ضغطة القبر وفتنة القبر
ضغطة القبر وفتنة القبر
قريبا ان شاء الله سيتم تنزيل الدرس
المختصر والخلاصة
تعريف ضغطة القبر وعمومها
ضغطة القبر هي ضمّه والتقاء جانبيه على جسد الميت. هذه الضمة عامة تشمل المؤمنين والكافرين على حد سواء.
ضمة القبر للكافر وعاقبتها
تضيّق على الكافر قبره حتى تختلف أضلاعه، أي يدخل بعضها في بعض من شدة الضيق والضغطة. وتكون ضمة القبر بالنسبة للكافر عذابًا، ثم تزداد شدة ويدوم ضمه أو يكاد يدوم.
ضمة القبر للمؤمن وحكمة وقوعها
ضغطة القبر لا ينجو منها حتى المؤمن أو الولي الصالح. وقد وقعت على سعد بن معاذ على الرغم من اهتزاز العرش لموته وشهادة سبعين ألفًا من الملائكة له. قال النبي ﷺ: "إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجيًا منها لنجا سعد بن معاذ". وتكون هذه الضمة للمؤمن تطهيرًا له وكفارة ورفعًا لدرجاته.
الفرق بين ضمة المؤمن والكافر
المؤمن يُضَمّ ثم يُرخى عنه سريعا. أما الكافر، فيُضَمّ ثم يزداد شدة ويدوم ضمه. ويرفق الله بالعبد التقي ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه.
ضغطة القبر على الأطفال
ضغطة القبر حقيقة شاملة يتعرض لها كل ميت، بمن فيهم الأطفال. فقد قال النبي ﷺ عن صبي دُفِن: "لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي".
النجاة والاستثناء من ضغطة القبر
لا يوجد أي استثناء مؤكد من ضغطة القبر، وكل الأحاديث التي تشير إلى الوقاية منها ضعيفة أو موضوعة، ويُردّ كلام من استثنى الأولياء بحديث سعد بن معاذ.
تعريف فتنة القبر
فتنة القبر هي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملكان. وهي ما يكون فيه من الامتحان والاختبار لكشف ما يُكره.
طبيعة السؤال في فتنة القبر
يسأل الملكان (المنكر والنكير) الميت عن النبي محمد ﷺ. يُقال له: "ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟". ويُطرح السؤال مجردًا دون وصف النبوة أو تعظيم؛ لئلا يصير تلقيناً في موضع الاختبار.
حال المؤمن في الفتنة وعاقبته
إذا كان الرجل صالحًا، يُجلس في قبره غير فَزِع ولا مشعوف. يثبته الله فيجيب بالحق: هو عبد الله ورسوله. يُفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ويُنور له كالقمر ليلة البدر، ويُفتح له باب إلى الجنة. ويُقال له: "نَمْ كنومة العروس".
حال الكافر والمنافق في الفتنة وعاقبتها
يُجلس الكافر أو المنافق في قبره فزعًا مشعوفًا. وعند السؤال يقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. يضربه الملكان بمطراق من حديد. ويُقال للأرض: التئمي عليه، فتضغطه حتى تختلف أضلاعه. ويُفتح له فرجة إلى النار، ويُعذّب.
شدة فتنة القبر
شُبّهت فتنة القبر بفتنة المسيح الدجال في شدتها وهولها. يشتد الهول بمنظر الملكين (أسودان أزرقان) وبيد أحدهما مطراق (مرزبة)، مما قد يجعل الإنسان يفقد عقله من شدة الفزع لولا تثبيت الله.
الثبات في فتنة القبر
الثبات يعتمد على العقيدة السليمة والعمل الصالح. كما يجب الدعاء والاستعاذة من فتنة القبر وعذابه، وهو ما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته.
المستثنون من فتنة القبر (من لا يُسأل)
تخصص بعض الأحاديث أحاديث السؤال، وتبين من لا يُسأل ولا يُفتن في قبره. وهؤلاء هم: المرابط في سبيل الله، الذي يأمن الفُتّان (المنكر والنكير). الشهيد؛ لأن ثباته في المعركة عند لمعان السيوف كفاه فتنة القبر. الصديق، فهو أجلّ خطراً وأحرى ألا يفتن. من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، فإن الله يقيه فتنة القبر.
فتنة القبر لغير المكلفين
اختلف العلماء في سؤال الصبيان والمجانين. القول الأقرب لأكثر أهل السنة أنهم يُسألون، واحتجوا بمشروعية الدعاء لهم بالوقاية من عذاب القبر ووقوع ضمة القبر عليهم. القول الآخر أنهم لا يسألون لأن السؤال إنما يكون لمن عقل الرسول.
فتنة القبر للأمم السابقة
القول الأقرب والراجح هو أن فتنة القبر والسؤال تقع على الأمم السابقة أيضاً. وكل ميت من الأمم السابقة يسأل عن نبيه الذي بُعث فيهم.
مصير الفاسق وأهل الكبائر
النصوص لم تُفصّل مصير الفاسق والعاصي الموحد بعد الفتنة، ولكن العذاب في القبر مؤكد لأهل الكبائر. ويكون هذا العذاب مكفرًا لسيئاتهم، فإن لم يكفِ، استمر إلى البعث ثم النار، بحسب موازين أعماله.
المبحث كامل
﷽
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأُسلّم على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فنحن في هذا الدرس مع ضغطة القبر، وفتنة القبر نعوذ بالله من تلك الفتنة.
المراد بضغطة القبر
والمراد بضغطة القبر : فإنها ضمته والتقاء جانبي القبر على جسد الميت، فضمة القبر هذه التي تضم وينضم طرفا القبر على جسد الميت، فهي عامة للمؤمنين والكافرين.
- فقد جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الحديث الطويل وقال فيه : .. ”فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ، فَأَفْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ“. [رواه أحمد: 18534، وصححه الألباني في المشكاة: 1630]. والأضلاع: عظام الجنب، يعني يدخل بعضها في بعض من شدة التضييق والضغطة.
- وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبي الله ﷺ قال: إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيُقال: انظر إلى مقعدك من النار، فقد أبدلك الله به مقعدا في الجنة، قال رسول الله ﷺ: فيراهما جميعا (مقعده الذي في النار ومقعده الذي في الجنة، يعني ليعرف نعمة الله عليه وتعظم هذه النعمة في عينه؛ لأنه يرى لو دخل المقعد الآخر ماذا سيكون عذابه)، قال: وأما الكافر والمنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقول له: لا دريتَ ولا تليتَ، ثم يُضرب بمطراق من حديد ضربة بين أُذنيه فيصيح صيحة فيسمعها من يليه غير الثقلين، ويُضيّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. [رواه أحمد: 12271، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 1930].
وهنا السؤال : هل أولياء الله تعالى والمؤمنين تشملهم ضمّة القبر وضغطته؟
الجواب : لقد دلّت النصوص أن ضغطة القبر لا ينجو منها حتى المؤمن، وحتى الولي من أولياء الله.
- روى البيهقي في دلائل النبوة عن جابر رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات؟ فُتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش؟ فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد بن معاذ" [دلائل النبوة للبيهقي: 4/29].
من هو سعد بن معاذ ؟ هو : سَعد بن مُعاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأنصاري الأوسي، كنيته ابو عمرو، كان سيد قبيلة الأوس في المدينة، أسلم على يد مصعب بن عمير قبل الهجرة، وكان سببًا في إسلام أكثر قومه من الأوس، شهد بدرًا وأحدًا والخندق، ولما حَكَم في بني قريظة بما وافق حكم الله، واليهود كانوا حلفاؤه، وضحى بهم وأفتى بقتل رجالهم واسترقاق نسائهم وأطفالهم، ووافق حكم الله من فوق سبع سماوات: قال النبي ﷺ:“لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات” (رواه البخاري 3043، مسلم 1768)، وأُصيب يوم الخندق بسهمٍ قطع أكحله، فمكث جريحًا شهرًا ثم تُوفِّي سنة خمسة هجري، نزل النبي ﷺ بنفسه في قبره، فعاش سبعة وثلاثين عاما فقط، لكنها كانت مليئة بالجهاد والبطولات، قال ابن حجر في الإصابة (3/117):“له أربعة أحاديث” وقد روى مسلم منهم حديثا، فكان صدّيْقَاً : من السابقين الأولين من الأنصار، آمن بالله ورسوله بلا تردد، وصدّق بما جاء به النبي ﷺ، وقوله في بيعة العقبة مع قومه: “آمنا بك وصدقناك” شاهد على علو مرتبته في الصدّيقية، وكان صالحا : كان سيد الأوس، ومع ذلك لم تغره الدنيا، بل بذل نفسه في سبيل الله وتنازل بملكه للنبي ﷺ، وكان شهيدا.
فإذن لما جاء جبريل، ما كان النبي ﷺ يدري أن سعدا مات، لكن لما جاءه الخبر من جبريل أن عبدا صالحا فتحت له أبواب السماء، فخرج يبحث من الذي مات من أصحابه من هو هذا العبد الصالح ؟ فإذا هو سعد قد انفجر كُلْمُه (اي سال جرحه بالدم بغزارة) ومات قال: فجلس على قبره... الحديث. [دلائل النبوة للبيهقي: 4/29]. قال الذهبي في السير: "وقد تواتر قول النبي ﷺ إن العرش اهتز لموت سعد فرحًا به" [سير أعلام النبلاء: 1/29].
والعرش خلق لله مسخّر إذا شاء أن يهتز اهتز بمشيئة الله، وجعل فيه شعورًا لحبّ سعدٍ كما جعل تعالى شعورا في جبل أُحد لحبه النبي ﷺ، وقال تعالى: يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ: 10]، يعني: الجبال تتجاوب مع الذكر الذي يذكره داود ﷺ. وقال ﷻ : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ [الإسراء: 44] السماوات تسبح والأرض مع أنها جماد تسبح، ثم عمّم فقال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44]. وهذا حق، وفي صحيح البخاري قول ابن مسعود: ”كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل“ [رواه البخاري: 3579]، ولا طريقة إلا الإيمان والتسليم.
- عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: ”إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا لَنَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ“. [رواه أحمد: 24283، وقال الذهبي في السير: إسناده قوي. سير أعلام النبلاء: 1/291، وصححه الألباني قال: "وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب" [رواه أحمد في المسند (6/55)، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (6807)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1695) وفي أحكام الجنائز (75)].
- وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا دُفِنَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، سُبِّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَكَبَّرَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا رَأَيْنَاكَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ فَقَالَ: ”تَضَامَنَ عَلَيْهِ الْقَبْرُ، لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْهُ لَنَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَلَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ رُخِّيَ عَنْهُ“. [رواه أحمد في المسند (2/231)، والنسائي في السنن الكبرى (4/72)، وابن حبان في صحيحه (3110)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1695)]
- وروى النسائي عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: هذا الذي تحرك له العرش - يعني سعد بن معاذ رضي الله عنه - وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفا من الملائكة، (كل هذه الميزات ومع ذلك قال ﷺ) : لقد ضُمّ ضمّة ثم فُرِّجَ عنه. [رواه النسائي: 136، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي: 2055].
فاذن سعد بن معاذ، اهتزَّ له عرش الرحمن، فتحت له ابواب السماء عظما لشأنه، فهو (شهيد، وولي، وصالح، وصحابي، وصدِّيق، ويعتبر من علماء الصحابة وفقهائهم)، وشهده سبعون الفا من الملائكة، ومع ذلك لم يسلم من ضمة القبر؛ فإذن، الضمة حاصلة حاصلة على الجميع، وهذا مما يستسلم فيه المؤمن لأمر الله.
وقفه : جاءت روايات ضعيفة في سبب ضم القبر لسعد بن معاذ لكنها لا تثبت، بل قال الألباني عن بعضها منكرة؛ وفيها ما لا يليق بالصحابي سعد رضي الله عنه، ففي بعض الروايات أنها بسبب كان يقصر في الاستنزاه من البول، ومثل سعد على جلالة قدره لا يمكن أن يفرّط في مثل هذا، وهو من الأنصار وكانوا يحسنون التطهُّر بالماء وقد قال الله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222]، ونزلت في أهل قُباء نزلت فيهم؛ لأنهم يُحسنون الطهارة.
- فأما بالنسبة للكافر فإنها تكون عذابًا.
- وأما بالنسبة للمؤمن فإنها تطهير له، وكفارة، ورفع لدرجاته.
قال العلماء : جميع ما يحصل للمؤمن أن أنواع البلايا حتى في أول منازل الآخرة وهو القبر وعذابه وأهواله هو مما اقتضته الحكمة الإلهية من التطهيرات ورفع الدرجات ولا ينا في ضم القبر لسعد رضي الله عنه، واهتزاز العرش فرحا بموته؛ لأن دون البعث زلازل وأهوال لا يسلم منها ولي ولا غيره، ولكن بعد ذلك الامر يكون : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم: 72].
قال الذهبي - رحمه الله - في السير تعليقا على حديث سعد رضي الله عنه: ”هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، (اي بالنسبة للمؤمن) بل هو أمر يجده المؤمن، كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، (فعند الاحتضار إذا خرجت النفس في سكرات فيها شدة)، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله وألم الورود على النار ونحو ذلك“.
ثم قال : ”فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد، وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يَرفُقُ الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه، فنسأل الله تعالى العفو واللطف الخفي، ومع هذه الهزات“
ويقول: ”فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء رضي الله عنه، كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هولٌ في الدارين ولا روع ولا ألم ولا خوف، سل ربك العافية وأن يحشرنا في زمرة سعد“ [سير أعلام النبلاء: 1/290].
إذن ضمّة القبر للمؤمن : مثل ألم المرض، وألم فقد الولد، والم السكرات، ومن جملة ما يصيبه من المصائب، يستفيد منها المؤمن في رفع الدرجاته، وتكفير سيئاته، والله ﷻ يرفق به، وهذا كلام الامام الذهبي رحمه الله.
المؤمن ضمة ثم يراخ القبر، أما الكافر ضمة ثم يزداد شدة، وضمة القبر ليست خاصة بالكافر أو الفاسق وإنما هي لجميع الناس، غير أن المؤمن الكامل ينضم عليه ثم ينفرج عنه سريعا، الضمة حاصلة حاصلة، لكن المؤمن تنفرج بسرعة، والمؤمن العاصي، يطول ضمه ثم يراخى عنه بعد، والكافر يدوم ضمه، أو يكاد يدوم، قاله المناوي في فيض القدير: "فالقبر ينضم على المؤمن فتدركه الرحمة وعلى قدر مجيئها يتخلص من الضمة، فإن كان محسنا فإن رحمة الله قريب من المحسنين" [فيض القدير: 5/313].
الخلاصة : هي حقيقة يمر بها الجميع، للكافر: تكون عذابًا. وللمؤمن: تكون تطهيرًا، وكفارةً لسيئاته، او رفعة لدرجاته.
هل الطفل في القبر يضغط ؟
- روى الطبراني عن أبي أيوب رضي الله عنه، أن صبيًا دفُن، فقال رسول اللهﷺ : لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي، [قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح" في مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ ومَنبَعُ الفَوَائِدِ: 3/47، وصححه الألباني في سلسلته الصحيحة: 2164].
- وعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ صلّى على صبي أو صبية، فقال: لو كان أحدٌ نجا من ضمة القبر لنجا هذا الصبي. [قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون" [مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ ومَنبَعُ الفَوَائِدِ 3/47، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2164].
تنبيه : ذكر بعضهم أن الأولياء يستثنون، ولكن كلامهم مردود لحديث سعد، فإن سعدا من أولياء الله ولا شك، ومع ذلك لم يستثن.
هل هناك استثناء لاحد ؟ ورد حديث في استثناء فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وهذا الحديث رواه الطبراني عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي خلع رسول الله ﷺ قميصه وألبسها إياه، ونزل في قبرها ﷺ، قال: فلما سوى عليها التراب، قال بعضهم: يا رسول الله رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه بأحد، قال: إني ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، (ثم قال في سبب نزوله في القبر معها) : قال: لأخفف عنها من ضغطة القبر إنها كانت أحسن خلق الله صنيعا إليّ بعد أبي طالب. [لكن الهيثمي قال رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: 9/257]. وكذلك ورد حديث ضعيف في الوقاية من ضغطة القبر، بل قال الألباني في سلسلته: موضوع؛ وهو حديث عبد الله بن الشِّخّيْر مرفوعا: ”من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه، لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفّها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة“.[رواه الطبراني في الأوسط: 5785، والأصبهاني في الحلية: 5785، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة: ”موضوع“: 301].
وهنا قول للعلماء لا بد من ذكره : بعض أهل العلم حاول أن يقول إن الضغطة في القبر هذه بالنسبة للمؤمنين مثل ضم الأم وليدها، قال النَسَفَي: ”يقال، إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم - يعني الأرض - ومنها خُلقوا، فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما رُدُّوا إليها ضمتهم ضمة الوالدة، غاب عنها ولدها ثم قَدِمَ عليها، فمن كان لله مطيعا ضمته برأفة ورفق، ومن كان عاصيًا ضمته بعنف سخطا منها عليه لربها“، ولكن يخالف ظاهر حديث سعد، فإن النبي ﷺ أشفق عليه من ضمة القبر، والله ﷻ يرفق بمن يشاء ويرحم من يشاء، ولكن هذه الضغطة ثابتة، وظاهرها أنها على الجميع، فلو نجا أحد لنجا سعد.
فالخلاصة : "ضمة القبر" هي حقيقة شاملة يتعرض لها كل ميت، بمن فيهم الأطفال والأولياء الصالحون مثل سعد بن معاذ. ولا يوجد أي استثناء مؤكد من هذه الضمة، وكل الأحاديث التي تشير إلى الوقاية منها ضعيفة أو موضوعة.
عرفنا الضغطة، ونريد الكلام عن الفتنة.
- قال الحافظ - رحمه الله -: "قال أهل اللغة الفتنة الامتحان والاختبار، واستعمالها في العُرف لكشف ما يُكره، وأما فتنة القبر فهي ما يكون فيه من الامتحان والاختبار" [فتح الباري لابن حجر: 2/318].
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : "أما الفتنة في القبور، فهي الامتحان والاختبار للميت، حين يسأله الملكان فيقولان له: ”ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم محمد؟“ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن : ”الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي“، ويقول : ”هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى فآمنّا به واتبعناه“، فينتهرانه انتهارة شديدة، وهي آخر فتنه التي يُفتن بها المؤمن، فيقولان له كما قالا أولا، وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في هذه الفتنة، من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم" [مجموع الفتاوى: 4/257].
اذن فتنة القبر : هي الامتحان والاختبار للميت، حين يسأله الملكان.
- روى مسلم من حديث عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرتِ أنكم تفتنون في القبور ؟ قالت: فارتاع (اي فَزِعَ) رسول الله ﷺ، وقال: ”إنما تُفتُن يهود“، قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ: ”هل شعرتِ (يعني: هل علمت) أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟“ قالت عائشة: ”فسمعت رسول الله ﷺ بعدُ يستعيذ من عذاب القبر“ [رواه مسلم: 584]. قولها: "فارتاع" الارتياع الفزع، والمراد أنه صار ذلك الكلام عنده بمنزلة خبرٍ لم يسبق به علم، ويكون شنيعا منكرًا، ثم ردّه، ففي البداية النبي ﷺ لما سمع من اليهودية أنها تقول عن المسلمين يفتنون في القبور، قال هم إنما تُفتُن يهود، ففي البداية رد أن المسلمين يفتنون في القبر، بناء على أنه لم يوح إليه بذلك، وأن فتنة القبر الجزم به متوقف على الدليل؛ ولأنه ﷺ ما كان عنده علم بهذا، فرده في البداية، وفي هذا فائدة: أنه يجوز إنكار الشيء ما لم يأت الدليل على أنه حق، وأهل الكتاب كان عندهم علم بهذه المسألة، الحديث يدل على ذلك، أن هذه اليهودية كانت تعلم بالعلم الذي كان عندهم من الكتاب السابق أن هناك فتنة في القبر، ثم أوحي إلى النبي ﷺ بتأكيد ذلك.
- وروى الإمام أحمد عن عائشة قالت: "جاءت يهودية فاستطعمت على بابي فقالت: أطعموني أعاذكم الله من فتنة الدجال، ومن فتنة عذاب القبر، قالت: فلم أزل أحبسها حتى جاء رسول الله ﷺ، فقلت : ”يا رسول الله ما تقول هذه اليهودية؟“ قال: وما تقول؟ قلت: ”تقول أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر“ قالت عائشة: ”فقام رسول الله ﷺ فرفع يديه مدا يستعيذ بالله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر“، ثم قال: ”أما فتنة الدجال فإنه لم يكن نبيٌ إلا قد حذّر أمته“... الحديث،،،
اولا: فتنة المؤمن : ثم قال: ”فأما فتنة القبر فبي تفتنون، وعني تُسْألون، فإذا كان الرجل الصالح أُجلِسَ في قبره غير فَزِعٍ ولا مَشْعُوف (الشعوف شدة الفزع حتى يذهب بالقلب)، ثم يُقال له فيم كنت؟ فيقول في الإسلام، فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول محمد رسول الله ﷺ، جاءنا بالبينات من عند الله ﷻ فصدّقناه، فيفرج له فرجة قِبَلَ النار، فينظر إليها يَحطِمُ بعضها بعضا، فيقال له : انظر إلى ما وقاك الله ﷻ، ثم يُفرج له فرجة إلى الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له : هذا مقعدك منها، ويُقال: على اليقين كنتَ، وعليه متَ، وعليه تُبعث إن شاء الله“،
ثانيا: فتنة الكافر او الفاسق : ثم قال ﷺ : وإذا كان الرجل السُّوء، أُجلِس في قبره فزعا مشعوفا، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولا فقلت كما قالوا، فتفرج له فرجة قِبَلَ الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف الله ﷻ عنك؟ (اي حُرِمْتَ) ثم يفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، ويقال له هذا مقعدك منها، كنتَ على الشك، وعليه مُتَّ، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم يُعذّب. [رواه أحمد: 25089، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3556]. وينظر إلى النار يحطم بعضها بعضا لأنها تحطم ما يلقى فيها، ومن شدة المزاحمة التي تكون فيها، ويقال للمؤمن على اليقين تبعث إن شاء الله، وللكافر على الشك كنت وعليه تبعث إن شاء الله، وهذا الاستثناء - اي كلمة ان شاء الله - للتبرُّك وليس للشك. وقوله: ولا مشعوف شدة الفزع حتى يذهب بالقلب، وذهب ابن حجر الهيتمى إلى أن النفي في الحديث لأصل الفزع وخالفه القاري فذهب إلى أن أصل الفزع ثابت، وأن هذا هو الذي تدل عليه الأحاديث.
الخلاصة : "فتنة القبر" هي امتحان واختبار للميت في قبره، حيث يسأله الملكان عن النبي محمد ﷺ. يثبت المؤمن في إجابته فيُفتح له إلى الجنة، بينما يفزع الكافر أو المنافق ولا يستطيع الإجابة فيُعذب بعد أن يُفتح له إلى النار.
لماذا يُقال محمد ﷺ ولا يُقال رسول الله ﷺ ؟
نلاحظ انه يقال للمؤمن ما هذا الرجل؟ ويقال له: محمد بدون تعريفه بأنه رسول الله ﷺ فلماذا؟ قال العلماء : لم يذكر في السؤال بوصف النبوة، ولا بوصف يُشعر بالتعظيم، وإنما يقال ”ما هذا الرجل“؛ لئلا يصير تلقينا، لأن الموضع الآن موضع اختبار، وفي الاختبار يأتي السؤال مجردا لا التلقين، ولذلك؛ يقولون ”ما هذا الرجل الذي بعث فيكم“.
فنتائجها إما عذاب وإما نعيم؛ فهي مقدمة لعذاب القبر أو نعيمه، وسبب من أسبابه.
- روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
حال المؤمن : ”إإِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ – أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ – أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ («أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ»: أي لونهما أسود، وأعينهما زرق؛ وصفٌ يورِث الهيبةَ والفزعَ على المنافق والكافر)، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَلِلآخَرِ: النَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَيَقُولَانِ: إِنَّا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ: نَمْ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرْهُمْ. فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ. حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ“.
حال الكافر او الفاسق : ” وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: إِنَّا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ. فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ («التَئِمِي»: أي انضمّي واجتمعي عليه. «تَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ»: تضغطه الأرض حتى تتداخل أضلاعه من شدّة الضيق.)، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، فَيَزَالُ عَنْهُ مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ. [رواه الترمذي (1071). ورواه ابن حبان في صحيحه (3113). والبيهقي في إثبات عذاب القبر. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (865)]. إذن إذا قُبِرَ الميت ودفن: ”جاءاه“ وعند البخاري ومسلم: ”فيقعدانه“.
- وفي رواية الحاكم وابن حبان عن أبي هريرة: ”إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وَضَعَ فِي قَبْرِهِ، إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا: كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ، وَفِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: “مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ” (أي لا سبيل للعذاب من ناحيتي، فلا يدخل الضيق من هنا)، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ الصِّيَامُ: “مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ”، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ شِمَالِهِ فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: “مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ”، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ فَيَقُولُ: “فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ”، فَيُقَالُ لَهُ: اجْلِسْ، فَيَجْلِسُ. قَدْ مَثَّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ عِنْدَ الْغُرُوبِ“. (ليصدق الموقف، وكأنه ما زالت الحياة قائمة، وليرد السؤال عند منادٍ: “ما تقول في هذا الرجل؟“) [ في «المستدرك على الصحيحين» (الحاكم) برقم 1443، صحيح ابن حبان – الإحسان، برقم 3111، صححه في السلسلة الصحيحة (رقم 1395) ].
- وفي سنن ابن ماجة، من حديث جابر قال النبي ﷺ: إذا دخل الميت القبر، مُثّلت الشمس عند غروبها، فيجلس يمسح عينيه ويقول دعوني أصلي. [رواه ابن ماجة: 4272، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة:4272]. وقوله: مثلت يعني: صورت، الله على كل شيء قدير، فاذا اقعد المؤمن في القبر تمثل له الشمس على وشك الغروب، عند غروبها، ويُسأل: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ قال القَسْطَلَّانِي - رحمه الله -: "عبّر بذلك امتحانا؛ لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل" [مرقاة المفاتيح: 1/204]. اي يقول ما كان يقوله قبل الموت، ”قد كنا نعلم أنك تقول هذا“ فالملكان يتكلمان، وأن عندهم علم من الله ﷻ، وأن في الميت هذا من النور والأثر ما يجعلانهما يعلمان أنه من أهل السعادة، قال : يفسح يوسع سبعون ذراعا في سبعين الطول في العرض، ثم ينور له فيه في هذا القبر الموسع، والحديث حسن.
- وروى ابن حبان قوله ﷺ : المؤمن في قبره في روضة، يَرْحُبُ له قبره سبعين ذراعا ويُرْحَبُ له قبره سبعين ذراعا، وينور له كالقمر ليلة البدر. [رواه ابن حبان: 3122، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3552].
إذن : نور المؤمن في القبر كالقمر ليلة البدر، ومساحة القبر سبعون في سبعين والصحيح انه مد البصر وانما الرقم كمثل للكبر والوسع، وكيف تكون هذه المساحة ؟ ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون ماذا يقول الميت ؟ فيقول الميت بعدما نجح في الامتحان لعظيم السرور الذي رآه دخل عليه؛ التوسعة والإنارة والاخضرار، فيقول: ”أرجع إلى أهلي“ اي أريد الرجوع أو هو استفهام: بمعنى هل يمكن أن أرجع إلى أهلي لأخبرهم أن حالي طيب، وأنه لا حزن عليّ ليفرحوا بذلك ؟ ماذا يقول له الملكان ؟ فيقولان: ”نم كنومة العروس“، ليس الآن، لا رجوع الآن، نم كنومة العروس، يطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما في الزواج لكل واحد منهما عروس، الذي ”لا يوقظه إلا أحب أهله إليه“، ولماذا شبهها بنومة العروس ؟ شبهها بنومة العروس دلالة على طيب عيشه في القبر، وعزّته وتعظيمه عند أهله، من الذي يأتيه غداة ليلة زفافه ؟ أعطف وأرفق وألطف، يوقظه على الرفق واللطف.
”نم كنومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه“ حتى يبعثه الله في :
طيب العيش هذا في القبر، في السعة، والإنارة، والاخضرار، مع الأنس بعمله الصالح الذي يكون معه يؤنسه، مع النظر إلى مقعده من الجنة، مع ما يأتيه من طيبها، ومع ما يلاقي من أرواح المؤمنين من إخوانه، يأكل من شجر الجنة، وإذا كان شهيدا مع ما يأوي إلى القناديل المعلقة تحت العرش.
وأما الآخر ”سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري“، هل هو نبي او ليس بنبي، ”لا أدري“، فيقال للأرض : ”التئمي“ انضمي واجتمعي عليه، ”فتختلف أضلاعه“ عظام الجنب تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة الضغط، وتجاوز جنبيه من كل جانب إلى الجانب الآخر، فتداخل الأضلاع في بعض، فلا يزال فيها - أي في الأرض، أو في تلك الحالة - حتى يبعث الله من في القبور، وغيرها مما ذكر في عذاب الميت.
وروى البخاري ومسلم عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم. [رواه البخاري: 832، ومسلم: 589].
فتنة المحيا ما يعرض للإنسان في مدة حياته من الافتتان بالشبهات والشهوات والجاهلات، وأعظمها ما يكون عند الموت.
وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت؛ فأضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وفتنة القبر غير عذاب القبر؛ لأن عذاب القبر نتيجة فتنة القبر، وهذا السبب والمسبَّب، فالسبب الفتنة، والمسبب النعيم أو العذاب، وفتنة المحيا قد يدخل فيها أيضا الابتلاءات، وفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة، وفتنة الدجال داخلة في فتنة المحيا، لكن لأنها شديدة جدا أُفردت بالذكر. (المأثم : المعاصي التي تُضعف الدين وتُبعد عن الطاعة، والمغرم : الديون التي قد تجرّ صاحبها للكذب وخلف الوعد؛ لأن من ثقل عليه الدَّين قد يضطر للكذب أو التأجيل أو الاعتذار بغير الحق.)
- وسئل سفيان الثوري عن الفتنة ؟ فذكر ما يكون من ترائي الشيطان له، وقال عمرو بن مُرّة: "كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا اللهم أعذه من الشيطان" بما يحصل من تعرض الشيطان له.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في العقيدة الواسطية بعد ذكر فتنة القبر ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب" [شرح العقيدة الواسطية للعثيمين: 2/120].
- وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح: ”ثم هذه لمطلق الترتيب، وليست للتراخي" يعني "ثم" بعد الفتنة "ثم" ليس هناك فاصل ولا فارق بينهما؛ لأن الإنسان يعذب أو ينعم فورا“ [شرح العقيدة الواسطية للعثيمين: 2/119]. يعني بعد الأسئلة فورا نعيم أو عذاب.
اذا مباشرة النعيم او العذاب بعد الفتنة : وكما سبق أنه إذا قال ”لا أدري“ يُضرب بمرزبة، فالضرب مباشرة، وأن ذاك الذي أجابه بالصواب ”يفتح له باب إلى الجنة“ اي يوسّع له في قبره مباشرة بعد السؤال، ولعله لأجل ذلك قرنت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بين ما أخبرها به النبي ﷺ من أن هذه الأمة فعلا تُفتن في القبور، وأنه ﷺ صار بعدها مباشرة يتعوذ بالله من فتنة القبر ويستعيذ بالله من عذاب القبر.
- وفي الصحيحين عن أسماء أنها قالت في صلاة النبي ﷺ في الكسوف، أنه قال لما انصرف من صلاته حمد الله وأثنى عليه قال: قام رسولُ اللهِ ﷺ فخطبنا، فذكر فتنةَ القبرِ التي يُفتن فيها المرءُ، فلما ذكر ذلك ضجَّ المسلمون ضجَّةً. قال: “قد أوحي إليَّ أنكم تُفتنون في القبورِ قريبًا أو مثلَ فتنةِ الدجالِ، يُؤتَى أحدُكم فيُقال له: ما علمُك بهذا الرجلِ؟ فأما المؤمنُ أو الموقنُ فيقول: محمدٌ رسولُ اللهِ، جاءنا بالبيناتِ والهدى، فأجبْنا وآمَنَّا واتَّبعنا. فيُقال له: نَمْ صالحًا قد علمنا إن كنتَ لمؤمنًا. وأما المنافقُ أو المرتابُ فيقول: لا أدري، سمعت الناسَ يقولون شيئًا فقلتُ مثله“ [روى البخاري (رقم 1379) ومسلم (رقم 2867)].
- وقال ﷺ من حديث عائشة في صحيح مسلم: إني قد رأيتكم تُفتنون في القبور كفتنة الدجال، يعني فتنة شديدة جدا وامتحان هائل جدا، لكن: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: 27].
الخلاصة :المؤمن يثبت ويجيب بالحق، فيُوسع له في قبره وينعم، بينما المنافق أو المرتاب يعجز عن الإجابة فيُعذب. هذه الفتنة عظيمة الشدة، وشبهت بفتنة المسيح الدجال.
فوجْه الشبه بين فتنة الدجال وبين فتنة القبر؛ لأنه قال: ”أوحي إلي إني قد رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال“ [رواه مسلم: 903]. فكيف فتنة الدجال في الشدة والهول؛ والدجال معه اشياء تحير الألباب، جنة ونار وأنهار، يحيي الموتى بإذن الله أمام الناس، فإذا علمنا أن النبي ﷺ قال: ”ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أكبر من فتنة الدجال“ تبين لنا كيف يكون هول فتنة القبر، والهول في أشياء عدة :
- فمنها: مثلا (يكفي فقط) في فتنة القبر شكل الملكين، قال ﷺ: إذا قُبِرَ الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير. [رواه الترمذي: 1071، وحسّنه الألباني في المشكاة: 130]. يقال لأحدهما: المُنْكَر والآخر النَكِيّر؛ لأنه لا يعرفهما أحد، والمنكر ضد المعروف، فليسا بمعروفين؛ لأن الميت لم يعرفهما ولم يرهما من قبل، ولم ير صورة مثل صورتهما أصلا، فيفاجأ بمنظر مخيف، وفي حديث البراء: ”فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه“ فيقولان: من ربك ؟ وهذه الشدة ينهار لها كل قوي، إلا من ثبته الله، وغير هذا بيد الملك مطراق ”مرزبّة“، فإذا رأى الشخص في قبره ”ملكان أسودان أزرقان“ مع الواحد ”مرزبّة“، كيف سيكون؟ فإذا انسان في هذه الحالته النفسية مرعوب وفي اختبار فهل يستطيع ان يجيب؟ فإذن، هذه المسألة تحتاج فعلا إلى تفكير منا كثير جدا. في رواية الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال عند سؤال الملكين: ”ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله“، فيقول: ”صدقت“ (الله ثبته وإلا أصلا منظر الملك يخاف ويفزع وينعقد لسانه ولا يجيب بشيء، فالإنسان من الفزع المفترض لا يستطيع أن يتكلم، فلو أن الله ثبتّه بما كان عليه في الدنيا من الإيمان والعمل الصالح، وإلا ما استطاع يجيب)، ثم قال ﷺ: ”وإن كان كافرا أو منافقا“، يقال له : ما تقول في هذا الرجل ؟ فيقول: ”لا أدري سمعت الناس يقولان شيئا“، فيقول : ”لا دريتَ ولا تليتَ ولا اهتديتَ“لم يثبه الله [رواه أحمد: 11000، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 3394].
لما سمعوا بعض الصحابة الاحاديث، ومن خوفهم وخشيتهم من الله، فقال بعض القوم: ”يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه ملكان في يده مطراق إلا هَبِلَ عند ذلك؟“ ملك في يده مطراق يعني من الذي يثبت الآن ليجيب من الذي سيكون عنده قلب ورابط الجأش حتى يجيب؟ فقال رسول الله ﷺ: ”يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت“ [رواه أحمد: 11000، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 3394]. فملكان وفي رواية ”ملك معه مطراق“ والمطراق آلة الضرب، ومر معنا في حديث البراء ”مرزبّة“. ومعنى هبل أي فقد عقله من شدة الخوف والفزع.
ولأجل ما أخبر به النبي ﷺ من هول هذه الفتنة، فزع الصحابة كما في البخاري من حديث أسماء: قام رسول الله ﷺ خطيبا، فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضجّ المسلمون ضجّة" [رواه البخاري: 1373]. وفي رواية النسائي: قام رسول الله ﷺ فذكر الفتنة التي يفتن بها المرء في قبره، فلما ذكر ذلك ضجّ المسلمون ضجّة حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ" [رواه النسائي: 2062، وصححه الألباني في المشكاة: 137]، يعني الصحابة ما تحملوا لما سمعوا الكلام ما تحملوا. وفي البخاري: "ولغط نسوة من الأنصار فانكفأت إليهن لأسكتهن، فقلت لعائشة ما قال؟ قالت: قال: ”ما من شيء لم أكن أريته إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور“ الحديث [رواه البخاري: 922].
اذا ما الحل؟
اولا العقيدة السليمة والعمل الصالح : قال الشيخ ابن عثيمين: ”وما أعظمها من فتنة؛ لأن الإنسان يتلقى فيها السؤال الذي لا يمكن الجواب عنه إلا على أساس متين من العقيدة والعمل الصالح“ [شرح العقيدة الواسطية للعثيمين: 2/109]. فيثبت الله المؤمن ولو كان ضعيف البنية، ولو كانت امرأة أصلا في الدنيا سريعة الفزع، لكنها إذا كانت من أهل الإيمان والدين، وكان هذا الرجل من أهل الإيمان والدين، يثبته الله؛ ولذلك عائشة - رضي الله عنها قالت: ”يا رسول الله تبتلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة“ ؟ يعني إذا الرجل يخاف ويفزع فكيف أنا المرأة فقال ﷺ: ”يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ“ [إبراهيم: 27]، [قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات مجمع الزوائد: 3/53، وصححه الألباني في صحيح الترهيب: 3556].
ثانيا الدعاء والاستعاذة : لقد كان النبي يستعيذ بالله من شرها؛ حتى أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم ومن فتنة القبر وعذاب القبر [رواه البخاري: 6368]، من الثنتين: من فتنة القبر وعذاب القبر، فالفتنة سؤال الملكين، والعذاب عرفناه.
والدعاء للغير ايضا، فمن هولها كان ﷺ يدعو الله أن يعيذ من مات من أصحابه منها، فروى مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي ﷺ قال: سمعت النبي ﷺ وصلّى على جنازة يقول: اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسِّع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وقِه فتنة القبر وعذاب النار. قال عوف لما سمع هذه الأدعية: ”فتمنيتُ أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت“ [رواه مسلم: 963].
وجاء أيضا عن واثلة بن الأسقع: صلّى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقِه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم. (في ذمتك يعني: أمانك وحبل جوار كالعهد والحفظ، وفي سبيل قربك وهو الإيمان، وقيل المعنى أنه متعلق ومتمسك بالقرآن كما قال الله: ”وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ“ [آل عمران: 103]، والمراد بالجوار الأمان، وهذا الحبل الذي يورث الاعتصام وبه الأمن والأمان والإسلام، وقوله: من فتنة القبر، يعني: السؤال والامتحان، وعذاب القبر ما يكون فيه من الظلمة والمجيء من النار بما يأتي منها، وقوله: أنت أهل الوفاء. يعني بالوعد والحق يعني أنت أهل الحق وأنت الغفور للسيئات الرحيم كثير الرحمة. [رواه أبو داود: 3202، وصححه الألباني في صحيح أبي داود]
المجاهد والمرابط في سبيل الله
- روى مسلم عن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ”رباط يوم وليلة“ (أربعة وعشرين ساعة مرابط في سبيل الله في الثغر بين المسلمين والكفار على الحدود بين بلاد المسلمين والكفار، في المناطق الخطرة التي لو أراد الكفار الهجوم على بلاد المسلمين هؤلاء الذين على الثغور أول من سيكون في المواجهة، وهو خط المقدمة، فهذا المرابط) يقول ﷺ : ”رباط يوم وليلة، خير من صيام شهر وقيامه“؛ (لأنهم يحرسون البلاد يحرسون المسلمين في البلد كله من شر الكفار، ولأنهم يتلقون الهجمة أول ما تحدث، فوضعهم خطير)، قال: ”وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأمن الفُتَّان (او الفَتَّان)“. [رواه مسلم: 1913]. قال النووي - رحمه الله -: "هذه فضيلة ظاهرة للمرابط وجريان عمله بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركها فيها أحد" [شرح النووي على مسلم: 13/61]. وقد جاء صريحًا في غير مسلم: ”كل ميت يُختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمّى له عمله إلى يوم القيامة“ [رواه الحاكم في المستدرك: 2417، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه]. لأنه هناك خوف من الذي يحرس، ومع الخوف الشديد، ومع ذلك ثابت. وقوله ﷺ: ”وأُجري عليه رزقه“ موافق لقول الله عن الشهداء: ”أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ“ [آل عمران: 169]، وقوله: ”من رابط“ لازم الثغر للجهاد ”جرى له مثل ذلك“ يعني لو انقطع عمله هذا فضل من الله تعالى؛ لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله، وهذا فدى بنفسه المسلمين وكان شوكة في حلوق الكافرين، وكان حارسا يقظا لأهل الإسلام؛ ولذلك يقيه الله ”الفُتَّان (او الفَتَّان)“، الفُتان جمع فاتن، والفَتَّان صيغة مبالغة، والمراد المنكر والنكير فإنهما لا يأتيان إليه للسؤال إذا مات المرابط، لا يأتيان إليه للسؤال، بل يكفي موته مرابطا في سبيل الله يكفي ذلك شاهدا على صحة إيمانه، فلا يأتيانه، وقيل: ”إذا أتياه لا يضرانه ولا يزعجانه“.
- وفي رواية الترمذي عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: ”كل ميّت يُختم له على عمله، إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر“. [رواه الترمذي: 1621، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 4562]. وربط نفسه وسجنها وصيرها جيشا لله لمحاربة أعدائه، فإذا مات على هذا فقد ظهر صدقه فوقي فتنة القبر.
ما ذكر عن من مات في الطاعون
نقل السيوطي عن ابن حجر: أن الميت بالطاعون لا يُسأل؛ لأنه نظير المقتول في المعركة وبأن الصابر بالطاعون محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إذا مات فيه حتى بغير الطاعون لا يُفتن؛ لأنه نظير المرابط" [ذخيرة العقبى في شرح المجتبى: 20/93]،
الصِّديْقُ اكبر قدرا من الشهيد
بداية من هم الصديقون ؟ ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: ”أن “الصديقين” هم: الذين كملت معرفتهم وصدقوا يقينهم وعملهم“. واكملهم ابو بكر الصديق رضي الله عنه قال النبي ﷺ:(ما طلعت الشمس على رجلٍ خيرٌ من أبي بكر، وما غربت على رجلٍ بعد النبيين والمرسلين خيرٌ من أبي بكر) [رواه الطبراني وحسنه الألباني] فالصديقون = أعلى أهل الصدق واليقين بعد الأنبياء.
قال القرطبي في التذكرة: "وإذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أجل خطرا". يعني: أعلى في الشأن "أو أعظم أجرا فهو أحرى ألا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ [النساء: 69] [التذكرة: 424]، وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهداء أنه لا يُفتن، فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه وهو الشهيد؟ فكيف بمن هو أعلى مرتبة منهما وهو الصديق؟ فكيف بمن هو أعلى من الجميع وهم الأنبياء؟ وكيف لا يأمن الشهيد الفتنة في القبر ولمعان السيوف يخطف بصره؟
ما ذكر في الشهيد
- روى النسائي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال ﷺ: ”كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة“ [رواه النسائي: 2053، وصححه الألباني في صحيح الصغير: 4483]. يُفتنون اي يمتحنون بسؤال الملكين في القبور، ”كفى ببارقة السيوف“ اي اللمعان، كفى بثباتهم عند السيوف التي تلمع في المعركة، كفى بذلهم لأرواحهم في سبيل الله، وطبعا السيوف أو ما يقوم مقامها، المقصود أنهم ثابتون في المعركة، والسلاح فوق رؤوسهم، وهذه لَعْلَعَتُه وصوته، بل إنَّ أصوات الأسلحة الآن أعظم من أصوات السيوف في القديم، يعني الآن الخوف أكثر؛ لأن ضجيج القنابل والانفجارات ليست مثل ضرب السيوف، فقد يكون الذي يثبت الآن في المعركة في سبيل الله من هذه الجهة؛ من جهة الصمود في وقت الخوف والفزع، يكون من جهة الثواب والأجر قد يكون أكثر؛ لأن صوت أسلحة اليوم أشد فزعا من صوت السيوف ولمعانها، ”كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة“ فلو كان هؤلاء من المنافقين ما ثبتوا عند التقاء الزحف ولفروا إذا برقت السيوف، ولكنهم لا يروغون ولا ينهزمون؛ ولذلك كما ثبتوا في المعركة فإن ذلك دال على إيمانهم القوي الثابت فلا حاجة لفتنتهم في القبر.
ومن ينعم الله عليه بالموت يوم الجمعة
وممن يوقى من فتنة القبر أيضا: من ينعم الله عليه بالموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، هذه موت ليلة الجمعة أو يوم الجمعة هذه نعمة بحد ذاتها روى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: ”ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر“. [رواه الترمذي: 1074، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز: 21]. قال العلامة المُبَاركفُورِي (وهو شارح الترمذي): ”يوم الجمعة أو ليلة الجمعة للتنويع لا للشك“ [تحفة الأحوذي: 4/160]. يعني هذه الميزة تحصل سواء مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة ليلة الجمعة، في الليل قبل النهار الجمعة أو في النهار قبل المغرب، إذا غربت الشمس دخل ليلة السبت، فإذن من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، الليلة تسبق اليوم الليلة قبل النهار (يعني الخميس لما تغرب الشمس يصبح الجمعة ابتداءا). ”وقاه الله“ يعني حفظها، وهذا يدل على شرف الزمان وأن له تأثيرًا، كما أن فضل المكان له أثر جسيم.
قال القرطبي - رحمه الله - ”هذه الأحاديث (أي التي تدل على نفي سؤال القبر) لا تعارض أحاديث السؤال السابقة بل تخصصها، وتبين من لا يُسأل في قبره ولا يُفتن فيه، وتبين من يجري عليه السؤال ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المصدوق“ [مرقاة المفاتيح: 3/1021]. يعني لو واحد قال لماذا الذي يموت يوم السبت لا والأحد لا والاثنين ؟، إذن المسألة ما في مجال لقضية الاعتراض والتشكيك استسلام، خبر بالوحي يجب التصديق به. ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 23]
غير المكلفين من الصبيان والمجانين الذين يموتون وهم صغار، هل يسألون ويفتنون في قبورهم؟ الجواب : اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: وقد نسبه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى إلى أكثر أهل السنة: ”أنهم يُسألون“ واحتجوا بما يلي:
فمن الادلة: أنه يُشرع الصلاة عليهم والدعاء لهم، فلو كان طفلا، ولو كان مجنونا ألا يصلى عليه إذا مات صلاة الجنازة؟ ألا يدعا له؟ وسؤال الله أن يقيهم عذاب القبر وفتنة القبر؟ كما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: صلّيتُ وراء أبي هريرة رضي الله عنه على صبي لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول: ”اللهم أعذه من عذاب القبر“؛ فأبو هريرة إمام يصلي على صبي صغير، يقول اللهم أعذه من عذاب القبر، قالوا: يحتمل أن يكون أبا هريرة اعتقده لشيء سمعه من النبي ﷺ أن عذاب القبر عام في الصغير والكبير، وأن الفتنة فيه لا تسقط عن الصغير؛ فعدم التكليف في الدنيا لا يُسقط الفتنة ولا يسقط السؤال،
وايضا : واحتجوا بأنه ثبت عن النبي ﷺ ”أن الصبي يُضمّ في قبره“ قالوا: فإذا كان يضم فما المانع من سؤاله؟ وروى الطبراني عن أبي أيوب رضي الله عنه أن صبيا دفن، فقال رسول الله ﷺ: ”لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي“. [رواه الطبراني في الكبير: 3858، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2164]. وعن عائشة رضي الله عنها أنه مر عليها بجنازة صبي صغير فبكت، فقيل لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ قالت: ”هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر“، ولكن إسناده ضعيف.
وايضا : احتجوا أيضا الذين يقولون بأنهم يسألون بالأحاديث التي ورد فيها أن أطفال المشركين يمتحنون في الآخرة، أن الله يمتحنهم في الآخرة، فهذا القول الأول: أنهم يسألون.
القول الثاني: أنهم لا يسألون، ما هي أدلة هؤلاء الذين قالوا لا يسألون، قالوا السؤال إنما يكون لمن عقل الرسول والمرسِل، فيُسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا ؟ فيقال له: ”ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟“ فأما الطفل الذي لا تميز له بوجه فكيف يقال له ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ حتى لو رُدَّ إليه عقله في القبر؛ فإنه لا يسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به في الدنيا قبل أن يموت. قالوا : ”ولا فائدة في هذا السؤال!“.
وأما قولكم - اي القول الاول - إنه يمتحن في الآخرة (وهذا ورد في أطفال الكفار، أنهم يمتحنون في الآخرة، اي الكافر الذي مات ولده، ما مصير الولد هذا؟ فاختلف العلماء في ذلك، من أقوى الأقوال: أنهم يُمتحنون، وأن الله يعطيهم يوم القيامة القدرة والقوة والعقل، ويأخذ عليهم العهد والميثاق ليطيعنه، ثم يرسل إليهم رسولا فيأمرهم أن يقعوا في النار، فمن وقع فيها كانت عليه بردا، وسلاما إلى جنات النعيم، ومن أبى سحب إليها، فخلاص هذا الامتحان يوم القيامة وهذا السؤال وهذا الطلب وهذا الرسول وهذه النهاية)، فقالوا : كون الأطفال أطفال الكفار مثلا يمتحنون يوم القيامة، لا يعني أنهم يسألون في القبور، فممكن ان يمتحن في الآخرة ولكن لا يسأل في القبر، فكيف يسأل عن شيء - يعني في الدنيا - ما كان يعقل وما عنده تمييز؟ وامتحان الآخرة قضية أخرى غير سؤال القبر.
وقالوا: أما حديث أبي هريرة ودعاؤه للصبي أن يقيه الله عذاب القبر فليس المراد بعذاب القبر عقوبة الطفل على ترك طاعة أو فعل معصية قطعا فإن الله لا يعذب أحدا بلا ذنب عمله، والمقصود أن أبا هريرة لما قال للطفل أعذه من عذاب القبر: فقال: قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره وإن لم يكن عقوبة على عمل عمله، مثل النياحة ”إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه“ [رواه البخاري: 1304، ومسلم: 927]، أي يتألم بذلك ويتوجع له، لا أنه يعاقب به أو عليه؛ لأنه ليس من فعله، والولد الصغير ما له ذنب أصلا ولا هو الذي ناح، وإنما هو يتألم كيف أن أهله هؤلاء الذين ينوحون عليه الآن في الدنيا ومخالفين للدليل وللنقل وعصاة، قالوا: وهكذا كقول النبي ﷺ: ”السفر قطعة من عذاب“ فالعذاب أعم من العقوبة، يعني كلمة عذاب أعم من كلمة عقوبة وليس كل عذاب عقوبة، قالوا: ولا ريب أن في القبر من الآلام والهموم والحسرات ما قد يسري أثره إلى الطفل فيتألم به، ولذلك فإن المصلي على الطفل لو قال قه فتنة القبر وعذاب القبر لها وجه“، وهذا ملخص ما ذكره ابن القيم في كتاب الروح. [الروح: 88].
وقفه وتوضيح في اطفال الكفار : قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أطفال الكفار أصح الأقوال فيهم الله أعلم بما كانوا عاملين، كما أجاب بذلك النبي ﷺ وطائفة قالوا إنهم كلهم في النار وهو غلط على أحمد، (يعني الذي نسبه إلى أحمد لم يصب في تلك النسبة) وطائفة جزموا أنهم كلهم في الجنة، حتى أن بعضهم قالوا هم من الولدان المخلدين الذين يخدمون أهل الجنة، والصواب أن يقال : الله أعلم بما كانوا عاملين، ولا نحكم لمعين منهم بجنة ولا نار" [مجموع الفتاوى: 4/303]. يعني الله أعلم لو كبروا ماذا سيعملون الله أعلم بما كانوا عاملين، وأما في عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فيقال : ”لأحدهم من ربك وما دينك ومن نبيك؟“ إذن الأطفال وحتى المجانين على القول الاول يمكن أن يسألوا في القبر ويمتحنون في الآخرة.
فمن العلماء من قال : كما ذكر ابن القيم - رحمه الله -: ”هذا موضع تكلم فيه الناس، قال أبو عبد الله الترمذي: إنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة؛ لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم، فإذا أبوا كفّت الرسل واعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب، وهذه الأمة أُمسِكَ عنها العذاب وأمر المؤمنون بجهاد الكفار“ [الروح: 86].
وردّ ذلك بعض أهل العلم وقالوا: إن فتنة القبر وعذاب القبر أيضا على الأمم السابقة، إذا وُضِعُوا في قبورهم وماتوا، وقال عبد الحق الإشبيلي والقرطبي : ”السؤال لهذه الأمة ولغيرها“، ومال إليه ابن القيم واختاره السَفَّارِينَي وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قال في الواسطية: ”فأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم“ [شرح العقيدة الواسطية: 138]. هذا معناه الأمم السابقة يشملهم ذلك، وتوقف آخرون في هذه المسألة ومنهم أبو عمر بن عبد البر. وطبعا حديث: ”إن هذه الأمة تبتلى في قبورها“، فالحديث الصحيح، ومفهومه هذه الأمة، لكن هناك أحاديث أخرى مثل قوله ﷺ عن اليهود إنهم يفتنون في قبورهم: ”إنما تُفنن يهود“.
ماذا سيقال للأمم من قبلنا الأموات فيها ؟
نقول: كما أن هذه الأمة تسأل عن نبيها محمد بن عبد الله ﷺ، فكل ميت من الأمم السابقة يسأل عن نبيه، فالميت الذي يموت من قوم موسى يسأل عن موسى، والميت الذي يموت من قوم عيسى يسأل عن عيسى وهكذا.
وكان تعليلهم بأن الكفار في الأمم السابقة كان ينزل عليهم عذاب من الله بعد انتهاء المواجهة بينهم وبين الرسل يهلك الله الكفار؛ صيحة، حجارة، صاعقة، ريح شديدة، الغرق، خلاص ينتهون، وأن الجهاد في هذه الأمة ؟
فيقال: بل في الأمم السابقة قد صحّ أيضاً أنه كان هنالك جهاد عندهم، وأنه قد أُمر مؤمنوهم بجهاد الكافرين، وكان العذاب ينزل على المكذبين من الله تعالى فيأخذهم جميعا، فكفار قوم نوح أخذهم الله جميعًا، كفار قوم عاد قوم ثمود، قوم لوط، قوم شعيب، أُخذوا جميعا، بعد ذلك نزل الحكم بجهاد المؤمنين للكافرين فما صارت العقوبة تنزل على المكذبين عامة، وإنما تكون بأيدي المؤمنين جهادا في سبيل الله، فمثلا في شرع موسى ﷺ أمروا بالجهاد بعد إهلاك فرعون، فصار كل المواجهات بعد ذلك إذا ناس كفروا وكذبوا الأنبياء ما يجتاحهم عذاب من الله كلهم يستأصلوا، وإنما أمر المؤمنين بجهاد الكافرين، فصار عذاب الكافرين بأيدي المؤمنين، وليس بشيء ينزل من السماء فيستأصلهم، لكن قبل كان عذاب يستأصل الكافرين، فينزل عذاب الله ويستأصل الكفار كلهم وانتهت القضية، بعد ذلك أوحي إلى المؤمنين بجهاد الكافرين، وتوقفت قضية نزول عذاب شامل.
اول ما شُرِعَ الجهاد : قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "من المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التوراة لم يهلك الله تعالى مكذبي الأمم بعذاب من السماء يعمهم، كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم، بل أُمر المؤمنين بجهاد الكفار كما أمر بنو إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة" [الجواب الصحيح: 2/251]. إذن ممكن نقول أنه بنزول التوراة شُرع الجهاد وتوقف الاستئصال العام للمكذبين، وصار عذاب المكذبين بأيدي المؤمنين قبل نزول التوراة كان الاستئصال العام.
والخلاصة : هل مؤمنهم وكافرهم يفتنون في القبر؟ هذا هو الأقرب والراجح : أنهم يسألون عن أنبيائهم وأنهم يفتنون في قبورهم.
نلاحظ أن النصوص السابقة في فتنة القبر وعذاب القبر جاءت للمؤمن والكافر، اما الفاسق وأهل الكبائر والعصاة ؟
يعني المؤمن عُرفَ أمره، فالمؤمن يثبت ويثبته الله ونعيم القبر وفسح القبر وتنوير القبر واخضرار القبر ونومة العروس وباب إلى الجنة.
والكافر عرفنا انه يُضَيّق قبره، وتختلف أضلاعه، والمرزبة، ويصير ترابا ويعيده الله كما كان، وعمله السيئ يتعذب به وبمنظره وبرائحته الكريهة، وباب إلى النار، والحسرة على باب الجنة الذي قفل.
اما الفاسق صاحب الكبائر والعاصي وهو موحد ما هو مصيره؟
نلاحظ أن النصوص تقريبا سكتت عن هذا بينت المؤمن المؤمن، والكافر الكافر؛ ولذلك فإنه يُقال : من ثبته الله، ثبت، ومن أزاغه الله، هَلَكْ، وكون انه يقع عذاب على أهل الكبائر في القبور هذا مؤكد، فإن النبي ﷺ قد أخبر عن الذي لا يستنزه من البول، والماشي بالنميمة، وآكل الربا، والزاني والزانية، والكذاب الذي ينشر الكذب، وأخبر عن الذي ينام عن صلاة الفجر، هناك عذاب في القبر عليهم، لكن هل هؤلاء يعذبون في القبر ثم يرفع العذاب إذا كان ما مضى منه مكفرا لسيئاتهم، وإذا ما كان كافي استمر العذاب إلى أن يبعث الله من في القبور، ثم يعذبون في المحشر، اذن نقول ان العذاب للموحد العاصي يكون مكفرا للسيئات بحب المعاصي، فانه يبدأ بـعذاب القبر، فان بقي عليه ذنوب فيقتص الله منه بدنو الشمس والعرق، وفي الزحام، والكربات يوم القيامة، وإذا ما كان يكفي، دخلوا النار، فإذن هو وسيئاته، إذا كانت سيئاته كثيرة جدا، ربما يطول عذابه :
١- في القبر، (اذا لم تنتهي سيئاته)
٢- وفي البعث، (اذا لم تنتهي سيئاته)
٣- وفي النار، (حتى تنتهي سيئاته)
فإذا كانت أقل، قد يكون ما يصيبه في القبر من الضغطة، والعذاب، واستمرار الضغط والضرب في القبر، قد يكون كافيا في تكفير سيئاته وقد لا يكون، وقد يعذب في قبره مدة ثم يرفع عنه العذاب، بحسب سيئاته: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف: 8، 9].
يسأل ولماذا لا يسأل، وقد ثبتت الأدلة بذلك وقد قال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ[الحجر: 92، 93]، فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: 6]، فإذا سئلوا يوم القيامة، فلماذا لا يُسألون في قبورهم ؟
فهذا ما يتعلق بفتنة القبر والسؤال، وما يكون من عاقبة السؤال، ومن الذي يوقى فتنة القبر ، نسأل الله ﷻ أن يعيذنا من فتنة القبر ومن عذاب القبر.