تفسير سورة المطففين
تفسير سورة المطففين
اسمع التفسير هنا
هذه السورة سورة المطففين، عدد اياتها ٣٦ آية، وهي سورة مكية عند الجمهور.
﷽
وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴿1﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿2﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿3﴾ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿4﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿5﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿6﴾
” وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ “ : ويل كلمة يقال : انها وادي في جهنم يسمى ويل، وقيل : ويل الكلمة للدعاء بالثبور والهلاك، ويل للمطففين والمطففون هم الذين يطففون في المكيال، وهذا مثال، والا قد يكون التطفيف في غير المكيال، فيكون التطفيف في الصلاة، يكون التطفيف الزكاة، يكون التطفيف في الحج، يكون التطفيف في بر الوالدين، كل هذا يكون فيه التطفيف، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما ذَكَر الصلاة قال : ومن وفَّى في صلاته وفى الله له، ومن طفَّفَ فقد علمتم ما قال الله في المطففين، ففي كل شيء يكون التطفيف، قال شارحا حال المطففين، فقال :
” الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ - وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ “ : الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا يعني : اذا كان لهم الحق، يَسْتَوْفُونَ اخذوه كاملا، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ اي كان الحق للناس يُخْسِرُونَ اي انقصوا منه، يطففون في المكيال، ومثال المكيال وهو ان يضع ثقلا لا يُرى فيثقل الميزان فبدل ما يعطيه كيلو يعطيه تسعمائة جرام مثلا، هذا هو التطيف في المكيال، وفي العد ممكن ان يكون تطفيف، في اي شيء يكون نوع من غش، فالله تبارك وتعالى يقول لهؤلاء : ويل لكم ستعذبون على هذا الغش الذي تغشون الناس فيه، فالناس يستوفون وياخذون حقهم كاملاو واذا الحق كان للناس فانهم ينقصونهم حقهم، قال :
” أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ “ : يعني هل غاب عن اذهانهم ان هناك بعث ؟ وانهم مسؤولون في هذا البعث ؟ وانهم سيحاسبون على هذا التطفيف ؟ مبعوثون :
” لِيَوْمٍ عَظِيمٍ “ : يوم القيامه، يوم :
” يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ “ : يقوم الناس - كلهم- لرب العالمين، ولذلك سمي يوم القيامة فيقوم الناس كلهم لرب العالمين سبحانه وتعالى.
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿7﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴿8﴾ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿9﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿10﴾ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿11﴾ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿12﴾ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿13﴾ كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿14﴾ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿15﴾ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ ﴿16﴾ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿17﴾
” كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ “ : كلا ان كتاب الفجار لفي سجين والفجار يشمل الكفار، ويشمل المنافقين، ويشمل الفساق، كلهم مشمولون، هذا لان هؤلاء جميع المستحقون لدخول النار، اما الكافر والمنافق فيقينا، واما الفاسق فهو تحت المشيئة ان شاء الله عذبه، وان شاء عفا عنه سبحانه وتعالى، ولكنه مستحق للعذاب، يقول كلا ان كتاب الفجار لفي سجين، ثم قال:
” وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ “ : السجين هو المكان الضيق، في نار جهنم، قال :
” كِتَابٌ مَّرْقُومٌ “ : كتاب مرقوم اي مكتوب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو كتابٌ دُوِّن فيه أعمالهم، أي صحيفة جامعة لسيئاتهم مكتوبة، محفوظة في مكان ضيق شديد الظلمة [تفسير ابن كثي]. وقال مجاهد: هو أسفل الأرض السابعة. وقال كعب الأحبار: هو صخرة تحت الأرض السابعة السفلى، فيُكتب كتاب الفجّار ويُلقى تحتها. وذهب الضحّاك وقتادة وغيرهما إلى أن “سجين” اسم مكان ضيق محبوس فيه أرواح الكفار وأعمالهم، ثم قال :
” وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ “ : ويل وعيد من الله تبارك وتعالى و قال هم :
” الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ “ : هؤلاء هم المكذبون الذين اعنيهم.
” وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ “ : معتد على محارم الله، اثيم في ترك ما اوجب الله عليه، فهو معتد بحيث يفعل الحرمات، اثيم في انه يترك الواجبات، فهو اثيم ومعتدٍ، قال :
” إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ “ : وهذا كلام المشركين عندما يتلوا عليهم الانبياء كتب الله تبارك وتعالى يقولون اساطير الاولين، هكذا قال لانبياء الله صلوات ربي وسلامه عليهم اجمعين.
” كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ “ : وهنا لك ان تقف على كلا بل ثم تقول ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، ولك ان تربط بينهما، ورَانَ اي غطى، غطى على قلوبهم، غطى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من الاثام والذنوب.
” كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ “ : استدل الشافعي الامام رحمه الله تبارك وتعالى بهذه الاية على رؤية الله تبارك وتعالى، قال : اذا كان الكفار محجوبون عن رؤية الله اذا يراه المؤمنون، والا ما فائدة ان يَذكر الكفار انهم محجوبون ولا يراه المؤمنون ايضا ؟!، بل هذا مفهومه، اذا حجب الكفار، راه المؤمنون، والمقصود لا يرونه رؤية نعيم، والا قد جاء في بعض طرق الحديث ان المنافقين يرون الله تبارك وتعالى يوم القيامة، عندما ياتي الله تبارك وتعالى الى الناس فيقول يذهب كل اناس لمعبودهم فاذهب كل من عبد غير الله الى ما عبد، ويبقى المؤمنون والمنافقون، ويظن المنافقون انهم سيستمرون في خداعهم حتى يكون الامر في النهاية دخول الجنة، فيبقون مع المؤمنين، فيُكشف عن ساق يوم يكشف عن ساق ويدعون الى السجود فلا يستطيعون فيسجدوا المؤمنون، ويريد المنافقون ان يسجدوا مع المؤمنين فتتصلب ظهورهم ويسقطون على قفاهم، يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين امنوا انظرون نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، فهؤلاء وان كانوا يرون الله تبارك وتعالى لكن ليست رؤية نعيم، وانما هذه رؤية ابتلاء ورؤية اختبار، والمقصود انهم محجوبون عن رؤية الله اي رؤية النعيم، التي هي اعظم نعمة يُعطاها اهل الجنة، وهي رؤية الله تبارك وتعالى، للذين احسنوا الحسنى وزيادة والزيادة هي النظر الى وجه الله، كما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وان الله ياتي المؤمنين يوم القيامة فيقول اراضيتم؟ فيقولون : وما لنا الا نرضى يا رب العالمين وقد اعطيتنا ونجيتنا واكرمتنا فيكشف عن وجهه ﷻ، فلا يرون انهم اعطوا نعمة اعظم من هذه النعمة، نسال الله لا يحرمنا واياكم من رؤيته ﷻ.
” ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ “ : يصلونها اي يدخلونها ويعذبون فيها.
” ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ “ : وهنا ذكر الله تبارك وتعالى ثلاثة انواع من العذاب:
العذاب الاول : انهم محجوبون منطوقا، ومفهوما نعيم اهل الايمان انهم يرون ربهم.
العذاب الثاني : انهم صالوا الجحيم.
العذاب الثالث : التوبيخ الذي ياتيهم (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) فيتحسرون حسرة عظيمة، لما فاتهم ولما سيلقون.
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴿18﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴿19﴾ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿20﴾ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴿21﴾ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿22﴾ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ﴿23﴾ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴿24﴾ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ﴿25﴾ خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴿26﴾ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴿27﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴿28﴾
” كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ “ : القران مثاني، يذكر الله تبارك وتعالى اصحاب الجحيم، ويذكر اصحاب النعيم، عندما يذكر الكفار يذكر المؤمنين، وعندما يذكر المَحَرَّم يذكر الحَلال، وهكذا فالقران مثاني، وبعد ان ذكر حال الكفار ذكر حال المؤمنين، وهذا من باب الترهيب والترغيب؛ فالله ﷻ يخوف من حال الكفار، ثم يُرغب من حال المؤمنين، فالانسان العاقل اذا قارن بين حال اولئك وحال هؤلاء يختار، والعاقل يختار الاختيار الصحيح، اما الغافل والساهي يتحمل اختياره، يقول الله تبارك وتعالى : كلا ان كتاب الابرار لفي عليين الكفار في سجين، والابرار في عليين، اي في اعلى الجنة، في العلا.
” وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ “ :فكما قال وما ادراك ما سجين للتهويل، وهنا للتعظيم للنعيم، ثم قال :
” كِتَابٌ مَّرْقُومٌ “ : كذلك مرقوم وكتبت فيه الاسماء، فاسماء اهل النار مكتوبة، واسماء واهل الجنة مكتوبة، كتاب مرقوم يشهده المقربون ان يحضره الملائكة، فالمقربون هم الملائكة يحضرون هذا الكتاب عندما تقرا الاسماء، اسماء اهل الجنة، ثم قال :
” إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ “ : الابرار هم الذين تقربوا الى الله تبارك وتعالى حتى ينالوا البر، والله جل وعلا يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وقال : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة ١٧٧]، فهؤلاء نالوا البرَّ فسماهم ابرارا، النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم زينب من بَرَّةٍ الى زينب؛ لان هذا فيه تزكية للنفس، فالابرار هي صفة اذا اجتهد الانسان في العبادة وفي التقرب الى الله ﷻ صار من الابرار، ثم بدا يصف هذا النعيم ﷻ :
” عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ “ : الاراك السُّرُرْ التي يكونون عليها، وهذه السرر لا يمل من الجلسة عليها، الجلوس في الدنيا متعب، اما يوم القيامة ما في تعب من الجلوس، فمضجع مرتاح، وجالس مرتاح، واقف مرتاح، ينظرون نِعَمَ الله، فينظرون تحتمل ينتظرون من الانتظار، ويحتمل ينظرون يرون وهي الاصح؛ لان الانتظار ليس نعيما كليا، واهل الجنة لا ينتظرون شيئا فكل شيء امامهم، والمنتظر يحاكي، هؤلاء لا ينتظرون بل الصحيح انهم ينظرون نظر العين، فيتمتعون بنظر العين، وذكرنا ان اعظم نعمة يحصلونها هي النظر الى وجه الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقولون عن نعيم الدنيا : الخضرة والماء والوجه الحسن، وهي نعيم النظر، فترى الماء وترى الخضرة وترى الوجه الحسن فترتاح، واحيانا الانسان بالنظر يتمتع، بالنظر فقط.
” تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ “ : هناك - اهل النار - وجوه يوم عليها غبرة، ترهقها قترة، سوداء، هنا تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، والنضرة هي البهاء والنور في وجوههم من النعيم الذي يعيشون فيه، تعرف في وجوههم نظرة النعيم، ثم ذكر من ما ينالوه في الجنة، قال :
” يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ “ : الرحيق هو اطيب الاشربة، يشربون اطيب الاشربة، وهذا الرحيق مختوم.
” خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ “ : تحتمل معنيين : مختوم يعني ينتهي بكذا، اي ختامه اخر شيء فيه، يعني اخر شيء فيه المسك، يعني اخر ما فيه احلى ما فيه، او ختامه مسك مُغَطَّى بالمسك، من الخَتْم، فمختوم اما من الخَتْم، واما من الخِتَام، والمعنيين صحيح، انه مختوم بمسك اخره، ومغطى بمسك اوله، فكل هذا وارد، وقال اهل العلم هذا ممكن وهذا ممكن. وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ، يعني الذي يريد هذا النعيم الان، وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض، فنتنافس الان في هذه الدنيا كما قال عمر: ما سابقت ابو بكر في شيء الا سبقني، هذه المنافسة، ان يتنافس الناس في الخير، يتنافسون في الصدقات، يتنافسون في الصلاة، يتنافسون في الصيام، يتنافسون في البر، يتنافسون في اكرام الجار، اكرام الضيف، ايهم اقرب الى الله تبارك وتعالى واحب الى الله جل وعلا من حرصه على الخير، عملا وقولا وفكرا وعقيدة، يتعلم العلم، يبذل المال، يبذل الجاه، يبر الوالدين، يحسنون للجار، وغير ذلك، فليتنافس المتنافسون ليحصلوا الجنة؛ لان الجنة درجات، ليس الناس كلهم في درجة واحدة في الجنة، وانما هي درجات كلهم بحسب دينه وتقواه وعمله فتكون درجته في الجنة، والانسان اذا تامل الشيء وحرص على تحصيله يوفقه الله تبارك وتعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، لا تستصغر نفسك، قد تنال احسن مما تتوقع اذا اجتهدت.
” وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ “ : المزاج هو الشيء الذي يُضاف إلى الشراب فيزيده طيبًا أو قوةً في الطعم وهو التسنيم، وفسر هذا التسنيم فقال :
” عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ “ : اذا التَسْنِيمٍ هي عين في الجنة، فهناك التسنيم وهناك السلسبيل فعيون الجنة كثيرة جدا، فمنها عين يقال لها تسنيم وهي التي يشرب بها المقربون، وقد جاء ان اهل الجنة فيهم اصحاب اليمين المقتصدون، وفيهم السابقون المقربون، وهذه عين التسنيم تكون للسابقين المقربين.
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿29﴾ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿30﴾ وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴿31﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ﴿32﴾ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴿33﴾ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿34﴾ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ﴿35﴾ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿36﴾
” إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ “ : الذين اجرموا وهم كبار المشركين وسادات المشركين، وليس فيهم سيد، لكم سادات على امثالهم، كانوا من الذين امنوا يضحكون، يسخرون، يستهزئون، من صلاتهم، من ايمانهم، في حياتهم، وفي يوم من الايام كان جماعة من هؤلاء سادات المشركين جالسين في ناديهم - اي في مجلسهم - واذا النبي صلى الله عليه وسلم اقبل وصلى عند الكعبة ﷺ وسجد، فقال بعضهم لبعض من يقوم الى سلا جزور بني فلان فيلقيه بين كتفيه سلا الجزور هي المشيمة الابل، اي هناك جزور ابن ناقة مذبوحة وبقي سلاها، فمن ياخذ هذه المشيمة القذرة فياخذها ويلقيها على محمد وهو ساجد صلى الله عليه وسلم ؟ فقام اشقى القوم عقبة بن ابي معيط، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم قام هذا عقبة وحمل سلا الجزور والقاه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، ثم صاروا يتضاحكون، فجاءت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم واخبرت بذلك وظل النبي ساجدا ما تحرك، واُخبرت فاطمة فخرجت من بيتها سريعا، ثم جاءت وازالته عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالتفت اليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتضاحكون وكل واحد يشير على الثاني، فرفع النبي يديه ودعا عليهم صلى الله عليه وسلم، قال : اللهم عليك بعقبة بن ابي معيط، اللهم عليك بابي جهل، اللهم عليك بامية بن خلف، يقول العبد الله بن مسعود : فكلهم رايتهم قتلى في بدر، ان الذين اجرموا كانوا من الذين امنوا يضحكون، هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولك ان تتصور كيف كانوا ايضا يفعلون مع باقي اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ايضا ليس خاصا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم بل كانوا يسخرون من داود ومن ايوب ومن موسى ومن عيسى ومن صالح ومن هود ومن ابراهيم وهكذا الانبياء تعرضوا لمثل هذا الامر من المشركين في زمانهم، الذي نسخروا من صالح عليه الصلاة والسلام ما فائدهم سخريهم من صالح، من متى هم يعذبون في قبورهم ؟ هذه اللحظات التي مرت سريعة استهزاوا بصالح عليه السلام او بهود عليه السلام او بغيرهما من الانبياء ماذا استفادوا من هذا؟ وكم صار لهم الان في قبورهم يعذبون؟ وياتيهم عذاب جهنم اعادهم الله واياكم منه.
” وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ “ : يتغامزون يغمز بعضهم بعضا يضحكون عليهم.
” وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ “ : فَكِهِينَ مسرورين اليوم القينا سلا الجزور بين كتف النبي ﷺ، يضحكون مع اهليهم، يُقال في لغة العصر : اليوم رايت فلان فسببته، اليوم رايتها فضربته، اليوم سخرت من فلان، يضحكون ويفرحون بما عملوا من الاثم والزور والبهتان، يقول :
” وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ “ : اذا راوا المسلمين الصالحين قال هؤلاء ضالون، ولذلك كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم الصابئ، يعني المنحرف عن دينهم، وعمر بن العاص رضي الله عنه قبل ان يسلم لما ذهب الى النجاشي، قال هؤلاء تركوا دين قومهم ضلوا عن السبيل، طبعا هم لا يعتقدون ذلك لكن يدعون ان النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه انهم ظلال، ثم قال الله هم :
” وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ “ : لستم انتم الذين تحكمون.
” فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ “ : يوم القيامة، الذين امنوا من الكفار يضحكون، وضحك المؤمنين الى الابد، فرحون مسرورون الى الابد، فضحك الكفار كان فترة، وضحك المؤمنين ابد الابدين.
” عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ “ : على الارائك اي على السرر في الجنة، ينظرون اي الى النعيم الذي اعطاهم الله تبارك وتعالى، ثم ختم بقوله :
” هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ “ : اي هل اعطي الكفار؟ هل حوسب الكفار؟ بما كانوا يفعلون؟ فالجواب: نعم، ويستحب وانت تقرا كتاب الله تبارك وتعالى اذا مررت بمثل هذه الايات، ان تتعايش معها، فاذا قرات هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ؟ فتقول : نعم، عندما يقول ان الابرار الا في نعمه اللهم اجعلني منهم ان الفجار التي جحيم اعوذ بالله من حالهم يستحب لك ذلك، واختلف اهل العلم : هل هذا خاص بالنافلة، ام يعم النافلة والفريضة، اكثر اهل العلم على ان هذا خاص بالنافلة، يعني في قيام الليل، في سنن رواتب، في الضحى، في اي صلاة نافلة يستحب لك هذا، وذهب الامام الشافعي : الى ان هذا عام في النوافل والفرائض، وهذا الذي يظهر والعلم عند الله، انه عام في النوافل والفرائض، اذا مر بمثل هذه الايات ان يعيش معها، وان يتكلم ويدعو، وكان النبي اذا مر بايه رحمة سال الله من فضله، واذا مر بأية فيها عذاب استعاذ بالله، واذا مر بها فيها تعظيم عظم الله جل في علاه.
والحمد لله رب العالمين، وصل وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ