يذهب إليه عند الصراط يطلب منه لأجل الناس كلهم الذين في أرض المحشر؟
أجاب العلماء بإجابات: فمنها: أشاروا للحديث الذي في صحيح مسلم بعد قوله: ”فيأتون محمداً فيقوم ويؤذن له، - يعني في الشفاعة - وتُرسل الأمانة والرحم فيقومان جنبي الصراط يميناً وشمالاً أولكم كالبرق“ ،،، الحديث [رواه مسلم: 195]، قال عياض -رحمه الله-: ”فبهذا يتصل الكلام؛ لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها هي الإراحة من كرب الموقف، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج“.
فإذاً هنا شفاعتان :
١- شفاعة لإنهاء كرب الموقف. ٢- وشفاعة لإخراج عصاة الموحدين من النار الذين دخلوها بذنوبهم.
قال القاضي : ”فكان الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد هو أول فصل القضاء والإراحة من كرب الموقف“، ثم قال: ”وبهذا تجتمع متون الأحاديث وتترتب معانيها“، قال ابن حجر: ”فظهر منه أنه ﷺ أول ما يشفع ليقضى بين الخلق، وأن الشفاعة فيمن يخرج من النار بعد أن سقط تقع بعد ذلك“. [فتح الباري: 11/438].
وقد وقع صريحاً في البخاري من حديث ابن عمر: ”إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأُذُنِ، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ ،،،“، وفي طريق عبد الله بن صالح: ”فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم“ [رواه البخاري: 1475].
تسلسل الاحداث كاملا للان :
١- أولاً الناس في كربات القيامة، وفي الزحام، والعرق، والشدة، فتكون الشفاعة لإنهاء هذا الموقف العصيب الذي يستمر كما قال البعض أربعين سنة، بعد ذلك ماذا سيحدث؟
٢- يقال: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع الذين يعبدون الشمس الشمس، ويتبع الذين يعبدون القمر القمر، ويتبع الذين يعبدون الصليب الصليب، يقعون كلهم في النار هم ومعبوداتهم إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: 98]. ٣- ثم ينصب الصراط على متن جهنم، ويقال للأمم أعبروا، عند العبور يكون هناك تمييز بين المنافقين والمؤمنين.
٤- فيؤخذ المنافقين ليقعوا في النار بخدعة - وسيأتي الكلام عليها ان شاء الله -، يخدع الله بها المنافقين يوم القيامة، ويتساقطون في النار مع الكفار.
٥- ثم يعبر الموحدون الصراط على جهنم، فيتساقط من الصراط من يتساقط من أصحاب الكبائر، والمصرين، والعصاة المذنبين الذين لم يشأ الله لهم السلامة من النار فيقعون، وينجو من ينجو من النار، فهنا يكون الطلب على شفاعة ثانية، وهي إخراج من وقع في النار :
٦- فتكون القضية الطلب الآن يكون من النبي ﷺ بأن يُخرج من وقع في النار من عصاة الموحدين، فهذه الشفاعة الأخرى، الآن إذاً سنرتب الشفاعة.
لقد تضمنت النصوص الشرعية الواردة في القرآن والسنة عدة شفاعات للنبي ﷺ، وأيضاً لغيره من الشفعاء.
النوع الاول: لأهل الموقف بأن يقضي الله بينهم ويريحهم من كربه، وقد مر معنا ذلك، ومرت أهل الموقف والأنبياء.
النوع الثاني: الشفاعة في قوم من أمته ﷺ أن يدخلوا الجنة بغير حساب، وجاء في حديث أبي هريرة السابق: فيقال: ”يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب“، وحديث عُكّاشَة بن مِحْصَنْ رضي الله عنه في هذا معروف، وقد جاء عند أحمد والترمذي وابن ماجه حديث أبي أُمامه عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: ”وعدني ربي ﷻ أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً بغير حساب مع كل ألف سبعون ألفاً“ [رواه الترمذي: 2437، وابن ماجه: 4286 ، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة:2179]، هذه مزيد من الإكرام، وزيادة من الله وفضل مع كل ألف من السبعين ألف سبعون ألفاً، فإذا أردنا العدد سنضرب سبعين ألف في سبعين ونزيد عليهم السبعين ألف الأولى (٤،٩٧٠،٠٠٠)، هذا إذا أردنا أن نعرف عدد الذين يدخلون الجنة بغير حساب على هذه الحسبة، وإلا منهم من قال أن فضل الله واسع، وأن هذه الأرقام لبيان فضل الله، والدليل على أن هناك زيادة على هذا، هذا حديث يبين فضل الله العظيم، الله ﷻ كريم رحيم، قال: ”وعدني أن يدخل من أمتي سبعين ألفاً الجنة بلا حساب، ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي ﷻ“، (كل حثية كم فيها؟ الله اعلم) [الحديث رواه الترمذي 2437 وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير:2430]، وهذا ببركة شفاعة النبي ﷺ، والدليل ما جاء عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ”سألت الله ﷻ الشفاعة لأمتي، فقال لي: لك سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فقلت: يا الله زدني؟ فقال: فإن لك هكذا فحثى بين يديه وعن يمينه وعن شماله“ (يعني: ثلاث حثيات من حثيات ربي) [شرح السنة للبغوي 15/ 164، وصححه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1879، رواه البغوي، قال ابن حجر: وإسناده جيد]، فكيف فضل الله وكرمه -سبحانه-، نسأل الله أن يجعلنا في هؤلاء.
قال ابن تيمية -رحمه الله-: ”وهاتان الشفاعتان خاصتان له للنبي ﷺ“ [العقيدة الواسطية:20]، اي ١- الشفاعة في الموقف لإنهاء كرب الموقف، ٢- ودخول ناس الجنة بلا حساب.
إذن المقام المحمود
١- الشفاعة في فك شدة الموقف هذه واحد، ٢- إدخال ناس الجنة بلا حساب، هاتان الشفاعتان خاصتان بالنبي ﷺ؛ لأن شفاعة إخراج ناس من عصاة الموحدين من النار يدخل فيها بقية الأنبياء يشفعون والملائكة والمؤمنون يشفعون، يناشدون الله يقولون: ”ربنا إخواننا كانوا معنا في الدنيا ويصلون معنا“ [رواه أحمد: 11096، وقال محققو المسند: أسناده حسن] والآن وقعوا في النار، فالله يخرجهم من أجلهم، فشفاعة إخراج موحدين من النار فيها يشترك فيها ناس غير النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكن شفاعة الموقف الشفاعة العظمى وإدخال ناس الجنة بلا حساب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هاتان الشفاعتان خاصتان بالنبي ﷺ".
النوع الثالث: شفاعته ﷺ في فتح باب الجنة لأهلها، في رواية مسلم في حديث الشفاعة الطويل قال رسول الله ﷺ: ”يجمع الله -تبارك وتعالى- الناس فيقوم المؤمنون حتى تُزْلَفَ لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون : يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئةُ أبيكم آدم؟، لست بصاحب ذلك“ [رواه مسلم: 195]، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: ”أنا أكثر الأنبياء تَبَعَاً يوم القيامة - أكثر أمة تابعت نبيها أمة محمد ﷺ - قال: وأنا أول من يقرع باب الجنة“ [رواه مسلم: 196]، وفي صحيح مسلم عن أنس أيضاً: قال ﷺ: ”آتي باب الجنة يوم القيامة فاستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا افتح لأحد قبلك“ [رواه مسلم: 197].
النوع الرابع: شفاعة النبي ﷺ في أقوام من المؤمنين في زيادة ثوابهم ورفع درجاتهم عما كان يقتضيه ثواب أعمالهم، فيزادون من أجله، قال ابن القيم -رحمه الله-: ”وهذا قد يُستدل له بدعاء النبي ﷺ لأبي سلمه وقوله: اللهم اغفر لأبي سلمه، وارفع درجته في المهديين [رواه مسلم: 920]، وكذلك في قصة أبي موسى لما أخبر النبي ﷺ باستشهاد أبي عامر عمه، - أبو عامر عم أبي موسى، قتله أحد الكفار أصابه بسهم فمات منه -، فقال ﷺ لما بلغه الخبر: ”اللهم اغفر لعبيدٍ أبي عامر، اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك“ [حاشية ابن القيم على سنن أبي داود: 13/56]، فلما رأى أبو موسى الأدعية هذه ”قال: يا رسول الله ولي ولي فاستغفر، قال: ”اللهم اغفر لعبد الله بن قيس - وهذا اسم أبي موسى الأشعري - اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مُدخلاً كريماً“ [رواه البخاري: 4323، ومسلم: 2498] ، اذن هذه الأدعية مما يُستأنس به في قضية أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يشفع لقوم أن يزادوا فوق حسناتهم وأن يُرفعوا فوق درجاتهم. قال ابن القيم -رحمه الله-: ”ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس، أحدهما في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها"، يعني: قبل أن يدخلوها يشفع لهم أن لا يدخلوها، فيشفع لهم أن لا يدخلوها، هذه واحدة، "والثانية شفاعته ﷺ لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ورفعة الدرجات وقد مضى قبل قليل" [حاشية ابن القيم على سنن أبي داود: 13/55].
النوع الخامس : (فيه نظر)
وقد ذكر بعض العلماء هذا النوع من الشفاعة : ان للنبي ﷺ في قوم استوجبوا النار فشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهذا قد جاء في حديث لكن في سنده شيء؛ ولذلك فإن الأمر فيه مُحْتَمِل أن يكون كذلك، فورد في حديث عن عبد الله بن الحارث رواه ابن أبي الدنيا، أن النبي ﷺ يرى قوماً، قال: ويبقى قوم فيدخلون النار فيُعَيّرُهُم أهل النار فيقولون: أنتم كنتم تعبدون الله ولا تشركون به شيئاً أدخلكم النار فيبعث الله مَلَك بِكَفٍّ من ماء، فينضح بها في النار ويغبطهم أهل النار، ثم يخرجون ويدخلون الجنة، فيقال لهم: انطلقوا ويسمون المحررين [النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير: 1/493، وقال الشيخ مقبل: "يحتمل أن يكون عبدالله ابن الحارث سمعه من أبي هريرة، ويحتمل أن يكون أرسله، والله أعلم" الشفاعة للوادعي: 1/95]، وطبعاً هذا الحديث قلنا في ثبوته شيء، ولذلك من جهة الشفاعة لقوم استوجبوا النار أن لا يدخلوها، تبقى المسألة فيها احتمال.
النوع السادس : من هم الجهنميين؟ ثبت أن ناس دخلوا النار فيشفع لهم ليخرجوا منها هذا ثابت، والنبي ﷺ قال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي [رواه أبو داود: 4739، وصححه الألباني صحيح الترغيب: 3649]، فالحديث هذا لوضع السيئات، والعفو عن الكبائر، والشفاعة التي تنجي الهالكين مختصة بأهل الكبائر، فالشفاعة التي تكون للنبي ﷺ في إخراج من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، لناس احترقوا في النار وامتحشوا فيها، قد جاء الحديث: يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين [رواه البخاري: 6566]، وقد جاء في المسند: ويكتب بين أعينهم هؤلاء عتقاء الله ﷻ فيُذْهَبُ بهم، فيدخلون الجنة فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار ﷻ. [رواه أحمد: 12491، قال الألباني في تخريج السنة: صحيح لغيره 844]، فالذين خرجوا من النار بعد ما احترقوا فيها ما شاء الله ثم خرجوا، وتغيرت هيئتهم وبدلت جلودهم، ورجعوا إلى الحياة وأدخلوا الجنة، ويسمون بالجهنميين ورد حديث في تغيير اسمهم، قال الحافظ: "وفي حديث حذيفة عند البيهقي في البحث من رواية حماد بن أبي سليمان عن ربعي عنه يقال لهم الجهنميين: "فذكر لي أنهم استعفوا الله من ذلك الاسم فأعفاهم" [فتح الباري: 11/430]، يعني: بعد ما يدخلون الجنة، ويقال أهل الجنة يعرفونهم يقولون: هؤلاء الجهنميون، لأنهم كانوا في جهنم ثم خرجوا، فيزيل الله عنهم هذا الاسم ليزدادوا بذلك نعيماً، وحتى لا يخدش فيهم شيء، خلاص الآن دخلوا الجنة، فحتى الاسم لا ينالهم منه شيء.
وجاء في البخاري من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: ”يُحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، - وذكر فيه الحديث - ثم قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي ثم أشفع فيحد لي حداً فأَخْرُجُ فأُخْرِجُهُم من النار وأدخلهم الجنة، - فهذا بيان أنه ﷺ له هذه الشفاعة، وهي إخراج ناس من النار وإدخالهم الجنة- ، ثم قال ﷺ : ثم أعود الثانية فاستأذن فيحد لي حداً فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة ثم أشفع فيحد لي حداً فأخرج فأدخلهم الجنة .. هكذا قال: حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن“. [رواه البخاري: 7439]، يعني: وجب عليه الخلود لكفره وشركه؛ لأن المشرك والكافر لا تنفعه شفاعة محمد ﷺ ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، ولا شفاعة أي أحد، الذي في قلبه مثقال ذرة من إيمان يخرج في النهاية، لكن الذي ليس في قلبه إيمان والمشرك والكافر هذا لا يستفيد شيئاً.
النوع السابع : طبعاً ورد أن النبي ﷺ أيضاً من خصائصه بدعوته يخفف عن عمه أبي طالب في النار، فأبو طالب مشرك ومات على الشرك من أجل النبي -عليه الصلاة والسلام- ”يُجعل في ضحضاح من النار“ [رواه البخاري: 3885]، يعني: فقط له شراكان من النار، اي نعلين من نار، ضحضاح من النار، فكيف بمن تغطيه؟ هذا ”يغلي منهما دماغه“، فإذن: خُفف عن أبي طالب في النار وهو مخلد فيها ولن يخرج من النار؛ لأنه مشرك ومات على الشرك، والتخفيف بسبب محمد ﷺ، نسأل الله أن يجعلنا من أهل شفاعته، وأن يوردنا حوضه، وأن يجمعنا به في جنات النعيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.