لقد دلت الادلة الكثيرة على انّ تغسيلَ الميتِ مِنَ الواجبات الكفائية -كما ذكرنا في القاعدة الرابعة والعشرون- وهي انّ جميع ما يتعلق بالميت يعتبر من فروض الكفايات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في غسل ابنته زينب [علي الصحيح] (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي.) [أم عطية الأنصارية | المصدر: صحيح البخاري (1253)، وصحيح مسلم (939)] ففي قوله ”اغْسِلْنَهَا" فهذا امر، والامر يقتضي الوجوب، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في من سَقَطَ على راحلتهِ يومُ عَرَفَة: (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) [عبد الله بن عباس | المصدر: صحيح البخاري (1265)، وصحيح مسلم (1206)]، والشاهد منها ”اغْسِلُوهُ" فهو امر، والامر يقتضي الوجوب، وهذا امر متفق عليه بين اهل العلم وتوارثهُ الخالفون عن السالفين منهم ولم يخالف فيه احد من اهل الاسلام، حتى زَعَمَ بعض اهل العلم [وهو زعم صحيح] ان من انكر مشروعية تغسيل الميت فقد كَفَر؛ لانه مُنْكِرٌ للمعلوم من الدين بالضرورة، وعندنا قاعدة من قواعد التكفير تقول: ”كُلُّ من انكرَ معلُومَا من الدينِ بالضرورةِ فَقَد كَفَر“.
فان قلتَ: وما الحِكْمَةُ من تغسيل الميت وقد مات؟
الجواب: لقد اختلف اهل العلم رحمهم الله تعالى في بَيَانِ الحِكْمَةِ، والراجح ان شاء الله ان نقول إنَّ تَغْسِيْلَهُ من جملة ما اكرَمَ الله عز وجل به بني ادم، فالميتُ المسلم من جملة كرامتِهِ ان يُغَسَّل، فليس المقصود بتغسيل الميت ازالة حدث معين عليه؛ لان الموت مُستَمِرٌّ فيه، ومجرد الاغتسال لا يرفعه، حتى لو ماتت حائض فلا ينبغي للمُغَسِّلِ ان ينوي رفع الحدث عنها، ولو مات جنبٌ فلا ينبغي للمُغَسِّلِ ان ينوي رفع الحدث عنه، (وانما ينوي بِغَسْلِ اخيهِ تعبدا لله عز وجل، واكراما له) فنيته المُغسل تكون نِيَّةَ الاكرام، يعني ينوي حال تغسيله انّهُ يريد ان يكرم اخاه بما اكرمه الله عز وجل به، فنحن نُغَسِّلُ الميت لا عن حدث، ولا عن نجاسةٍ حلت في جسده، وانما نغسله اكراما له، وتعبدا لله عز وجل بامتثال امره.
فانْ قُلْتَ: وما شروط من يتولى تغسيله؟
الجواب: لقد اشترط العلماء جُملا من الشروط:
الشرط الاول: ان يكون مُسْلِمَا، وبناء على ذلك فلا يجوز لنا ان نُمَكِّنَ كافرا ان يغسل احد المسلمين وهذا شرط متفق عليه.
الشرط الثاني: ان يكون عَالِمَا وعَارِفَا بامور التغسيل وكيفيتة وصفته، فلا يجوز ان يتولى تغسيل الميت من لا علم عنده بشؤون الميت وتغسيله، وكيفية تكفينه.
الشرط الثالث: ان يكون عَدْلا في الظاهر، فلا يُعْرَفُ عنه لا فسق ولا غيره؛ لانّه سيتولّى أمانة، فانّ المتقرر في قواعد باب الجنائز انّ "التغسيلَ امانة“، فيجب علينا ان نختار الامين العدل في الظهار، فلا يتولاه الفساق، او من عليه كثرة كلام، ونقل اخبار، وافشاء سر؛ لانه ربما اطلع على شيء من عورةِ الميت فيُفشي سره لا سيما وقد ابتُلِي المسلمون بكثرة التصوير بوسائل الاتصال، فينبغي ان يتولى تفصيل امواتنا الامناء الذين هم عُدول في الضابط.
ولكن: لو انّنَا خالفنا هذا الشرط الثالث، وتَوَلّى الفاسق تغسيله فما حكم تغسيله؟
الجواب: تغسيلُهُ صحيح، لكن يأثَمُ من مَكَّنَهُ.
فان قلتَ: وهل يجوز للزوجين ان يغسل احدهما الاخر اذا مات؟
الجواب: في ذلك خلاف بين اهل العلم، والقول الصحيح: نعم، يجوز للزوج ان يُغَسِّلَ زوجته اذا ماتت والعكس بالعكس، والدليل على ذلك انّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ، وَكَفَّنْتُكِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكِ، وَدَفَنْتُكِ؟) [عائشة بنت أبي بكر | المصدر: سنن ابن ماجه (1465)، ومسند أحمد (25366) | الحكم على الحديث: صححه الألباني في صحيح ابن ماجه]، وفي سنن الدَّارَقُطْنِيُّ [باسناد لا باس به] من حديث اسماء بنت عُمَيْس رضي الله تعالى عنها (أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ.).
فإنْ قُلْتَ: اولم ينقطع حبلُ الزوجية بينهما بالموت فتعتبرُ اجنبيةً عنه؟
فنقول: لا، هذا ليس بصحيح، فانّ الذي انقطع انما هو بعض احكام النِّكَاحِ لا كُلُّهَا، وانقطاع البعض لا يدل على انقطاع الكل، فانقطع جماعُه، وانقطع شهوتهُ لها، وانقطعت خدمَتُهَا له، ونحو ذلك، لكن يبقى ميراثها منه، وميراثُهُ منها، وجواز النّظرِ اليها، وجواز تقبيلها او تقبيلِهِ هُوَ، وان سلّمنا انقطاع بعض علائق النكاح فلا تنقطع كلها، فاذن: شَهِدَ الدليل الاثري والنظري على جواز تغسيل الزوجة لزوجها اذا مات، او الزوج زوجته اذا ماتت ولا حرج في ذلك ان شاء الله.
الجواب: في ذلك خلاف بين اهل العلم، والقول الصحيح: نعم يجوز ذلك، ولا حرج ولا باس؛ لان الاصل الحِلُّ، ومن ادّعى الكراهة او المنع فهو يُثبِتُ حكمين شرعيين، والاحكام الشرعية تفتقِرُ في ثبوتها للادلة الصحيحة الصريحة، ولا نعلم دليلا يَدُلُّ على كراهية مباشرةِ النفساء والحائض لتغسيل الميت.
فان قلتَ: وهل يجوز للزوجة الذميه ان تتولى تغسيل زوجِهَا المسلم؟
الجواب: في ذلك خلاف بين اهل العلم، والقول الصحيح: انّهُ لا يجوز ان تتولى تغسيلَهُ؛ لان الذّمِيّةَ كافرة، ففاتَهَا شرط من شروط جواز التغسيل؛ ولان تغسيل الميت عبادة، والله عز وجل لا يتقبل العبادةَ من الكافر، وهذا معلوم عند اهل العلم رحمهم الله.
فان قُلت: اذا ماتت هي فهل يجوز لزوجها المسلم ان يَُغِّسَلها؟
الجواب: لا، لا يجوز له ان يُغَسلها ؛ لانّ الكافر لا يُغسّلُ ولا يُكَفَّن؛ لان التغسيل الميت من جملة ما اكرم الله به الميت المسلم دون الكافر.
فما الحكم اذا مَاتَ صَبِيٌّ او صَبِيّة لم يبلُغ سَبْعَ سنين، فمن الذي يتولى تغسيلَهُ؟
الجواب: اذا مات صبي او صبية دون السبع فيتولى تغسيله الذكور والاناث، فلا فرق في ذلك، فإذا مات صبي دون السبع فيجوز للنساء ان يُغَسِّلْنَهُ، واذا ماتت صبيةٌ دون السبع فيجوز للرجال ان يغسلوها اذ لا عورة لها.
فما الحكم لو طلق الانسان زوجته، فماتت او مات، فهل يجوز للمطلق ان يغسل زوجته ام لا؟
الجواب: هذا الطلاق لا يَخْلُو من حالتين:
الحالة الطلاق الاولى: إمَّا انْ يكونَ طلاقا بائِنَا بينونة كُبْرى وهي بعد الطلقة الثالثة ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، اي بمعنى انْ تكون هي الطلقة الاخيرة البَتّة، فهذه تَحْرُمُ عليه بِمُجرد طلاقها، فتكونَ اجنبيةً عنه.
الحالة الطلاق الثانية: واما اذا كان الطلاق رَجْعِيّا (هو الطلاق الاول او الثاني) فلا يخلو من حالتين:
الحالة في الطلاق الرجعي الاولى: اما ان تكون لا تزال في العِدَّة فماتت او مات، فهنا قاعدة نعمل بها في مسالةِ المُعتدات: ”المُعْتَدَّةُ الرّجْعِيَّةُ زوجة فِي جَمِيعِ احكامِ الزوجة“، فإذا سُئِلْتَ مثلا عن مطلقة هل تخرج من بيتها ام لا تخرج باذن زوجها؟ الجواب: لا تطلع الا باذنه، ومن احكامها ترقد بجانبه بالفراش، وتتزين له، وايضا تغسله ويغسلها.
الحالة في الطلاق الرجعي الثانية: وامّا ان تكون قد خَرَجت من فترة العِدَّة فماتت او مات، فلا لها ان تُغَسِّلَهُ ولا له ان يُغسلها.
الجواب: نعم، فيُغَسَّلُ من مات في الحد كحدِّ الزنا، او في غيرها من الحدود او القصاص ايضا، فكلُّ هؤلاء يغسلون؛ لان عندنا قاعدة: ”يُغَسَّلُ كُلُّ من مَاتَ ومَعَهُ اصلُ الاسلام والايمان“، فكل من مات ومعه اصل الايمان والاسلام فان الواجب تغسيله؛ لان تغسيل الميت من اكرامه، لحق اسلامه.
فان قلت: وما حكم اخذ الاجره على تغسيل الاموات؟
الجواب: عندنا قاعدة وهي انّهُ ”لا يجوز اخذُ الاجرةِ على امور القُرَبِ الا في حالِ الاضطرار والحاجةِ المُلِحَّة“؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا) [عثمان بن أبي العاص | المصدر: سنن أبي داود (531)، وسنن الترمذي (209) | الحكم على الحديث: صححه محمد ناصر الدين الألباني في صحيح أبي داود وصحيح الترمذي]؛ ولان من شروط العبادة خُلُوصُ النية، فلا ينبغي للانسان ان يطلب اجرة؛ لان الذي يقول لا اغسل الميت الا تعطوني اجرا، فهذا لا ينبغي ان يتولى تغسيل الميت؛ لاننا يغلب على ظننا عدم اخلاصه في هذه العبادة، فلا تقبل منه عند الله عز وجل، الا اذا لم نَجِدُ، فحينئذ من باب الضرورة، ومن باب الحاجة المُلِحَّة فلا باس بذلك، فإذا وجدنا متطوعا فحينئذ، وكذلك إذا وظّفِتِ الدولة احدا، فانّ ما يتقاضاهُ من الدولة لا يُعَتبر اُجْرَةً في اجماع العلماء، وانَّما يُعْتَبَرُ رِزّقَا، والرِّزْقُ جائز بالاجماع، فما يأخُذُهُ المؤذنون والائمة والقضاة والمعلمون في المدارس ما يسمى أُجْرَة وانما يسمى رِزْقَا من بيت المال، وقد حكى ابن قدامة: انّ الرِّزْقَ يجوز اخذُهُ على اعمال القُرَب؛ لان المقصود به الوظيفة لا المُتَوَظِّفُ.
الفرق بين الاجرة والرّزْقُ:
الاجرة: عِوض يُدفع مقابل عملٍ معين بعقد إجارة، كانْ يقول ما أصلي العصر الا تعطيني شيء، ولا أأذن لكم الا ان تعطوني مالا، ولا نغسل ميتكم الا بكذا وكذا، فاذن: اخْذُ الاجرةِ لا يجوز الا في حال الضرورة او الحاجة.
الرزق: ما يُعطى من بيت المال أو من وقف أو من جهةٍ عامة إعانةً للعامل ليتفرغ للمصلحة العامة، لا على أنه عوض عن العبادة نفسها، خصائصه: فهو ليس عوضًا عن نفس العبادة، المقصود به الإعانة والتفرغ، مصدره غالبًا بيت المال أو الأوقاف.
الجواب: المذهب عندنا -الحنابلة- ان المَقْتُولَ ظلما لا يُغَسَّل، وهو المشهور من المذهب، ولكنّ القول الصحيح: انّهُ يُجْرَى به سُنَّةُ بقيةِ المسلمين، فإذا ظُلِمَ الانسان وقُتِل ظلما، كالذي يقتل اباه ظلما، او يقتل امه ظلما، او يُقتل مثلا في قضية ثم يتبين لنا بعد حكمه انه كان مظلوما، فالمظلوم عندنا مُنَزَّلُ منزلةَ الشهيد، والشهيد لا يُغَسَّلُ عندنا، ولكن القول الصحيح: انّهُ يُغَسَّلُ كسائر الناس، حتى وان سميناه شهيدا فليس كل من اُطْلِقَ عليه شهيد لا يُغسل؛ لان الشهادة تنقسم الى قسمين: شهادةٌ في احكام الدنيا والاخرة، وشهادة في احكام الاخرة على الدنيا -كما سياتينا بعد ذلك وهي المسالة التي نحن الان فيها، وهي: -
فالعلماء قسَّمُوا الشهداء الى قسمين:
نوع الشهداء الاول: الى شهداء في الدنيا والاخرة: وهو شهيد واحد فقط وهو شهيد المعركة الذي يموت في ارض المعركة، هذا له حكمه سياتي.
نوع الشهداء الثاني: وهم كُلُّ من وصفه الشارع بانّهُ شهيد في غير المعركة، ومن أبرز هؤلاء: المطعون: من مات بالطاعون. المبطون: من مات بداء البطن. الغريق: من مات غرقًا. صاحب الهدم: من مات تحت الهدم. صاحب ذات الجنب: من مات بمرض ذات الجنب (وهي التهاب الغشاء المحيط بالرئة (غشاء الجنب)). الحريق: من مات محترقًا. المرأة تموت بجمع: وهي التي تموت بسبب الحمل أو الولادة أو مع جنينها. ومن قُتل دون ماله. ومن قُتل دون دمه (نفسه). ومن قُتل دون دينه. ومن قُتل دون أهله أو عرضه. لقوله ﷺ (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.) [أبو هريرة | المصدر: صحيح البخاري (2829)، وصحيح مسلم (1914) ]، وقوله ﷺ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) [سعيد بن زيد | المصدر: سنن أبي داود (4772)، وسنن الترمذي (1421) | الحكم على الحديث: صححه محمد ناصر الدين الألباني.]، وقوله ﷺ: (الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَالْمَبْطُونُ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ.) [أبو هريرة | المصدر: سنن أبي داود (3111)، وسنن النسائي | الحكم على الحديث: صححه محمد ناصر الدين الألباني]، فهؤلاء شهداء، وقد عدّهُم بعض الائمة كالسُّيُوطِيُّ او غيره اكثر من خمسة وعشرين شهيد، وشهدت الادلة بانّهم شهداء، لكن العلماء يقولون: ”إنَّهُم شهداء في احكام الاخرة“، يعني في الاخرة ينزلون منازل الشهداء، اما في احكامهم فيما بينا وبينهم بالدنيا فنعاملهم معاملة بقيه المسلمين.
اذن: فالمظلوم، وان سميناهُ شهيدا، الا انه يُغَسَّل.
فان قلت: وما دليل كونه شهيدا؟
اقول: قول النبي عليه الصلاه والسلام: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) [سعيد بن زيد | المصدر: سنن أبي داود (4772)، وسنن الترمذي (1421) | الحكم على الحديث: صححه محمد ناصر الدين الألباني.]، فهذا كله من انواع الظلم، فقتل مظلوم اي شهيد، لكنّهُ شهيد في احكام الاخرة فقط.
فان قلتض: وهل شهيدُ المعركة يُغَسَّل؟
نقول: شهيد المعركة الذي مات فيها وخرج روحه وهو فيها، فهذا لا يُغَسَّل (في اصحِّ قولي اهل العلم رحمهم الله تعالى)؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يُغَسِّل شهداء اُحُد، وانّما دَفَنَهُم في قلوبهم وجراحهم، قال جابر بن عبدالله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُدْفَنُوا فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.) [جابر بن عبد الله | المصدر: صحيح البخاري (1343)]، فحتى الدم ما غسل عنهم، وانما نزع ما عليهم من الاسلحة والجلود، ثم قَدَّمَهُم الى قبورهم وهم في دِمَائِهِم، واخبر صلى الله عليه وسلم ان (اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) [أبو هريرة | المصدر: صحيح البخاري (2803)، وصحيح مسلم (1876)].
فبعضهم -اي الشهداء- يُصاب ابتداءا، وتَحِلُّ عليه سكرات الموت وهو في ارض المعركة، ثم يُنقل بسيارات الاسعاف -مثلا- الى بعض المستوصفات القريبة، فيخرج جسده عن ارض المعركة خروجا كُلِّيا، ثم يموت في المستشفى، او يموت في سيارة الاسعاف، فما حكمه؟
الجواب: العلماء يقولون: إذا حُمِلَ عن ارض المعركة وهو يتنفس، او تكلّم، او اكل، او شرب، فانّهُ يُعامل مُعامَلَةُ بَقِيّةِ الاموات، فيكون في احكام الشهداء في الاخرة فقط، لا في احكام الشهداء الدنيا والاخرة، وهذا غالب العسكريين الذين يموتون على الجبل الان، انما يُنْقَلُون وهم مصابون فيموتون في المستشفيات، او يموتون في سيارات الاسعاف بعد خروجهم عن ارض المعركة، فيُغَسلون ويُصلى عليهم.
اذن: من مات في ارض المعركة وخرجت روحه وهو لا يزال في ارض المعركة فانّنَا نقول حينئذ انّه شهيد، فالاصل انه لا يُغَسّل.
ان قلت: فما الحكم لو جزمنا بان شهيد المعركة كان جُنُبَا، والان جامع زوجته وسمع الصّائِحَة، او الهائِعَة تناديه للحرب، ثُمّ خرج مباشرة وما اغتسل، فهل نُغَسِّلُهُ ام لا نغسله؟
الجواب: في ذلك خلاف بين اهل العلم، وسبب خلافهم فَهمُهُم لحديث حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه، المشهور بـ غسيل الملائكة، [فحنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه شهيد معركة بلا خلاف بين أهل العلم، بل هو من أشهر شهداء غزوة أحد] فقد مات شهيدا وهو جُنُب باعتراف زوجته، فالحديث: قال النبي ﷺ: (إِنَّ صَاحِبَكُمْ تَغْسِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ) فسألوها، فقالت: (خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمَّا سَمِعَ الْهَيْعَةَ.) فقال رسول الله ﷺ: (لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) [عبد الله بن الزبير | المصدر: المستدرك على الصحيحين (4893) | الحكم على الحديث: صححه الحاكم النيسابوري، ووافقه شمس الدين الذهبي، وحسنه أو صححه جماعة من أهل العلم، منهم محمد ناصر الدين الألباني.]، فالشاهد في الخلاف:
القول الاول: الذين قالوا: نُغَسِّلُهُ، استدلوا بتغسيل الملائكة له "إِنَّ صَاحِبَكُمْ تَغْسِلُهُ الْمَلَائِكَةُ“.
القول الثاني: والذين قالوا: لا نُغَسِّلَهُ، استدلوا بِعِلْمِ النبي صلى الله عليه وسلم انّهُ كانَ جُنُبا، والجنازة كانت موجودة الان، ومع ذلك لم يُغَسِّلَهُ.
كيف نرجح؟ نقول: هل نحنُ مامرون باتباع افعال الملائكة، ولا بما شرعه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: نحن مامورون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لاننا سنُسألُ يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109]؛ ولذلك حتى لو تيقنا انّهُ جُنُبَا، فلم يكن تغسيلهم له تغسيلَ جَنَابَةٍ، وانَّمَا تَغْسِيلَ إكرامٍ وكَرَامَة؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين ان تغسيل الملائكة داخل في دائرةِ التشريع، والاصل في افعالها -الملائكة- انّها ليست تشريعا، فلو كان فعلها تشريعا لقال مثلا: وكل من مات منكم جنبا ولم تعلموا به فيكفيكم فيه تغسيلُ الملائكة. فحيثُ لم يقل ذلك ولم يجعلها شرعا عاما فتُجْعَلُ من باب الامور التي اكرم الله به حنضلة بخصوصه، فلا يدخل معه في غيرها؛ لان القاعدة ”لا قِيَاسَ في كَرَامَة“، يعني ان تفعل الفعل فيكرم الله عز وجل عليه، فربما يفعله غيرك ولا يكرمه الله، فلا قياس في باب الكرامات، فاذن نقول: انّه لا يُغَسّل.
السِّقْط :الجنين الذي يسقط من بطن أمه قبل تمام الحمل أو قبل أن يولد حيًّا:
الجواب: نعم، اذا نُفِخَت فيه الروح.
فان قُلْتَ: ومتى تُنْفَخُ فيه الروح؟
فنقول: بعد مُرورِ مئة وعشرين يوما، يعني اربعة اشهر.
فان قلت: وما بُرْهَانُكَ؟
فنقول: ما في الصحيحين: (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ…) [عبد الله بن مسعود | المصدر: صحيح البخاري (3208)، وصحيح مسلم (2643)].
فان قلت: ولما تُقَيِّدُهُ بنفخ الروح؟
نقول: لان الجسد باعتباره جسدا لا يُسَمّى انسانا، والروح باعتبارها روحا لا تُسَمّى انسانا، وانما الانسان هو مجموع (الجسد والروح)؛ ولذلك العبد لا يُطلق على الروح فقط، ولا يطلق على الجسد فقط، وانما يُترك على مجموع الجسد والروح، بل وهذا من جملة الادلة التي استدل بها اهل السنة ان الاسراء كان بالجسد والروح لقول الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]، والعبد لا يَصْدُقُ على الجسد لوحده ولا على الروح لوحدها، وانّمَا يَصْدُقُ على مجموع الامرين، فاذن: لا يدخل في دائرة الانسانية الا بعد نفخ الروح فيه، واما قبل ذلك فهو قطعةُ لحم.
الجواب: احق الناس بتغسيله وَِصِّيُّهِ ثم عَصَبَاتُهُ، ويقدّمُ بالعصبة من كان اُوْلَى به، فيُقَدَّمُ ابوْهُ، وجَدُّهُ، ثم يقدّمُ ابنه، وابن ابنِهِ، ثم يقدم اخُوهُ الشّقيق، ثم يُقدم اخوه لاب، ثم يقدم اخوه لام، ثم يقدم ابن عمّهِ الشقيق، ثم ابن عمه لاب، وهكذا على حسب ترتيبهم في الميراث، ولكن إذا كان هناك وصيُّ فانه من احق الناس به؛ ولذلك اوصت فاطمةُ رضي الله تعالى عنها ان يُغسلها عَلِي، واوصى انس بن مالك ان يُغَسِّلَهُ ابن سيرين، فمات انس بن مالك وابن سيرين في السّجن، حبسه بعض الملوك الظلمة فاخبروا الملك فاخرجه فترة لتنفيذ التغسيل فقط، حتى يرجع الى السجن، فخرج مخفورا فغسل انس ثم رَدّوهُ مرة اخرى الى السجن.
الجواب: نعم، فلو قلت: حتى وان كان فاضلا؟ الجواب: نعم، حتى وان كان من اعلم علماء اهل الارض؟ الجواب: نعم، ولا يُقاس على النبي صلى الله عليه وسلم احد.
فان قلتَ: وما بُرهانك على هذا التجريد؟
فاقول: برهاني عليه الدليل الاثري، والنظري:
الدليل الاثري: فحديث عائشةَ رضي الله تعالى عنها قالت: (لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنِ اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا غَسَّلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ) [عائشة رضي الله عنها | المصدر: سنن أبي داود (3141) | الحكم على الحديث: حسن، صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، وحسنه أيضًا غير واحد من أهل العلم]، فاذن: دَلَّ ذلك على انَّ العادةَ الجارية في موتاهم انّهم يجردونهم.
الدليل النظري: فلانّه ابسط وايسر لتقليبِهِ وتغسيله ووصول الماء اليه.
الجواب: قال الامام ابن عبد البر رحمه الله [وهو اجماعا ننقُلُهُ بِنَصِّهِ] وهي قاعدة عند اهل السنة: ”السنةُ في الحي والميت تحريم النظر الى عورتهما، وحُرْمَةُ المؤمن حيا كحُرْمَتِهِ مَيِّتَا“، فايها المُغَسِّلُون ”حُرْمَةُ المؤمن حيا كحُرْمَتِهِ مَيِّتَا“، فالشيء الذي لا يجوز ان تفعله مع الحي، لا يجوز لك ان تفعله مع الميت، فكَمَا انّ عورةَ الحيِّ لا يجوز النظر اليها ولا الاطلاع عليها، فكذلك ايضا عورة الميت لا يجوز مَسُّهَا، ولا يجوز النظر اليها، ولا يجوز الاستسهال في ذلك مطلقا، فلا يجوز لاحد ان يغسل ميتا الا وعليه ما يَسْتُرُه، فانْ غُسِّلَ في قميصه فحسن، وان سُتِرَ وجُرِّدَ عنه قميصه فحسن، وان سُجِّيَ وغُطِّيَ بلحاف او ثوب فحسن، فلا بد ان تُسْتَرَ عورته باي حال من الاحوال؛ لان حرمته ميتا كحرمته حيا، والمتقرر عند العلماء انّ ”التغسيلَ امَانَة“، وان الناس قد رموا لك بفلذة كبدهم بين يديك تُقَلِّبُهُ كيفما تشاء وربما ما دخلوا معك، فثقةً في امانتك، وثقةً في ديانتك وخبرتك، وانك ممن يتق الله، بل ان الانسان اذا غَسَّلَ ميتا وستر عيُوبه، خرج من ذنوبه كيومِ ولدَتْهُ امّهُ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: (مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) [بو رافع رضي الله عنه | المصدر: رواه المعجم الكبير (929) | الحكم على الحديث: إسناده حسن عند جماعة من أهل العلم، وحسنه المنذري، وصححه محمد ناصر الدين الألباني في صحيح الترغيب والترهيب]، ورُوي في سند اخر: (النَّاظِرُ مِنَ الرِّجَالِ إِلَى فُرُوجِ الرِّجَالِ كَالنَّاظِرِ مِنْهُ إِلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ، وَالنَّاظِرُ وَالْمُنْكَشِفُ مَلْعُونَانِ) [يُروى بالتمريض]، إذا كان منكشفا باختياره طبعا، وقال ابن سيرين: يُستَرُ من الميت ما يُسْتَرُ من الحي، وقال ابراهيم النَّخَعِيّ: كانوا -اي اصحاب الرسول ﷺ- يكرهون ان يُغَسَّلَ الميتُ وما بينه وبين السماء سقف“.
الجواب: ثمَّ اذا استعد الانسان في تغسيله فينبغي له ان يُحَضر في بداية الامر (سِدْرَا)، ويكون قريبا منه.
الخطوة الاولى: من السنةِ ان يقف المغسل اولا عند رأسِهِ، ثم يَرْفَعُهُ على ذِرَاعِهِ الى قُرْبْ ِجلوسِهِ، ثُمَّ يُمِرُّ يَدَهُ على بطنه إمرارا رَفِيْقَا مِنْ أعْلَى الى اسْفَل إمّا ببَاطِنِ كَفِّهِ أو ذِرَاعَهُ أو ظَهْرِ كَفِّهِ على بَطْنِهِ قليلا على مَجْرَى الامعاء الغليظة حتى يخرج ما هو مُسْتَعِدٌ للخروج.
فان قلتَ: وكم مرة يُمِرُّ يده؟
نقول: لا تحديد فيها، لا مرة ولا مرتين، وانّما ينظر في ذلك الى اجتهاد الغاسل، وعلى حسب انتفاخ بطن الميت، وعلى حسب كثرة الخارج، فيُمِرُّهَا مرة، واذا غلب على ظَنّه انّ ثمةَ شيئا باقيا فانه يُمرها مرة ثانيه وهكذا حتى ينتهي حتى ينتهي ما يخرج.
فانْ قلتَ: ولماذا نُمِرُّ؟
فنقول: لان الميت كان هو الذي يفعل هذه حركة، فإنَّ الله خلق فيه هذه الحركة الباطنيّة وهي حركة التقلص حتى يَخْرُجُ الخارج، وبعد موته يتعذّرُ منه ذلك، والمتقرر عند العلماء انّهُ ”إذَا تَعَذَّرَ الاصل فانّهُ يُصَارُ الى البدل“.
الخطوة الثانية: ثم اذا خرج منه شيء، فانّهُ يَبْدَأُ بعد ذلك بتَنْجِيَتِهِ بعد انْ يَلُفَّ على يَدِهِ خِرْقَةً مغطيا عورة الميت (وهي عورته حيّا كما تقدم)، ويستحب ان تكون خِرْقَةٌ فيها حَرَاشِيفُ [اي ذات سطح خشن أو نتوءات، تُستعمل في دلك جسم الميت برفق لإزالة ما قد يكون عالقًا من أوساخ، دون أن تؤذي الجلد]، والمتقرر عند العلماء انَّ هَذِهِ الخِرْقَة تكون مخصصةً للامور النّجِسَة كبوله، او غائِطِهِ، فيُنَجِّيهِ كَمَا يُنَجَّى الحي، وهذه الخرقة لابد ان تكون خَشِنَةً حتى يكون فيها خَاصّيَة ازالةُ ما يعلق بجسد من النجاسات.
فان قُلْتَ: وهل لا بد ان يُدخِلَ بعض اصابعه في امعاه؟
فنقول: لا يجب ذلك، ولا ينبغي منه ذلك كما يَفْعَلُهُ الحي، وامّا الميت فانّهُ يُمِرُّ اصابعه على فتحَةِ شَرْجِهِ فقط مرورا من غير ادخال شيء من الاصابع، بل وينبغي ان يكون مُرُورَهُ على هذا المَحَل رفيقا حتى لا يجرح شيئا، ولا بد ان لا يكون فيه بعض الاظفار حتى لا يؤدي مرورها ولو من وراء الخرقة الى جَرْحِ الميت او تأذّيْهِ، ثم بعد تنجيته تنجيه كاملة:
الخطوة الثالثة: فبعد التنجية يُستَحَقُّ لنا بعد ذلك ان نوضِئَهُ، وعندنا قاعدة في تغسيل الميت كاملة: ”تَغْسِيلُ الميتُ يُسَنُّ بِهِ سُنَّةَ تغسيل الجنابة الّا فِيَما زَادَهُ الدليل“، فإذا وضّئناهُ وانتهينا من توضيئِهِ:
وصف غسل الجنابة:
١. تغسل كفيك ثلاث مرات. ٢. تغسل الفرج وما أصابه من أثر المني أو النجاسة. ٣. تتوضأ وضوءًا كاملًا كوضوء الصلاة. ٤. تخلل أصول شعر الرأس بالماء بأصابعك. ٥. تصب الماء على رأسك ثلاث مرات حتى يصل إلى أصول الشعر. ٦. تغسل سائر الجسد، فتبدأ بالشق الأيمن ثم الشق الأيسر، مع تعميم الماء على جميع البدن وإيصاله إلى المواضع التي قد يخفى وصوله إليها، مثل: تحت الإبطين، والسرة، وخلف الأذنين، وبين أصابع اليدين والرجلين، وخلف الركبتين، وما بين الأليتين.
الخطوة الرابعة: فإذا وضّئناهُ وانتهينا من توضيئِهِ، فانّ السِّدْرَ يكونُ جاهزا كما ذكرنا، فيخلط السدر بالماء ويكون السدر كثيفا، حتى يُرْغِي، وطريقة رَغْيِهِ إمّا بتقوِيَةِ صَبِّ الماء على السدر حتى يرغي بنفسه من قوة صب الماء، او بضرب السدر في الماء وتحريكه باليد حتى تظهر رغوته، ونَصَّ الفقهاء [وهو قول جمهور الفقهاء]: على انه: ”يستحبّ ان ياخذ هذه الرّغوَة التي خرجت، ثم يَغْسِلُ بِهَا رأسَهُ ولِحْيَتَهُ“، اي يغسِلُ بِهَا شُعُورَ الرأسِ وشعر اللحية فقط.
فإنْ قُلْتَ: حتى وان كانت انثى ايضا، نغسل شعرها بالسدر؟
الجواب: نعم، يُغسل شعرها، وهذا باتفاق اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال انس رضي الله تعالى عنه: (اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ) [أن يُعتنى بالميت عند تغسيله وتكفينه، كما يُعتنى بالعروس عند تهيئتها، من حيث النظافة، وحسن الهيئة، والرفق، وإزالة ما يستقذر، دون تكلف أو إسراف أو فعل ما لم يرد به الشرع] [ذكره ابن قدامة المقدسي في كتاب المغني (2/403، طبعة دار عالم الكتب)]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن تَوَلَّيْنَ تغسِيْلَ ابنتَهُ: (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ…) [من حديث أم عطية في صحيح البخاري برقم (1253)، وصحيح مسلم برقم (939)]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لِمَن وَقَصَتهُ راحلته في عرفة:(اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) [من حديث ابن عباس في صحيح البخاري برقم (1265)، وصحيح مسلم برقم (1206)].
إنْ قُلْتَ: ما الحكم لو ماتت امراة بين رِجَالٍ او مات رجل بين نِسْوَةٌ؟
الجواب: المذهب عندنا في هذه المسالة فيها قاعدة تقول: ”كُلُّ مَنْ تَعَذَّرَ تغسيلُهُ لِعُذْرٍ، فيُنْتَقَلُ الى بَدَلِهِ“، الان لا يجوز للمراة ان تَمَسَّ بَدَنَ الرجل تغسيلا، ولا يجوز للرجل ان يمسّ بدن المراة الاجنبية، فإذا لم يوجد زوجا لها او سيّدا، او لم يوجد ابنا، او لم يوجد مَحْرَمَا لها، فحينئذ نقول (تَعَذَّرَ تغسيلُهَا فننتقل الى البدل وهو التيمم).
فان قلتم وهذا متوقع الان: نحن قلنا في تغميض العينين يتولاه الاجنبي للحاجة، لماذا هنا تغيرت؟
فنقول: الاشياء باعتبار البدل تنقسم الى قسمين:
القسم الاول: اشياء لا بَدَلَ لها: فالذي يتولّاهُ الاجنبي من الاجنبية الاشياء التي لا بَدَلَ لها، امّا انْ يَقُومَ بِهِ هُوَ، والا سقطت مُطْلقا، لان ليس لها بدل، فتغميض العينين اذا ما تولاها الاجنبي، ما هو البدل في تغميض العينين؟ لا يوجد بدل، فهنا يغمض عينيها، لكن التغسيل في القسم الثاني:
القسم الثاني: اشياء لها بدل شرعي: هل التغسيل له بَدَل صحيح؟ الجواب نعم، وهو التيمم، فإذن: لا حاجة هنا في التغسيل ليتولاه الاجنبي، فسقط الاصل، وسقوط الاصل يكون الى بدل.
فاذن: الاشياء التي لا بدل لها يتولاها الاجنبي، والاشياء التي لها بدل لا يتولاها الاجنبي.
مثال ذلك: في الصلاة اذا اشكَلَت عليك الجهات، فما تدري اين جهات القبله فماذا تفعل؟ الجواب: تجتهد وتصلي؛ لان القبلة ليس لها بدل شرعي فلا بد من قبلة تصلي لها، لكن اذا اشتَبَهَت مياه الطاهرة بنجسة، يعني امامك دلوين واحد نجس وواحد طهور واشتبهنَ عليك، ولا تدري اين النجس اين الطهور، فماذا تفعل؟ الجواب: ينتقل للتيمم بدون اجتهاد، فلِمَا بِدُون اجتهاد هنا كما فعلنا في القبلة؟ نقول: لان الطهارة المائية لها بدل صحيح، ولما لا نقول هناك في القبلة ننتقل؟ فنقول: ينتقل اين؟ فالقبلة ليس لها بدل.
فاذن: تغميض العينين اجزناه للاجنبي من باب الحاجة والضرورة؛ لان لا بدل له، وامّا تغسيلها فلا نُجِيزُ للاجنبي؛ لان له بدل.
إنْ قُلْتَ: كيف يُغَسَّلُ المحروق؟
نقول: عندنا قاعدة: ”كُلُّ مَنْ تَعَذَّرَ تغسيلُهُ، فانّهُ يُنْتَقَلُ الى البدل وهو التيمم“؛ لان المتقرر عند العلماء كما جاء معنا انّ ”الاصل اذا تعذر، فانّهُ يُصَار الى البدل“؛ ولان الله لا يكلف نفسا الا وسعها، فإذا تعذّر تغسيله مُطلقا، بمعنى انّنَا كُلَّمَا صَبَبنَا الماءَ عليه تفلّتَ جٍلْدُهُ وانهار لَحْمُهُ بسبب انه محروق من الدرجات المتاخرة، فحينئذ نُيَمِّمُهُ.
فانْ قلتَ: وانْ كان الحَرْقُ في بعضِ الاجزاء دون بعض؟
فنقول: ياخذ كل جزء ما يناسبه، فنُغَسِّلُ الاجزاء الصحيحة، والاجزاء المحروقة التي لا يُمكن وصول الماء اليها نُيَمِّمُهُ، فنجمع بين الغسل وبين التيمم، كما يفعله الحي.
ما الحُكْمُ لو كان شاربُ الميت طويلا، او آبَاطُهُ طويلة، او عانَتَهُ طويلة، فهل يجوز لنا اخذها؟
الجواب: اما مسالة الشارب والابط فانّهُ يجوز لنا ان ناخذها، وحتى اظفارَهُ؛ لاننا نريد ان نقدمه لله عز وجل على اكمل احواله واتم خِصَاله، فاذن: اخذ شيء من شاربه تحقيق مصلحة لا تُعارضها مفسدة، اذن: ناخذ اخذ شيء من إبْطِهِ تحقيق مصلحة لا تعارضها مفسدة، تقليم اظافره تحقيق مصلحة لا تعارضها مفسدة.
وإمّا عانَتَهُ فيها تحقيق مصلحة، لكن تُقَابِلُهَا مفسدة وهي النظر الى العورة، اذن: اجتمع عندنا مصلحة ومفسدة، والقاعدة تقول: ”اذا اجتمعت المصالح والمفاسد فدرء المفاسد مُقَدَّمٌ على جلب المصالح“، فلا يجوز لنا في العَانَةِ خاصّة ان ناخذ شيئا منها؛ لانها مصلحه تضمنت مفسدة.
فان قلتَ: وهل يُستحب للغاسل ان يبدا بالتسميةِ قبل الغسل؟
الجواب: في ذلك خلاف بين اهل العلم، وعندنا قاعدة عند الاصوليين مهمة: ”الاصلُ في الاذكار الاطلاق على الزمان والمكان والحال“، فمن قيّدَ ذكرا بزمان دون زمان، او مكان دون مكان، او حال دون حال، فهو مُطالبٌ بالدليل الدال على ذلك، ولا قياس في عبادات، ولا نعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم امر من غَسَّلْنَ ابنته زينب بالتسمية لا امرَ وُجوب، ولا امر استحباب، والقاعدة: ”تاخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز“، وفي قصة الحاج الذي وقصتهُ راحلته، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ -الطيب-، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ -لا تُغطُّوا رأسه-، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».) [من حديث عبد الله بن عباس في صحيح البخاري برقم 1265، وفي صحيح مسلم برقم 1206]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ”اغْسِلُوهُ" مباشرة، ولم يقل سَمُّوا ثم اغسلوه، فلو كانت مشروعة لامر بها النبي صلى الله عليه وسلم، فالاصح والله اعلم انّ البسملة ليست بِسُنّة.
فان قلتَ: او ليست سنةً في الوضوء؟
فنقول: اعلم اننا نحن الان لسنا في باب الوضوء، الان نحن في عبادة مستقلة اسمها تغسيل الميت.
ولان العلماء يقولون: ”إنّ البسملة من جملة العبادات التي لا تَدْخُلُهَا النِّيَابَات“، مثل الايمان، فهل يؤمن احد عن احد؟ ومثل الصلاة هل يصلي احد عن احد؟ والاصل المتقرر عندنا انّ ”الاصل عدم دخول النيابة في العبادة الا بدليل“، مثل الحج تَدخُلُهُ النِيَابَة لوجود دليل، العمرة تدخله النيابة لوجود دليل، الصوم تدخله النيابة لوجود الدليل، لكن الايمان، الصلاة، قراءة القران، قراءة الفاتحة في الصلاة، طيب، فهل البسملة في الوضوء هل لها نيابة؟ يعني مثل: اذا كنت بجانِب واحد اخرس ما يتكلم، فهل تقول له: (لا تخاف يا اخي في الاسلام، بارك الله فيك، سوف اسمي مرتين، واحدة عني وواحدة عنك)، هل هذا يصح؟ لا، فهذه التسمية لا تدخل بالنيابات.
ولذلك يقولون: لَمّا تعطّلَت العبادة من هذا الرجل لانه مات، فلا يقوم غَيْرُهُ مَقَامَهُ في ادائها هذه العبادة، فحينئذ المطلوب انْ يُسَمِّيَ من يتولى الطهارة، فالذي يتولى الغسل الجنابة هو الذي يسمي، والتي تتولى غسلها من الحيض هي اللي تسمي، التي تتولى غسلها من النَّفَاس هي التي تسمي، الذي يتولى الوضوء لنفسه هو الذي يسمي، فلا يسمي احد عن احد في طهارته، ولا قياس في العبادات.
إنْ قُلْتَ: وما عدد غَسَلاتِ الميت التي تَمُرُّ على جسده؟
نقول: اعلم انها تكون واحدة، او ثلاثة، او اكثر من ذلك، فامّا الواحدة فهي واجبة في قول عامة اهل العلم؛ لانه لا يدخل الانسان في حدود من غَسّل ميتا الا بالمرةِ الواحدة، فالواحدة من ضرورات وجود عبادة التغسيل، لكن ادنى الكمال والذي لا ينبغي النقُص عنه (ثلاثُ غَسَلاتٍ)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ -زينب على الصحيح-، فَقَالَ: (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا ..) [من حديث أم عطية في صحيح البخاري، وصحيح مسلم]، فبدا بوتر الثلاث.
فان قلتَ: ولماذا نُجِيزُ الواحدة والنبي قال (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا ..)؟
نقول: لان النبي اطلق في قوله في من مات على راحلته في الحج: (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ …) [من حديث عبد الله بن عباس في صحيح البخاري (1265، 1266، 1849 بحسب اختلاف الطبعات والترقيم)، وصحيح مسلم (1206)]، ”اغْسِلُوهُ“ مُطلق، والقاعدة: ”المُطلق يَدُلُّ على واحدة“، وما قاله لابنته ”اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا“ يدل على ثلاث، والجمع بين الادلة واجب ما امكن، فنجعلُ:
الوتر الاول: الوتر الواجب: الوِتْرَ بواحدة
الوتر الثاني: ادنى الكمال: والوتر بالثلاث
الوتر الثالث: أعلى الكمال: يُنْظَر فيه الى اجتهاد الغَاسِل، وهو اعلى الكمال، وهو ان تغسله مرة رابع [اي تصل الى وتر ثالث وهو خمسة غسلات]، فإذا رايت الوتر الرابع أنْقَهُ فيُستحق لك ان تزيدَ وترا خَامِسَا [اي سبع مرات]، واذا رايت الوتر السادس انقه فيستحب لك ان تزيد وترا سابعة [تسع غسلات]؛ لقول النبي ﷺ لمن غسلنَ زينب رضي الله عنها: (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ …) [من حديث أم عطية في صحيح البخاري، وصحيح مسلم]
فان قلتَ: ومن الذي يُحَدِّدُ عدد الغسلات؟
فاقول: انت باجهادك على حسب ما تراه امامك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ …).
فان قلتَ: وهل يستعمل الماء الحار؟
الجواب: قاعدة: ”الاصل عدم استعمال الاشياء الحارة في تغسيل الميت الا في دائرة الحاجة“، لاننا نُريد من تلك الجثة ان تبقى باردة ما استطعنا الى ذلك سبيلا، فايُّ هَوَاءٍ حار، وايّ مكان حار، اي لباس حار، اي ماء حار، فانه يسرع بفسادِهَا وتحللها، فكُلَّما جنبنا هذه الجثة الاشياء الحارة، كُلّما كان افضل لها.
لكن اذا كان ثمةَ قذرٌ او وسخ على جثة الميت، ولا يذهِبُهُ الا استعمال الماء الحار، فلا بأس، وتكون الحرارةُ متناسبةً مع ما وجد عليه من القَذَر.
فان قلتَ: وهل يُنَظَّفُ ما بين الاسنان اذا وجدنا شيئا؟
الجواب: لا باس في ذلك، ولكن لا على صورةٍ تَجْرَحُ لِثّةً او تسقط سِنّا، فلا باس به مع الحاجة الُمِلحّة، ولا باس ايضا باستخدام مَعجُونِ الاسنان، لكن ينبغي الا يتجرع الميت شيئا منه، فتضع شيئا من المعجون على اصابعك، او على خرقهك ثم تفرك مكان الاصفرار، او مكان الدم، او نحو ذلك على حسب ما تراه، لكن لا يدخل في جوفه شيء.
فان قلت: وهل استعمال فرشاة الاسنان جائز؟
فأقول: نعم، استعمال الفرشات ايضا جائز ولا حرج في ذلك، ولكن على صورة لا تجرح لُثّةً ولا تكسر سِنّا.
فان قلتَ: وما هو الكافور؟
فأقول: ان هذه تعريفات مهمة، فالكافور مَعْرُوف بانّه اخلاطٌ من الطيبِ، تُضْرَبُ مع بعضها وتُخَصَّصُ للاموات، فهو: من طِيْبِ الاموات، توضع مع الاموات.
فان قلتَ: ومتى يُوضَعُ على الميت هذا الكافور؟
فنقول: يوضع على الميت في اخر غَسْلَةٍ راها الغاسِلُ في الاصح، فلا توضع في الغسلات السابقة، وانّما توضع في الغسلة الاخيرة التي راى الغاسل انها تكون اخر الغسلات.
فانْ قُلت: وما فائدته -اي الكافور-؟
فنقول: فائدته طرد الهَوَام -الحشرات المؤذية السامة- وتبريد وتقوِيَةُ الجسد.
فان قُلْتَ: وما دليله؟
فنقول: دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن غسلنا ابنته: (…وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ..) [من حديث أم عطية في صحيح البخاري، وصحيح مسلم]
فان قُلتَ: وان لم يوجد كافور ماذا نصنع؟
فنقول: لا باس بتطييب الميت بطيب من طبيعته البُرُودَة لا السخونة؛ لان من الاطياب ما طبيعتُهُ الحرارة، بمعنى انّك اذا حطيت على خَدّك مثلا بدات تَحُكّهُ، او يصيبك بحساسيه، فهذا الطيب حار، لكن اذا اخترت طيبا غير الكافور، وكان من طبيعته ان يكون طِيبا باردا، لا طيبا حارّا فلا باس؛ لان المقصود من الكافور تطييبه وتقوِيَةُ جسده، وغيره من الاطياب قد يحقق ولو شيئا من ذلك، والمتقرر عند العلماء انّ: ”الشريعة لا تفرق بين مُتَماثلين، ولا تجمع بين مختلفين“.
فان قلتَ: وهل يستعمل المنظفات الحديثة، كالصابونة او الشامبو او نحوها؟
الجواب: نعم لا باس باستعمالها، اذا كان ثمةَ ما لا يزول عن الميت الا بِهَا؛ لان المقصود تنظيف هذا الجسد الذي امامك باي طريقة، فاذا كانت هذه الاقذار او الاوساخ على الميت او الجروح او اثار الدم لا تذهب بمجرد الماء، وانما تذهب باستعمال الشامبو، او باستعمال الصابونة، او باستعمال بعض المنظفات، فانه لا باس ولا حرج عليك في استخدامها ان شاء الله
فان قُلْتَ: وماذا نفعل برقبة المقتولِ في قِصَاص؟
فنقول: نَرُدُّهَا الى موضعها بالتخييط، لا باس بذلك، ولا حرج فيه ان شاء الله؛ لان المقصود من قطعها قد تم، وهو استيفاء حق الاولياء.
بل ان كانت هناك بعض الاعضاء من الجثة مُقَطَّعَة، وراى الطبيب خياطتها، واعادةَ كُلُّ عضو في مكانه، فانه لا حرج ولا باس بذلك ان شاء الله.
اذن: فالاعضاء المقطعة بسبب حادث -اجارنا الله واياكم-، او بسبب جريمة، فانّهَا تُلَفَّقُ في مكانها وتُلْصَقُ بالخيوط، فما قدرنا على إلْحَامِهِ، والا فيوضَعُ مع كفنه كما سياتينا في مسائل خاصة ان شاء الله.
فان قلتَ: وما الحكم لو كان بعض اسنانه آهِلَا للسقوط، يعني من يغسل هذا السن ربما يسقط، فهل انزعه ام لا انزعه؟
الجواب: ايّاك ان تَلْمَسَهُ او تتعرض له، بل ان الفقهاء نَصُّوا على انك: ”اذا استطعت ان تَلْحِمَهُ بشيء من الذهب، او الفضّة، او بشيء من المَعَاجِين، او بشيء من الصّمْغِ الطبي الذي لا يُبين اثره، ولا يحرق اللثة، فانّه واجب على المغسل“، فلا تُحَرِّك هذا السن، واذا جئت الى مكانه من التغسيل فحركه برفق حتى لا يسقط، ليُدْفَنَ مَعَهُ.
ان قلتَ: وما الحكم لو كان على الميت شيء من اسنان الذهب؟
الجواب: يجب خَلْعُهَا اذا لم يُفضي خلعها الى مفسدة اشدّ واعظم؛ لانها من جُمْلَةِ التّرِكَة، فهذا الذهب تَرِكَة، فالاحق به الحي، فاذن: ناخذها وننزعها عنه، ما لم نَشُقُّ لِثَّتَهُ او يترتب على خلعها شيء من المفاسد اعظم.
إلّا ان الفقهاء قالوا: اذا لم يمكن نزعها الا بجرح جُثَّتِهِ وسيلان الدم، فتبقى ويُحْفَظُ قبره حتى اذا بَلِيَت عظامه، وغلبُ على ظَنِّنَا فناؤُهَا، نبشنا القبر واخذنا هذا السن، يعني ربما ينتظر سنين، لكن هكذا قال الفقهاء من باب احترام الميت، ومن باب احترام المال.
إنْ قلتَ: وما حال تغسيل الميت اذا كان مُحْرِمَا؟
فنقول: القاعدة: ”انّ تغسيل المُحرِمُ كتغسيل غيره من الحلال، الا فيما خَصّهُ النص“، فجميع ما قلناه في تفصيل الميتِ الحلال، فانّنَا نقوم به مع في تغسيل الميت الا فيما خَصّهُ النص، فنحن نُعامل الميت المُحْرِمَ كما نعامل غير المحرم الا بدليل.
والاصل في هذا جواب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (…اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا).
فنقول انه يختلف المحرم عن الحي بِعِدّة اشياء وهي:
الامر الاول: عدم تقريبِ الطيب الى جسده، فلا حَنُوطَا ولا كافورا، فلا نضع شيئا من الطيب ابدا على جسده، ولا اي طيب اخر؛ لقول النبي ﷺ في الحديث (.. وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ…) [من حديث عبد الله بن عباس في صحيح البخاري، وصحيح مسلم (1206) تقدم تخريجه]
الفرق بين الكافور والحَنوط:
أولًا: الكافور: هو مادة معروفة تُستخرج من شجرة الكافور أو تُحضَّر صناعيًا، تمتاز برائحة طيبة وبرودة، وكان يُستعمل في تغسيل الموتى، وقد أرشد النبي ﷺ إلى استعماله في الغسلة الأخيرة، فقال: (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ… وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) [أم عطية رضي الله عنها | المصدر: من حديث أم عطية في صحيح البخاري (1253)، وصحيح مسلم (939)]، والحكمة من استعماله: يطيب رائحة الميت، يشد الجسم ويبرده، ويساعد على تقليل سرعة التغير بعد الوفاة.
ثانيًا: الحَنُوط، الحنوط هو خليط من أنواع الطيب يُعد خصيصًا لتطييب الميت بعد غسله وقبل تكفينه، وقد يشتمل على: الكافور، والمسك، والعود، والعنبر، ومكونات عطرية أخرى، ويُجعل غالبًا على مواضع السجود (الجبهة، والأنف، والكفين، والركبتين، والقدمين)، وبين الأكفان، [علما انّ تخصيص مواضع السجود بالحنوط أو الكافور: فهو مستحب عند كثير من الفقهاء، وليس سنة ثبتت بحديث مرفوع صحيح]، وهذا إلا إذا كان الميت مُحرمًا، فلا يُطيَّب؛ لقول النبي ﷺ في المحرم الذي مات: (وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ…). [عبد الله بن عباس رضي الله عنهما | المصدر: من حديث ابن عباس في صحيح البخاري (1265)، وصحيح مسلم (1206)].
الامر الثاني: انّهُ لا يُكَفَّنُ إلا في ثوبيه -اي ثوبي الاحارم-؛ لقول النبي ﷺ: (.. وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ..) [من حديث عبد الله بن عباس في صحيح البخاري، وصحيح مسلم (1206) تقدم تخريجه].
الامر الثالث: انه لا يجوز تَغْطِيَةُ راسِهِ وَوَجْهِهِ اذا كان ذَكَرَا، وامّا المراةُ فيُغَطّى راسها ووجهها؛ لان كشفها في حال احرامها ليس واجبا عليها؛ لقول النبي ﷺ: (.. وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ..) [من حديث عبد الله بن عباس في صحيح البخاري، وصحيح مسلم (1206) تقدم تخريجه].
والحديث كامل: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ -أي كسرت عنقه أو أصابته إصابة قاتلة بسبب سقوطه من الراحلة-، أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. [من حديث عبد الله بن عباس في صحيح البخاري برقم (1265)، وبرقم (1849)، وفي صحيح مسلم برقم (1206)].
اذن: فهذه هي الامور الثلاثة الذي يختلف بها مع غيره، وامّا ما عدا ذلك فانه يتفق مع الحي تماما.
يعني: مات بعد ما جاؤوا من عرفة ورَمَى جمرة العقبة، لكن ليس بعد تحلل التحلل الكامل؟ وحتى نفهم جيدا يجب ان نعرف:
انواع التّحَلُّل في الحج:
النوع الاول: التحلل الأول (التحلل الأصغر): ويحصل إذا فعل الحاج اثنين من ثلاثة أعمال يوم النحر، وهي: 1. رمي جمرة العقبة. 2. الحلق أو التقصير. 3. طواف الإفاضة (ومعه السعي لمن وجب عليه السعي ولم يكن قد سعى قبل ذلك عند من يرى ارتباطه)، فإذا فعل اثنين منها، جاز له كل ما كان محظورًا بالإحرام إلا الجماع ومقدماته عند جمهور الفقهاء.
النوع الثاني: التحلل الاكبر (التحلل الكامل)، ويحصل إذا أتم الأعمال الثلاثة السابقة، فيحل له كل شيء حتى الجماع. واستدل الفقهاء بأحاديث منها: (إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ، فَإِذَا طُفْتُمْ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ.) لكن هذا الحديث مختلف في ثبوته، وقد حسنه بعض أهل العلم وضعفه آخرون، فلا يعتمد عليه وحده؛ ولذلك بنى جمهور الفقهاء هذا التقسيم أيضًا على مجموع الأحاديث والآثار الواردة في أعمال يوم النحر، وعلى عمل الصحابة رضي الله عنهم. تنبيه: هناك خلاف بين أهل العلم في تفاصيل ما يحصل به التحلل الأول، لكن المعتمد عند المذاهب الأربعة أن التحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة، والتحلل الكامل يحصل بإتمامها كلها.
فلو قلت: وما الحكم لو مَات المُحرمُ بَعْد التحَلُّلِ الاول، وقبل التحلل الكامل؟
الجواب: حينئذ نُعَامِلُهُ مُعَامَلَةَ بقيةَ الناس، بمعنى انّنَا نُقَرّبُهُ طِيَبا؛ لانه بمجرد التحلل الاول، حَلّلَهُ الطيب والثياب وكل شيء الا النساء (الجماع) خاصّة.
إذن: إذا مات قبل التحلل الاول فنعامله معاملةَ المُحرِم الكامل، واما اذا مات بعد التحلل الاول فنعامله معاملة بقيه انواع المسلمين. [وطبعا من باب اول التحلل الثاني الكامل ايضا نعامله معاملة عامة المسلمين] .
فهل يوصف من مات مُحْرِمَا بانّهُ شهيد؟
الجواب: نسأل اولا : الوصف بالشهاده توقيفي ام اجتهادي؟ الجواب: توقيفي، اذن: لابد ان نرجع الى الادلة، فلما رجعنا الى الادلة لم نجدها تَصِفُ من مات مُحْرِمَا بانّهُ شهيد، والاصل في الصفات الشرعية التّوْقِيف، فاذن: نَرْجُو له حسن الخاتمة ان شاء الله لكن لا نصفه بانّهُ شهيد، لا من شهداء الدنيا، ولا من شهداء الاخرة.
هل يشرعُ لغيره اكمال نسكه عنه؟
الجواب: احذر من ان تكمل نُسُكَ اخيكَ، وذلك لامرين:
الامر الاول: لان النبي صلى الله عليه وسلم لمّا مات ذلك الرجل في عرفات بقي عليه المَبِيتُ بمزدَلِفة ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والطواف، والسعي، فبقي عليه شيء كثير، فلم يامر النبي ﷺ احد الصحابةِ اتمام النسك عنه، والقاعدة: ”تاخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز“.
الامر الثاني: ان النبي ﷺ قال: ”…فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا“ يعني لا يزال على حُكْمِ احرامه فلا ينبغي أنْ يُتِمَّ الحي نسكه عنه فيَحْرِمَهُ من التَلْبِيَتهِ يوم القيامة.
لقد نص الفقهاء على انه من السنة في باب التغسيل انْ ”نَبْدَأَ بِمَعالِي الميت قبل مَسَافِلِهِ، ومَيَامِنِهِ قبل مَيَاسِرِه“، كما نفعل تماما في غُسْلِ الجَنَابة، وقلنا القاعدة انّ ”تغسيل الميت كتغسِيْلِ الجُنُب الا فيما زادَهُ الدليل“، فكما ان الجنب يبدا بمعاليه قبل مَسَافله، وميامنه قبل مياسِرِه، فكذلك الميت اذا وضئناه وفعلنا ما نفعله من رغوةِ السدر وكذا، فانّنَا نبدا حينئذ بمعاليه قبل مسافله وميامنه قبل مياسره.
المسألة الرابعة والاربعون : متى يوضع السدر؟
فانْ قلتَ: ومتى يُوضَع السدر؟
فنقول: من اوائل الغَسَلاتِ، وقد دخلنا بعض المغاسل فرايناهم لا يضعونها الا الغسلةِ الاخيرة فقط وهذا من الجهل، بل من اوائل الغسلات في الغسلات الثلاث، او الغسلات الخمس، او الغسلات السبع، كلها يُوضع فيها السدر؛ لانه من باب الترقية.
المسألة الخامسة والاربعون : فإن لم نجد سدرا؟
فان قُلتَ: وان لم نجد سدرا في المكان الذي مات فيه الميت؟
الجواب: القاعدة ”اذا تعذر الاصل فانّهُ يُصار الى البدل“، ونحن عرفنا مقصود الشارع باتخاذ السدر وهو انه ليس تعبدا مَحضا، وانّما تعبد له عِلّة معقولة، وهي كمال التنظيف، فاذن: ما شارك السدر في هذا ولو في بعض خصائصه وليس شرط لازم في كُلّهَا، وانّما في بعض خصائصه، فحينئذ لا باس حينئذ تغسيلهُ بالشامبو المعروف او ببعض المنظفات المتاحة؛ لانه ان لم نحقق السنة بكمالها، فلا اقل من ان نحققها ولو بعضها؛ لان المتقر عند العلماء ان ”ما لا يدرك كُلّهُ لا يترَكُ جُلُّهُ“.
المسألة السادسة والاربعون : حكم سكب الماء دون امرار اليد على العضو
فان قلت: وما قولك في من يملا السطل ثم يَصُبُّهُ على فَخِذَيْهِ -مثلا- صَبّا من غير امرار لليد على العضو، لان بعض المغسلين هداهم الله انما ياخذ الطست او الطاسة ثم يرفعون الفوطة ثم يُريقونها إراقة، فما الحكمُ؟
فنقول: هذا لا ينبغي؛ لان هذا وان كان اراقةً وغُسْلا الا انّ المقصود هو تنظيفُهُ، فيلُفُّ الغاسل على يَدِهِ خرقة (غيرَ خِرْقَتهِ التي نَجّاهُ بِهَا) ثم يُمِرُّ يَدَهُ على جسده كله، فيصب الماء ويغسل، الا انه اذا جاء عند حدود عورته فيُدخل يده من دون السّتْرِ، ثم يَفركُ فخذيه، ويفرك ركبتيه، ويفرك سُرَّتَهُ وما دونها، ويفرك كذلك ما وراءها.
فبعضهم هداه الله ياخذ الماء ويسكب فيتحقق الاسراف في الماء، والماء يصب من اول التغسيل الى اخره، فنقول: لا، هذا ما ينبغي، وانما لابد مع إراقةِ الماء على هذه المواضع من إمرار اليد عليها حتى يَكمُلَ ذلك.
المسألة السابعة والاربعون : هل نُنَشِّفُ الميت بعد غُسله؟
فان قلتَ: وهل ننشفه بعد ذلك؟
الجواب: نعم، لا باس بتنشيفه، ولا حرج بذلك حتى لا يَبُلَّ اكفانه.
المسألة الثامنة والاربعون : ان كان عليه بعض اللسوق الطبيه هل تنزع عنه او لا؟
فان قلت: وان كان عليه بعض اللصوق الطبية، فهل تنزع عنه او لا؟
الجواب: لا باس بنزعها؛ لانها اجنبيةٌ عن جسده ما لم يكن في نزعها مفسدة، كانفجارِ عِرْقٍ او نحوه.
المسألة التاسعة والاربعون : ما حكمُ اغلاق بعض الجروح باصماغ طبية؟
فان قلت: وما حكم وضع او رَقِّ الجرح الذي لا يَلْقَا دَمَا بشيء من الاصماغ الطبية او الصوابين الطبية؟
فنقول: لا باس ولا حرج في ذلك، اذا كنت مَاهِرَا في استخدامها وكنتَ عارفا بطريقته، فلا ينبغي ان يتصرف بهذه المواد الطبية الا العارفون، فينبغي ايضا للمغسلين ان ياخذوا دورةً في مثل هذه الاشياء وكيفية الاستعمال الطبي الصحيح لها.
وكذلك يجوز للمُغَسل ان يَخِيْطَ الجرح الذي ينفجر في حال التغسيل اذا كان عارفا بذلك.
المسألة الخمسون : تظفير شعر المرأة الطويل
فمن السنة اذا كان شعر المراة طويل ان يُظْفَرَ ثلاثُ قرون، ثُمَّ يُلقى وراءها كما نص العلماء على ذلك، ففي الصحيح من حديث اُمّ عَطِية رضي الله عنها في قصة تغسيلها لابنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية البخاري قالت: (فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا) [من حديث أم عطية في صحيح البخاري برقم 1254، وصحيح مسلم برقم 939]
المسألة الواحدة والخمسون : هل يُظفّر شعر الرجل اذا كان طويلا كالمرأة؟
فان قلت: وان كان شعر الرجل طويلا يقرب من شعر المراة فهل نظفره ونلقيه خلفه كما فعلنا للمراة؟
الجواب: لا، وانما نحن فعلنا ذلك بالمراة لانه من جملةِ ما تتزين به في حال حياتها، فإذا كان شعر الرجل طويلا فليس من السنة ان نشبههُ بالمراة هنا؛ لان هذا من جملة زينة المراة، والمتقر عند العلماء باجماع انّ ”كُلّ زينةٍ يختص بها النساء فلا تجوز للرجال والعكس بالعكس الا بدليل الاختصاص“، مثل: كُلُّ لبسة للرجال فلا يجوز للنساء يتشبهن بالرجال فيها، والعكس بالعكس الا بدليل الاختصاص.
المسألة الثانية والخمسون : تعاهد المغابن في التغسيل والتخليل
وينبغي له ايضا ان يَتَعَاهَدُ ما بَيْنَ ما كان في مَغَابِنِهِ، والمَغَابِنُ: هي المواضع التي تنثني فيها البشرة ويجتمع فيها الوسخ والعرق، ومن أمثلتها: كما بين ابطيهِ وما بين فخذيه وفي طَيّاتِ رُكْبَتِهِ وفقرات اصابعه، وان يُخَلِّلَ اصابعه، أي يُدخل أصابعه بين أصابع الميت أو يستعمل الماء لإيصال الماء بين أصابع اليدين والرجلين، كما يُفعل في الوضوء وهكذا.
المسألة الثالثة والخمسون : حرص المغسل الا يَلِجَ شيء من الماء في انف المُيت ولا في فمه
فينبغي للمغسل ان يحرص الا يلج شيء من الماء في انف المُغَسَّلِ -الميت- ولا في فمه، حتى لا يؤدّي ذلك الى تَحَرُّكِ بَاطِنِهِ ثم يؤذيه في خروج شيء من الخارج فيما بعد، فينبغي له حال تغسيل وجهه ان يَسُدَّ انفه وفمه بيده، حتى لا يلج شيء من الماء، فانّهُ يصعُبُ خروجَهُ بعد ذلك.
المسألة الرابعة والخمسون : كيف يصنع المغسل في مسألة الاستنشاق والمضمضة؟
واما في مسالة الاستنشاق والمضمضة، فيكفيه ان يَلُفَّ على اُصبُعِهِ خِرقَةً ثم يُحَرِّكَ بِهَا انْفَهُ، ويُحَرِّكَ بِهَا على لُثَّتِهِ واسنانه، فهذا يقوم مقامَ المضمضة والاستنشاق.
المسألة الخامسة والخمسون : تغسيل الاعضاء المتقطعة
فكيف تغسيل الاعضاء المتقطعة، فما الحُكم اذا انقطع عضو، فهل يُغَسّل ام لا؟
الجواب:
عندنا قاعدة، يقول العلماء انّ ”الجزء له حُكْمُ الكُلّ، فإذا انقَطَعَ مِنْ كُلٍّ يَجِبُ تغسيله فيكون تابعا له في وجوب التغسيل، واذا انقطع من كُلٍّ لا يجب تغسيله فيُدفَنُ بلا تغسيل“.
وهنا ايضا القاعدة: ”ما كان لا يجب تغسيله ولا تكفينه، تسقط عنه حرمةُ الادمية والانسانية لانفصاله عن الادمي“، يعني بمعنى ان لو رميناه في سلة المهملات ما علينا شيء؛ لانها بعد انفصالها سقطت عَنْهَا الحُرْمَة والادمية، فلا تكون بعض الاعضاء لها حرمة الا اذا كانت من كُلٍّ يَجِبُ تغسيله او تكفينه.
امثلة تطبيقية:
فنسأل: لو قُطِعَت قدَمُهُ في الغرغرينة -وهو حيٌّ- في العلمية، ثم مات، فهنا نطبق القاعدة (الجزء له حُكْمُ الكُلّ):
”الجزء" هنا (وهو القدم).
”له حُكْمُ الكُلّ " فالقدم جزء من كل (وهو الجسد).
فنسأل: هل الجسد الان في هذه اللحظة -اي في حال حياته قبل موته- يجب تغسيله؟
جواب: لا، إذا هذا العضو لا يَجِبُ تغسيله؛ لان الجزء يكون تابعا للكل.
فنسأل ايضا: اذا انفصل هذا الجزء بعد موته؟
جواب: فهنا انقطع الجزء من الكل، والكل علينا في حال بعد موته يجب تغسيله، فيأخذ الجزء حكم الكل، فيجب هنا تغسيله.
فنسأل ايضا: لو اننا وجدنا يَدَ مُجَاهِدٍ قد قُطِّعَ، فجسده هناك ويده هنا، فهل نغسلها؟
الجواب: ما نغسلها؛ لان الكُلّ لا يجب تغسيله، فالشيهد لا يغسل.
نسأل ايضا: لو انّ انسانا اصابه حادث -عافانا الله واياكم- ثم دفنا جسده، ولكن بَقِيَت رِجْلُهُ فقدناها، فلم نجدها الا في اليوم الثاني، فوجدناها في مكان ما فهل نُغَسّل هذه الرجل، ام لا نُغسّلها؟
الجواب: القاعدة تقول "الجزء له حُكْمُ الكُلّ“ والان في هذه الحالة الكُل غُسِّل، اذن: الجزء يُغَسل.
فاذن: اذا قُطِعَ جزء من كل يجب تغسيله، فيغسل هذا الجزء، واذا انقطع جزء من كُلٍّ لا يجب تغسيله لا يغسل؛ لان القاعدة تقول: ”التَابِعَ في الوُجُودِ تابِعٌ في الحُكم“، فإذا اليد تتبع الجسد، والجسد يُغَسَّل فاليد تغسل، الجسد ما يُغسل، فاليد ما تغسل.
فهنا اذن نقول ايضا: ماذا نفعل بالرّجْلِ -مثلا- اذا قُطِعَت من جسد الحي؟
نقول: تسقط عنها الادمِيّةُ، وتسقط عنها حُرْمَةُ الانسان، فإمّا ان ترمى، او تدبل.
تم بفضل الله هذا الباب