تفسير سورة الانفطار
تفسير سورة الانفطار
اسمع التفسير هنا
هذه السورة سورة الانفطار، عدد اياتها ١٩ آية، وهي سورة مكية، قال ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، و إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، و إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [قال الترمذي: “حديث حسن صحيح”. وصححه الألباني في صحيح الجامع (6384)]، والانفطار، تذكر تفطّر السماء وبعثرة القبور :
﷽
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴿1﴾ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴿2﴾ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴿3﴾ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴿4﴾ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴿5﴾ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴿6﴾ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴿7﴾ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴿8﴾ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴿9﴾ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿10﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿11﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴿12﴾
” إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ “ : انفطرت اي انشقت، تفطر الشيء اي تشقق.
” وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ “ : انتثرت في السماء.
” وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ “ : واذا البحار فُجِّرَت ثم سُجِّرَت (وفي رواية سُجِرَت)، قد جاء سورة النساء سُجِّرَت اي اشتعلت نارا، فهي هنا فجرت ثم اشتعلت نارا.
” وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ “ : اي حُفِرَتْ واخرج ما فيها.
” عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ “ : فكل نفس - نكرة في السايق تفيد العموم - فتشمل كل نفس، علمت نفس ما قدمت واخرت، اي ما قدمت في دنياها، وما اخرت لاخرتها.
” يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ “ : وهذا فيه تهديد من الله ﷻ، فهل اغرك كرمه؟ اغرك امهاله؟ اغرتك رحمته؟ نسيت انه شديد العذاب؟ نسيت انه قوي عزيز؟ فما غرك بربك الكريم ؟ لماذا امتنعت ؟ والانسان في الجملة وغالبا اذا ذكر مفردا في كتاب الله ﷻ كان للذم، فما غرك بربك الكريم ؟
” الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ “ : اي اليس هو الذي خلقك ؟ اليس هو الذي سواك بهذه الخلقة؟ اليس هو الذي عَدَلَك وفي رواية عدَّلك ؟ فعدل قوامك بخلاف الحيوانات وغيرها.
” فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ “ : وعلى كثره الخلق لا يوجد اثنان مئه بالمئة ابدا، حتى بالبصمة، وذلك لكمال علمه ﷻ.
” كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ “ : كلا اي ليس الامر كذلك، بل انتم تكذبون بالدين، وهذا خطاب للكفار انهم يكذبون بدين الله تبارك وتعالى وما جاء به المرسلون.
” وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ “ : كما قال سبحانه وتعالى ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد وهؤلاء هم الملائكة، وان عليكم لحافظين اي من الملائكة، وصفة الملائكة :
” كِرَامًا كَاتِبِينَ “ : كرما صفة الملائكة عليهم السلام، كاتبين لما تقولون، واختلف اهل العلم ماذا تكتب الملائكة ؟ هل تكتب ما فيه اجر او وزر، او تكتب كل شيء ؟ فبعض اهل العلم قال : تكتب ما فيه اجر ووزر فقط، وبعض اهل قال : تكتب كل شيء، ولكن لا يحاسب الانسان يوم القيامة الا على ما كان فيه اجر او كان فيه وزر، لكن تكتب كل شيء، واذا قال سبحانه ما يلفظ من قول اي قول، الا لديه رقيب عتيد.
” يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ “ : اي لا تغيب عنه افعالكم؛ وذلك ان الله وكل واحد ملكين معه يكتبان اعماله عن اليمين وعن الشمال، وهنا سؤال : هل الملائكة مطلعة على النوايا ؟ قال شيخ الاسلام ابن تيمية: قال في مجموع الفتاوى (7/520): “الملائكة إنما يكتبون ما يقوله العبد ويعمله، وأما ما في نفسه من النية فالله يعلمه، وهو الذي يأمر بكتابة ما همّ به من حسنة أو سيئة.” وقال ابن حجر العسقلاني: قال في فتح الباري (11/329): “الملائكة لا يطّلعون على ما في القلوب، لكن الله يطلعهم على ما يشاء من ذلك، ويأمرهم بكتابته.”.
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿13﴾ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴿14﴾ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴿15﴾ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴿16﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿17﴾ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿18﴾ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴿19﴾
” إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ “ : هنا يقرر الله تبارك وتعالى بعد ان ذكر هذه المقدمة في حال الانسان وكيف ان الله خلقه، وكيف بعد كذب، قال ان الناس على قسمين : ابرار وفجار، فقال ان الابرار لفي نعيم، وهو نعيم الجنة.
” وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ “ : وان الفجار لفي جحيم وهي نار جهنم.
” يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ “ : يذوقونها ويُدخلون فيها ويعذبون، وذلك يوم الدين، يوم القيامة.
” وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ “ : ما في يوم راحة، ما في يوم يخفف عنهم، وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًۭا مِّنَ ٱلْعَذَابِ، ما فيه ابدا وما هم عنها بغائبين، ولا يفلت احد من هذا العذاب من الكفار؛ لان الامر عند العليم الخبير سبحانه وتعالى.
” وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ “ : يقول اهل العلم : كل ما في القران ما ادراك فقد ادراه سبحانه وتعالى، لان يقول ما ادرك ثم يبين له، ثم ما ادراك ما يوم الدين ويوم الدين يوم الحساب، والدين الحساب، ائنا لمدينون ائنا لمحاسبون، واعادها لاهميتها وللتنبيه.
” يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ “ : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت ، يوم يفر المرء من اخيه، وامه وابيه، وصاحبته وبنيه، يوم لا تملك نفس اي نفس لا تملك لاي نفس، نكرة في نكرة تفيد العموم، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ولو حقيرا ولو صغيرا، ابدا ولا شيء، لماذا ؟ قال : لان الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، كل الامر لله سبحانه وتعالى، وكما مر بنفس السورة النبا لما ذكر الله تبارك وتعالى الملائكة بيّن سبحانه وتعالى انه لا انه لا يملكون شيئا، الا من اذن له الرحمن وقال صوابا، لكن قبل ذلك ابدا، لا احد يتكلم بين يدي الله ﷻ.
والحمد لله رب العالمين، وصل وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ