تفسير سورة التكوير
تفسير سورة التكوير
اسمع التفسير هنا
هذه السورة سورة التكوير، وعدد اياتها ٢٩ آية، وهي سورة مكية، قال ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، و إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، و إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [قال الترمذي: “حديث حسن صحيح”. وصححه الألباني في صحيح الجامع (6384)]، فالتكوير، تصف تغيّر الكون وانقلاب نظامه. والانفطار، تذكر تفطّر السماء وبعثرة القبور. والانشقاق، تصف تسليم الكتب والحساب :
﷽
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (14)
” إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ “ : كورت اي جُمِعَت ولُفَّت، وجاء في الحديث : الشمس والقمر مكوران في نار جهنم. [والحديث ضعفه بعض اهل العلم]، لكن حتى لو قلنا انهما في نار جهنم ما المشكلة يعني وليس يعني عاقلة بحيث يُقال: لماذا يعذبان؟ لا يعذبان، هل انت الان اذا اشعلت النار ووضعت بها الحطب يُقال : الحطب ما ذنبه ؟ فالقصد كون الشمس والقمر خلاص انتهى دورهما، فهذه نهايه وليست هي مما يعني يحاسبان ويعاقبان، وايضا النار فيها ملائكة وحجارة فهل الملائكة والحجارة تُعذب؟ طبعا لا.
” وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ “ : واذا النجوم انكدرت اي تغيرت وتساقطت.
” وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ “ : واذا الجبال سيرت فكانت كالهباء المنثور، وكانت كثيبا مهيلا، (كَثِيب: هو الرمل المجتمع المرتفع كالتل. مَهِيل: أي رمل لين يسهل هَيلُه وانسيابه إذا مُسّ أو وُطئ، فينهار بسهولة)، اي انتهى امرها، فهذه الجبال التي كان تثبت الارض الجبال الراسيات الجبال العظيمة، الجبل الذي تراه من كبره وعظمه وقوته لا شيء.
” وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ “ : العشار هي انفس الاموال عند الناس من البهائم، والعِشَار هي التي معها ولدها، فهذه تكون من انفس الاموال؛ ولذلك حتى في دية القتل ان تكون يعني بعضها حِمَّل ستلد الان، فالعشار هي من بلغت الشهر العاشر للولادة، فقال : هذه تعطل، يعني الناس لا يريدونها الان، لماذا؟ الامر اعظم من ذلك الان.
” وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ “ : الوحوش: جمع وحش، وهو كل ما استوحش من الحيوان، أي: ما يعيش في البرية بعيدًا عن الناس كالسباع والطيور والبهائم، والمقصود كل ما هو كائن من الحيوانات، حشرت اي جمعت من كل مكان كما قال ابن عباس.
” وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ“ : سجرت اي صارت نارا، والبحار تُفَجَّرْ وتُسَجَّر واذا البحار فجرت.
”وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ“ : النفوس تزوج كل قرين مع قرينه، كنتم ازواجا اي اشكالا، كل قرين مع قرينه، ما يزاوجه اي ما يُشاكله.
” وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ “ : بماذا ؟
” بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ “ : باي ذنب قتلت؟ وهذا السؤال سؤال توبيخ، لمن يَأِدْ الموءودة باي ذنب قتلتي ؟تقول : اسالوا قاتلي، لماذا انا ولدت ثم دفنت؟ اي سيحاسبون على هذا الامر، لانه قتل نفس، والان الذي يحدث في اوروبا وامريكا والصين غيرها من هذه البلاد الوأد عندهم رمشة سهل، اكثر من اربعين مليون نفس توئد في كل سنة من هذا الاجهاض الذي يستبحونه، ليست من اعمال جاهلية فقط القديمة، فالجاهليه اليوم اشد، احصائيات الغرب نفسهم، ان الاجهاض اربعين مليون نفس في كل سنة تُجهض، فهذه ستسأل يوم القيامة.
” وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ “ : نشرت اي اخذت بالايمان والشمائل، فأخذ كتابه بيمينه واخذ الكتابه بشماله.
” وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ “ : كُشطت ازيلت، والكشط هو الازالة، محو الاشياء، كشطها اي محاها، السماء تزال.
”وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ“ : سعرت اي جهزت واشعلت هذه الجحيم زيادة.
” وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ “ : ازلفت اي قربت، الزُلْفَى القُربَى، تقربنا الى الله زلفا اي تقربنا الى الله مكان قريبا، ازدَلَفَ اقترب.
” عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ “ : علمت نفس اي في ذلك اليوم ما احضرت اي ما قدمت من الاعمال، ان خيرا فخير وان شرا فشر.
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (27) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)
كل هذا الاشياء يقسم الله بها سبحانه وتعالى :
” فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ “ : فلا اقسم اي أُقسم، ولا هذه زائدة في المبنى ولكن لها معنى، بالخنس والخنس هي الكواكب اذا خَنَسَتْ اي اذا غابت وتاخرت بامر الله، وقيل الخنس هي البقر اذا دخلت الى اماكن مبيتها، والاشهر الاول وهي الكواكب اذا خَنَسَتْ اي اختفت.
” الْجَوَارِ الْكُنَّسِ “ : الجواري التي تجري، الكُنَّس اي المستترة، فهي لا تغيب ولكنها تستتر بضوء الشمس فلا تراها وهي الكواكب، وقيل كما قلنا : الجوار الكنس هي البقر التي تخنس الى بيوتها وتكنس اماكنها، قولان لاهل العلم والاشهر الاول.
” وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ “ : اذا عسعس تحتمل اذا ادبر، وتحتمل اذا اقبل، وكلا الامرين يمكن ان يقسم بهما ذهاب الليل او قدوم النهار.
” وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ “ : وبما انه قال (الصبح اذا تنفس) فالاظهر في اللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ انه الليل اذا اقبل، وكلا المعنين وارد، والصبح اذا تنفس اذا خرج وبدا.
” إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ “ : فهذا المُقْسَمْ عليه، انه لقول رسول كريم اي هذا الذي جاء، قول رسول كريم، وهو جبريل عليه السلام.
” ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ “ : مَكِينٍ اي له مكانه، قوي له ستمائة جناح، كل جناح قد سد الافق، جبريل ﷺ، وهو ايضا عند ذي العرش وهو الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه مالك العرش وصاحب العرش، مَكِينٍ فله مكانه عند الله ﷻ، فهو خير الملائكه ﷺ.
” مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ “ : اي مطاع عند الملائكة ولذك اذا امر الله بالامر القاه على جبريل، وجبريل يلقيه على الملائكة، ان الله يحب فلان فاحبوه، فتحبه الملائكة، مطاع، ثَمَّ امين اي صاحب امانة ويؤدي الامانة التي امره الله بها، ثم رجع الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
” وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ “ : لانهم اتهموه بالجنون، واتاموه بالكذب والافتراء والسحر والكهانة، وغير ذلك من الامور، قال وما صاحبكم بمجنون ابدا.
” وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ “ : ولقد راه راى جبريل لما عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل، ولما ظهر على كرسي في السماء راه النبي صلى الله عليه وسلم، بالافق المبين.
” وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ “ : بظنين اي بمتهم، اي غير متهم على الغيب ﷺ، فما يبخل عليكم بشيء، وفي قراءة (وما هو على الغيب بِظَنِينٍ) وهنا ظنين اي بخيل، فما عنده يقوله مباشرة.
” وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ “ : اي هذا الذي يقوله النبي صلى الله عليه وسلم او الذي يلقيه عليه جبريل ليس بقوله شيطان، لانه لا يملك ذلك الشيطان ولم يمكن ابدا.
” فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ “ : اين عقولكم ؟ اين تذهبون ؟
” إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ “ : ان هو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، الا ذكر للعالمين.
” لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ “ :لمن شاء منكم ان يستقيم على الحق فيستفيد من هذا، ومن لم يشاء فشانه ذلك، ولكن فليستعد لما سياتيه.
” وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ “ : فالانسان له مشيئة لكنها مرتبطة بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
والحمد لله رب العالمين، وصل وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ