تفاوت منازل الأرواح في دار القرار
تفاوت منازل الأرواح في دار القرار
استمع الدرس هنا
المختصر والخلاصة
ويتلكم هذا الدرس عن:
استقرار الأرواح في عالم البرزخ، وتفاوت منازلها وأحوالها، وعلاقتها بالجسد، والرد على بعض الشبهات، وأحكام عذاب الميت بسبب نياحة أهله، فإليكم ملخص شامل ودقيق لأبرز النقاط:
أولاً: حالة الروح والبرزخ:
فالبرزخ هو المرحلة الفاصلة بين موت الإنسان وبعثه. وللأرواح مستقر في البرزخ وتتفاوت منازلها فيه بناءً على علمها وإيمانها في الدنيا. ولا يوجد تعارض في نصوص الشريعة بخصوص الغيبيات، ويجب الإيمان والتسليم بها. وتعلق الروح بالبدن في القبر يختلف عن حالها في الدنيا. فروح المؤمن تكون في الجنة ولها في الوقت ذاته تعلق بالجسد في القبر. والروح أسرع شيء حركة وانتقالاً وصعوداً وهبوطاً في حياة البرزخ. وللروح بعد مفارقة الجسد صِحّة ومرض ولذة ونعيم وألم أعظم مما كانت تشعر به حال اتصالها بالبدن في الدنيا. والروح بعد المفارقة إما أن تكون مرسلة (طليقة) أو محبوسة. فاما الروح المرسلة: تُطلق بعد الموت (عادة لأرواح المؤمنين الصالحين)، فتصعد وتلتقي وتتزاور وتتذاكر مع الأرواح الأخرى. واما الروح المحبوسة: تُمنع من الانطلاق والزيارة بسبب ذنوب أو ديون أو لأنها محبوسة في الجسد في القبر. فنفس المؤمن تبقى معلّقة بدينه حتى يُقضى عنه.
ثانياً: دور النفس الأربعة ومنازل الأرواح.
كما ذكر الامام ابن القيم أن للنفس أربع دور، كل دار أعظم من التي قبلها:
الدار الاولى: في بطن الأم (الحصر والضيق).
الدار الثانية: الدنيا، وهي دار اكتساب الخير والشر وسبب السعادة والشقاوة، وهي سجن المؤمن وجنة الكافر.
الدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع وأعظم، ومدتها أطول من الحياة الدنيا.
الدار الرابعة: دار القرار (الجنة أو النار)، ولا دار بعدها.
ثالثا: مراتب الأرواح في عالم البرزخ
فتتفاوت منازل الأرواح في البرزخ طبقاً لأعمالها:
اولها: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (أعلاها): أرواحهم الطاهرة في أعلى عليين. وقد اختار النبي ﷺ الرفيق الأعلى.
ثانيها: الشهداء (وهم العلماء وقتلى المعارك): فأرواحهم في جوف طير خضر تسرح من الجنة حيث شاءت، ولها قناديل معلقة بالعرش تأوي إليها. ومنهم من يكون عند بارق نهر بباب الجنة. ومنهم من يحبس روحه عن دخول الجنة بسبب دين عليه، أو بسبب الغلول (الأخذ من الغنيمة قبل القسمة)، وهذا يمنع من إطلاق اسم الشهادة عليه إذا قُتل.
ثالثها: المؤمنون الصالحون: فأرواحهم تُعرج بها إلى عليين. وعندما تأتي روح المؤمن، تفرح بها أرواح المؤمنين الآخرين فرحاً شديداً. والراجح أن نسمة المؤمن (روحه) تكون طائراً تعلُق (أي تأكل) من شجر الجنة، ويشمل هذا الشهداء وغير الشهداء. لكن أرواح الشهداء تتميز بكونها في حواصل طير خضر تسرح وتأوي إلى قناديل تحت العرش. ويُعرض على الميت في قبره مقعده من الجنة أو النار بالغداة والعشي حتى يبعثه الله. ويجوز أن يكون يرى مقعده وروحه تصعد وتأكل من ثمار الجنة في ذات الوقت. والنعيم التام للجسد والروح معاً لا يكون إلا يوم القيامة، ونعيم البرزخ أقل من نعيم الآخرة.
رابعها: أرواح العصاة من المؤمنين: هم تحت المشيئة. يُعذَّبون في القبر بسبب -امثلة- منها كعدم الاستتار من البول، والنميمة، والكذب الذي يبلغ الآفاق، وهجر القرآن، والزنا، وأكل الربا.
خامسها: أرواح الكفار والفجار: هي أرواح سفلية. فتُكتب أعمالهم في سجين (مكان ضيق تحت الأرض السابعة). ثم تُعرض أرواحهم على النار غُدوًّا وعَشِيًّا، ويصيبها لفح من النار وسمومها وحميمها. وتأتي أرواح الكفار وتُلقى في سجين حيث تجتمع أرواحهم.
رابعاً: عذاب الميت ببكاء أهله عليه
فوردت أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ أن الميت يُعذَّب بما نِيْحَ عليه.
البكاء الجائز: ما كان بدمع العين وحزن القلب فقط، ولا يعذَّب عليه الميت.
البكاء المُحَرَّم: (النياحة) وهو الصياح والزعيق والتسخط على القضاء والقدر، والعويل المصحوب بلطم الوجه أو شق الثياب. فمتى يُعذَّب الميت؟ يُعذَّب إذا:
اولا: كانت النياحة سُنته وطريقته في الحياة.
ثانيا: أقرّ أهله على النياحة في حياته ولم ينههم عنها.
ثالثا: أوصى أهله بالنياحة عليه.
فإذا ناح أهله بالكلمات المحرمة (مثل: واجَبَلاه! واسَيِّداه!)، يُوكل به ملكان يلهزانه (يضربانه ويدفعانه) ويقولان له: "أكنت فيك؟“. وأما المؤمن الذي نهى أهله عن النياحة، ثم خالفوه، فإن تعذيبه يكون تألُّماً لما يراه منهم من مخالفة أمره، وليس عقاباً له على فعل غيره.
وقفة خطيرة مع موضوع تناسخ الأرواح
فتناسخ الأرواح (أن روح الميت تتحول إلى حيوان بحسب عمله) هو قول باطل وخبيث للكفرة والمبتدعة. والرد على من شبه حال أرواح الشهداء في الطير بالتناسخ: أرواح الشهداء تكون داخل حواصل الطير كمركب يحملها لتتنعم في الجنة، ولا تتحول الروح نفسها إلى طائر يرجع إلى الدنيا ويموت مرة أخرى.
المبحث كامل
الحَمْــدُ لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وصلاة وسلاما على نبينا محمد ﷺ وعلى اله واصحابه اجميعن اما بعد، فإن الأرواح لها مستقرٌ في البرزخ، وكما تتفاوت منازلها في العلم والإيمان في الدنيا، فكذلك تتفاوت منازلها في دار القرار.
حالة الروح والبدن : ولا بد ان ننبه الى انه لا يوجد تعارض ابدا في نصوص الشريعة ولا سيما الغيبيات، وانما الانسان سينتقل الى عالم اخر غيبي فلا بد ان العقل لا يستوعب تفاصيل هذه الحياة، انما يؤمن ويسلم ويجهز عمله لذلك، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح : "ولا تظن أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضًا، فإنها كلها حقٌ يصدِّق بعضها بعضا، لكن الشأن في فهمها ومعرفة النفس وأحكامها، وأن لها شأنًا غير شأن البدن …“ اذا الروح تعلقها في البدن في القبر يختلف عن حال الدنيا.[ الروح: 116]
فان الروح في القبر لها حالات باعتبار تعلقات في الاجساد :
- فروح المؤمن في الجنة، ومع ذلك فلها تعلق بالجسد بالقبر والبدن.. قال ابن القيم : وأنها مع كونها في الجنة فهي في السماء وتتصل بفناء القبر وبالبدن فيه .. [ الروح: 116].
- وسرعة انتقال الروح صعودا وهبوطا اسرع في حياة البرزخ، فهي تعلق يختلف عن تعلقها في الدنيا، قال : وهي أسرع شيء حركة وانتقالا وصعودا وهبوطا .. [ الروح: 116].
- والروح انما ان تكون مرسلة واما ان تكون محبوسة : قال ابن القيم رحمه الله : ،، وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة - اذا هناك أرواح مرسلة طليقة وأرواح محبوسة -.
الروح المرسلة : الروح المرسلة هي الروح التي تُطلق بعد الموت من حبسها، فتصعد أو تذهب حيث شاء الله لها، فتزور، وتلتقي، وترى. وهذه عادة تكون لأرواح المؤمنين الصالحين، قال ابن القيم في الروح : “الأرواح بعد المفارقة تلتقي وتتزاور وتتذاكر، وهذا أمر قد تواترت به الآثار”. [الروح ٧٧].
الروح المحبوسة : الروح المحبوسة هي التي تُمنع من الانطلاق والزيارة، إما: بسبب ذنوب ومعاصٍ تحتاج إلى عقوبة او ديون، أو لأنها محبوسة في الجسد في القبر نعيماً أو عذاباً، قال ابن القيم : “الأرواح المحبوسة عن التلاقي: إما أن تكون معذبة، أو منعمّة لكنها محبوسة عن الخروج والاختلاط بغيرها”.
فقد تُحبس في القبر مع الجسد.
أو تُحبس في مكان عالٍ لا يسمح لها بالزيارة.
أو تُحبس في أسفل الأرض إن كانت من أرواح الكفار والمنافقين.
قال النبي ﷺ: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه) [رواه الترمذي (حديث رقم 1078) وصححه الألباني] .
فائدة في شرح دعاء النوم : روى البخاري (6320) عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ يقول إذا أوى إلى فراشه: «بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، فَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» وجاء في شرح الحافظ ابن حجر (فتح الباري 11/113) : “فإن أمسكت نفسي” أي قبضتها فلم تردّها إلى الجسد (اي الموت). وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر: 42]، “وإن أرسلتها” أي أعدتها للجسد بعد النوم، فأصبح العبد حيًّا، فسلّمها من الشرور والآفات، في الدين والدنيا.
- والروح اما ان تكون علوية واما ان تكون سفلية : قال ابن القيم : وعلوية وسفلية .. [الروح ١١٦]
فالروح العلوية : قال ابن القيم قال في الروح (ص 101) : “أرواح المؤمنين إذا فارقت أجسادها عُرج بها إلى فوق، حتى تنتهي إلى حيث شاء الله من العلو، فهي أرواح علوية بحسب إيمانها وأعمالها”، وهي في عليين، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 18-21]. “عِلِّيِّين” مكان عالٍ، فوق السماوات، تكتب فيه أعمال الأبرار، وفيه مستقر أرواحهم بعد الموت، قال ابن القيم في الروح (ص 101): “فأرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح المقرَّبين في أعلى عليين بحسب منازلهم”.
اما الروح السفلية : للكفار والفجار، خبيثة، هابطة، مكانها في سجين، محبوسة عن الصعود، قال الله تعالى:﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: 7-9]. “سِجِّين”: مكان في أسفل الأرض السابعة، محل تقييد وحبس لأرواح الكفار والفجار، قال ابن عباس رضي الله عنه: “سِجِّين أسفل الأرض السابعة”. (تفسير الطبري 24/238). وذكر ابن القيم قال في الروح (ص 103): “فأرواح الكفار في سِجِّين، وهي أرواح سفلية بحسب ما كسبته من أعمال”.
- والروح بعد مفارقة الجسد لها (صحة، ومرض، ولذة، ونعيم، وألم) أعظم من حال اتصالها بالبدن، قال رحمه الله : ولها بعد المفارقة - اي بعد مفارقتها للبدن - صحة ومرض ولذة ونعيم وألم، أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير .. ثم اعطى امثلة على حال الروح بعد المفارقة فقال : فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق … أهـ [ الروح: 116]
- وللروح بعد المفارقة شدة شعور من نعيم او عذاب من الدنيا : فان الانسان لما كان في بطن امه كان ادراكه وشعوره مقارنه بالدنيا قلقل جدا، فشبه الحياة التي نحن فيها بما سياتي في البرزخ فجنين في بطن امه ثم جاء الى الدنيا، فقال : وما أشبه حالها في هذا البدن بحال ولد في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار"[ الروح: 116]. فيكون تأثر الروح ألمًا أو نعيمًا أشد من تأثرها في الدنيا؛ فهي في البرزخ تتعرض لنعيم أو عذاب أشد مما تشعر به في الدنيا.
قال ابن القيم : فلهذه الانفس أربع دور؛ كل دار أعظم من التي قبلها .
الدار الأولى : ”في بطن الأم وذلك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث“، قال تعالى : ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6]، قال ابن كثير (7/88) : “يعني في ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة”.
والدار الثانية ”هي الدار التي نشأت فيها وأَلِِفَتْهَا واكتَسَبَتْ فيها الخيرُ والشرُ، وأسباب السعادة والشقاوة“ . يعني هذه الدنيا، فهي مكان كسب السعادة والشقاوة بالاعمال والاختبارات، قال تعالى : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، وهي سجن المؤمن وجنة الكافر كما قال ﷺ: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه مسلم (2956).
والدار الثالثة ”دار البرزخ وهي أوسع من هذه الدار وأعظم“، فلو قال قائل: هل نحن نمكث في البرزخ أكثر، أو في الدنيا أكثر؟ فنقول : في البرزخ أكثر، في الدنيا بين الستين والسبعين، في البرزخ الله أعلم كم من الوقت والمدة، لكنها أطول من حياتنا هذه)، ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]. قال شيخ الاسلام: “البرزخ ما بين موت الإنسان إلى بعثه، سواء طال الزمان أو قصر”. (الفتاوى 4/262
والدار الرابعة ”دار القرار وهي الجنة أو النار فلا دار بعدها“، وهي اخر منزلة لا دار بعدها، فاما الى نعيم مقيم، واما الى شقاء وهلاك.
اذا الروح في مسرتها كما قال ابن القيم ” والله ينقلها - الروح - في هذه الدُّور طَبَقَاً بعد طبق، حتى يُبَلِّغُها الدارُ التي لا يَصْلُحُ لَهَا غَيرُهَا، ولا يَليقُ بها سواها ، وهي التي خُلقت لها وهُيئّت للعمل الموصل إليها ” [ الروح: 117].
ومنازل الأرواح في عالم البرزخ تتفاوت :
المرتبة الاولى : أرواح الأنبياء وهي أعلاها، فهذه الأرواح الطاهرة في أعلى عليين؛ لأن أصحابها الأنبياء - عليهم جميعا صلوات الله وسلامه - هم أعلى البشر مقاما في الدنيا وفي الآخرة، وإن كانوا يتفاوتون في منازلهم في البرزخ، والنبي ﷺ لما عُرِجَ به إلى السماء مرَّ بالأنبياء في السماوات على رُتَب متفاوتة.
- عن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان النبي ﷺ بين يديه ركوة فيها ماء (“الرَّكوة: إناء صغير من أَدَم اي جلد، يُتَّخذ للماء”)، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سَكَرَات. ثم نصب يده (أي رفعها إلى فوق) فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومَالَتْ يَدُه) [البخاري (4437) ومسلم (2444)]، ومحل الشاهد : قال ابن حجر في فتح الباري (8/136): “الرفيق الأعلى: الله عز وجل، وقيل: هم الملأ الأعلى من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين. والأول أظهر”.
- وثبت أيضا في البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ (اي كان في المرض الذي مات فيه وهو مرض الموت)، أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ (البُحَّة تغيّر في الصوت حتى يَخْفَى حسنه ويقرب من الانقطاع)، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69]، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ.“ (يعني خُيِّرَ بين شيئين) [رواه البخاري: 4586]. يعني أنه الآن اختار اللحاق بالرفيق الأعلى مع إخوانه الأنبياء السابقين والشهداء والصالحين. والرفيق الأعلى كما قيل: هو الجنة وقيل: هو الله ﷻ ولكن الراجح هم الأنبياء والصديقون والشهداء قال آخر الآية: وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا[النساء: 69].
لماذا لم يكن اخر كلام النبي ﷺ الشهادة ؟ لم يُنقل عنه في آخر كلامه الشهادة، وإنما كان آخر كلماته بل الرفيق الأعلى، قال السَّهْيلي - رحمه الله -: "الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة، كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب، حتى يُستفاد منه الرخصة لغيره، أَنَّهُ لا يشترط أن يكون الذِّكْرُ باللسان؛ لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامرًا بالذكر" فمثلا لو واحد مات بالسكتة القلبية، وما استطاع أن يقول لا إله إلا الله، هل يُقال: خاتمة سوء وهذا الرجل معذّب مثلا؟ لا، بل قد يكون في قلبه من الإيمان اعظم من بعض الذين تمكنوا من نطق الشهادة، لكن من نطق الشهادة قبل الموت يُرجى له حسن الخاتمة، والذي ما نطق بالشهادة قبل الموت قد يكون مثل الذي نطق أو أعلى أو أقل، فهذا النبي ﷺ آخر ما قال: بل الرفيق الأعلى ثم قُبِض.
لماذا قال عائشة ”فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ“ : قال الحافظ - رحمه الله -: "فَهْمُ عائشة من قول النبي ﷺ: في الرفيق الأعلى أنه خُيِّرَ نَظِيْرُ (اي مثل) فهم أبيها من قوله ﷺ: إنّ عَبْدا خيّرَهُ الله بينَ الدنيا وبينَ مَا عِنْدَهُ فاختار ما عِنْدَه، ففهم أبو بكر في تلك الخطبة أن العبد هو النبي ﷺ وبكى، كذلك فهمت بنته صاحبة هذا الفهم" [فتح الباري لابن حجر: 1/165].
المرتبة الثانية : أرواح الشهداء؛ قال بعض المفسّرين ان الشهداء:
١- هم العلماء، وقال: بعضهم:
٢- قتلى المعارك.
وأما تسمية العلماء بالشهداء؛ لأنهم يشهدون لله بالواحدنية شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: 18]، فهُم شُهَداء؛ اي شهداء لله على شرعه، وعلى دينه، وهم الموقعون عن رب العالمين. والشهداء قتلى المعارك ثبتت تسميتهم بذلك في سبيل الله، فلا شك أنهم اشتهروا باسم الشهداء، فهؤلاء المرتبة التي تليها بعد الأنبياء وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169]. ولعل المعنيين صحيحين، فهم العلماء وقتلى المعارك.
فما هي تلك المرتبة ؟ جاء في قوله تعالى : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169] ففي صحيح مسلم عن مَسْرُوق، قال: سأَلْنَا عبد الله عن هذه الآية ؟ فقال: "أما إنا قد سألنا عن ذلك، (يعني رسول الله ﷺ كيف احياء وبماذا يرزقون ؟) فقال ﷺ : أرواحُ الشهداءِ (اي شهداء المعارك في سبيل الله كقتلى أُحد) في جوفِ طيرٍ خُضرٍ (جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر وتأكل من أشجار الجنة)، لها قَناديلُ مُعلَّقةٌ بالعرشِ، تسرَحُ منَ الجنَّةِ حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديلِ، (وبعدما تنتهي من هذه الرحلة في الجنة، تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش ومعروف أن العرش - عرش الرحمن - سقف جنة الفردوس، فبعدما تنتهي من رحلتها في الجنة تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش) فاطَّلعَ إليهم ربُّهم اطِّلاعةً، فقال: هل تشتهونَ شيئًا؟ قالوا: أي شيءٍ نشتهي ونحن نسرحُ منَ الجنَّةِ حيث شئنا؟ (يعني وماذا نريد أكثر من ذلك؟!) فيفعلُ ذلك بهم ثلاثَ مراتٍ (اي يسالهم ثلاث مرات)، فلمَّا رأوا أنَّه لا يُترَكوا من أن يُسألوا، (اي لا بد من جواب) قالوا: يا ربِّ، نريدُ أن تُردَّ أرواحُنا في أجسادِنا حتى نُقتلَ في سبيلِك مرَّةً أخرى، (يعني لما رأوا من النعيم قالوا: نريد شهادة بعد شهادة بعد شهادة لنزداد نعيما بعد نعيم) فلمَّا رأى أن ليس لهم حاجةٌ تُركوا. (يعني الله ﷻ - علم أن ليس لهم حاجة تُرِكُوا؛ فإنه قد قضى أنهم لا يرجعون إلى الدنيا). [رواه مسلم: 1887].
اذا هذه المرتبة ارواحهم في :
١- جوفِ طيرٍ خُضرٍ،
٢- تسرَحُ منَ الجنَّةِ حيث شاءت
٣- لها قَناديلُ مُعلَّقةٌ بالعرشِ، ثم تأوي إلى تلك القناديلِ.
٤- وجاء من الشهداء من يكون مقره باب الجنة، كما في المسند عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: إنَّ أرواحَ الشُّهداءِ عندَ بارقٍ نهرٍ ببابِ الجنَّةِ (قيل هو نهر عظيم على باب الجنة، معدّ للشهداء خصوصًا، لعله الموضع الذي يظهر منه النهر ويبرق)، في قُبَّةٍ خُضراءَ (إشارة إلى مكان عالٍ فخم يشبه الخيمة الضخمة، فيه تنعم أرواحهم)، يخرجُ عليهم رزقُهم منَ الجنَّةِ بُكرةً وعشيًّا.(كما تُعرض النار على آل فرعون غدوا وعشيا) [روى الإمام أحمد في “المسند” (ج ٣ / ص ٤٣٨، رقم ١٥٩٩٧)، وابن ماجه في “السنن” (رقم ٢٨٠٠)، وصححه الألباني في “صحيح ابن ماجه” (٢٣٣١)].
٥- وهناك مقامات للشهداء خاصة جعلها الله لاناس معينين، قال ابن القيم - رحمه الله -: ”وهذا بخلاف جعفر بن أبي طالب حيث أبدله الله من يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء“.
وجاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا بني الله ألا تحدثني عن حارثة؟ - وكان قُتل يوم بدر، فهو ابن صغير شاب صغير قتل يوم بدر، فأمه جاءت تريد عزاءا وشيئًا يبرد حر المصيبة، لان قد أصابه سهم غرْبٌ لا يدرى من راميه؟ فإن كان في الجنة صبرتُ، وإن كان غير ذلك اجتهدتُ عليه في البكاء، قال: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابْنَكِ أصابَ الفردوس الأعلى. [رواه البخاري: 2809].
وجاء عن عبد الله بن عمرو أن أرواح الشهداء في طيرٍ كَالزَّرازيرِ يتعارفون، ويرزقون من ثمر الجنة. [رقم الحديث في “الترغيب والترهيب” (للألباني) هو: 3523، لا بد من تحقيقه] “الزرازير” جمع “زرزور”، وهو طائر صغير الحجم معروف، كثير الحركة، يعيش غالبًا في أسراب.
وقفة عقائدية : الفروق بيننا وبين أهل البدع كالمعتزلة، أننا نؤمن بأن الجنة موجودة الآن، وأن الأرواح تُنعّم فيها، نحن الآن في الدنيا وهناك أرواح تنعّم في جنات النعيم، أما أولئك المبتدعة يرون أن الجنة غير مخلوقة وأنها لن تخلق إلا يوم القيامة، ونقول هذه الجنة التي أُخرج منها آدم أصلا، وفي هذا الحديث إثبات مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل يوم القيامة، وفي الحديث أن الأرواح باقية لا تفنى فينعم المحسن ويعذب المسيء، والذي يظن أن الميت إذا مات ماتت روحه معه، فهذا جاهل أو ضال، فإن الروح لا تموت، باقية وتشعر وتعذّب وتنعّم وموجودة، خروج من الجسد وتعود لعلاقة خاصة، تختلف عن علاقتها به في الدنيا. بل قال النبي ﷺ: إنما نَسَمَةُ المؤمنِ طيرٌ يعلُقُ في شجرِ الجنةِ، حتى يرجعَهُ اللهُ إلى جسدِه يومَ يبعثُه. (والنسمة تًطلق على الجسد والروح، وتُطلق على الروح فقط وهو المراد بها في الحديث هنا، تَعْلُقُ من شجر الجنة اي تأكل النسم هذه الأرواح أرواح المؤمنين حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يوم القيامة. [روى مالك في الموطأ (حديث رقم 530) عن كعب بن مالك رضي الله عنه، صححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 2358)]. وقال تعالى عن آل فرعون بعد الموت وبعد الغرق: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: 46]، فمعنى ذلك أن أرواحهم تُعذّب، وأنهم يُعرضون على النار غدوا وعشيا في الصباح والمساء، إذن الروح تُنعّم وتعذّب الآن في البرزخ.
سؤال : هل يستثنى من تنعيم أرواح الشهداء أحد؟
الجواب : قال ابن القيم - رحمه الله - عن أرواح الشهداء: "ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تُحبس روحُهُ عن دخول الجنة لدين عليه أو غيره، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قام فيهم فذَكَرَ لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضلُ الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قُتلتُ في سبيل الله تُكفّر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ: نعم، إن قُتلتَ في سبيل الله وانت صابر محتسب مقبلٌ غيرَ مدبرٍ. ثم قال رسول الله ﷺ: كيف قلت ؟ قال: أرأيت إن قُتُلتُ في سبيل الله أتكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم وأنت صابر محتسب مُقبل غير مدبر إلا الدَّين فإن جبريل ﷺ قال لي ذلك. (إذن جاء من جبريل خبر اثناء السؤال أن الدين مستثنى)، إذن أرواح الشهداء تُنعّم، في حواصِلِ (اي جوف) طير خضر، لكن ليست كلها كذلك؛ لأن منهم من هو محبوس بدينه، فدلّ ذلك على الفضيلة العظيمة للمجاهدين، وعلى خطورة حقوق العباد، وأن حقوق الأدميين عند الله مصانة وحتى مع الشهيد، وقوله في الحديث: مُقْبل غير مدبر، اي مقبل في سبيل الله وليس فارا، والمحتسب هو المخلص لله ﷻ، فلا يدخل في ذلك من قاتل لعصبية ولا من قاتل لغنيمة ولا من قاتل لصيت أو ذكر أو ليقال فلان شجاع وجريء، فليس له هذا الثواب. وقوله: إلا الدَّين فيه دليل على أن الاستشهاد في سبيل الله لا يكفّر حقوق الآدميين، وإنما يكفر التقصير في حقوق الله تعالى، وقوله: إلا الدَّين فإن جبريل قال لي ذلك، أوحي إليه في ذلك الحال.
فاين روح الشهيد الذي عليه دين ؟
- محبوسًا على باب الجنة : فعن محمد بن عبد الله بن جحش رضي الله عنه قال: (كان رجلٌ يجلسُ عند النبي ﷺ، فإذا هو قال: رأيتُ صاحبَكم مُحبَسًا على بابِ الجنةِ في دَينٍ كان عليه). [رواه الإمام أحمد (15399) وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1817): صحيح لغيره]، كما ثبت في الحديث الصحيح:(يُغفر للشهيد كلُّ ذنبٍ إلا الدَّين) – رواه مسلم (1886).
- محبوسا في قبره يعذب : قال ابن القيم : ”فمنهم من يكون محبوسًا في قبره، لكن هذا ارتكب معصية، فقد قُتل في سبيل الله لكن كان غالا من الغنيمة، فهو قد خرج في سبيل الله ورماه العدو بسهم فقُتل، لكن كان قد غلّ من الغنيمة، فتسبب هذا الغلول في أسره في قبره“ [الروح: 115]. ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر، فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجل من بني الضُّبَيْبْ يقال له: رفاعة بن زيد، أهدى لرسول الله ﷺ غلامًا يقال له مِدْعَم، فوجّه رسول الله ﷺ إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى، بينما مدعمٌ يحط رَحْلا لرسول الله ﷺ إذا سهم عَائِرٌ فقتله (السهم العائر الذي لا يدرى من راميه، وقيل: الذي حاد عن قصده) فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ: كلا، والذي نفسي بيده إن الشَمْلَةَ التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا [رواه البخاري: 6707]، اي أخذها من المغانم قبل قسمة الغنائم، لان للمقاتلين فيها نصيب، فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ﷺ فقال: شراك من نار أو شراكان من نار. والشراك: سير النعل الذي يكون على ظهر القدم، قطعة الجلد هذه خيط الجلد، والمعنى : انه لما سمع الرجل الموعظة في الشملة جاء بشراكين، فوضعهما عند النبي ﷺ فأخبره أنهما من نار، فقد يكون المعنى يعذّب بهما وهما من نار، وقد يكون أنهما سبب لعذاب النار، وهذا الحديث يدل على أن الغلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة على من غل إذا قتل.
الخلاصة : نتأمل الآن مراتب الشهداء، جعفر يطير بجناحين في الجنة، وشهداء أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح، وشهداء يأكلون من ثمر الجنة، وشهداء على باب الجنة، وشهداء في القبر محبوسون بأسباب، فهم على مراتب.
فالارواح تتلاقى مع اشكالها في البرزخ : فهذه أرواح اهل الإيمان من الشهداء، وهناك ارواح اهل الايمان من غير الشهداء، وهناك أرواح أهل الكفر، وهناك أرواح أهل الفجور والعصيان، ومنهم من يكون محبوسا في الأرض لم تعلُ روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحا سفلية أرضية، فإن الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية، فهي ليست بمنزلتها، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها والأُنس به وذكره والتقرب إليه ومحبته ورجاءه والخوف منه، هي نفسٌ سُفلية، لا تستحق أن تكون مع الأرواح العلوية، والمرء مع من أحب، والله تعالى يزوِّج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: 7]، زوجت الأرواح بالأبدان، أو جعل كل واحد مع نظيره ومن هو على شاكلته، ولذلك يكون الزناة مع الزناة وشراب الخمور مع شراب الخمور، وعُبّاد الكواكب مع عباد الكواكب، واليهود مع بعض النصارى مع بعض، وأهل السرقة مع بعض وأهل الرشوة مع بعض، كذلك يكون أهل الدعوة مع بعض، وأهل العلم مع بعض وأهل الجهاد مع بعض وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال ابن القيم: "والله تعالى يزوِّج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد ويجعل روح المؤمن مع النسم الطيب" [الروح: 116]، أي الأرواح المشاكلة لها، أرواحهم في عليين، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وأخواتها وأصحاب عملها فتكون معهم هناك، فتأمل مثلا أهل الحديث: أبو هريرة، وابن عمر، وابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، أهل الحديث سعيد بن المسيِّب، وسفيان، وشُعبة، وأحمد، وابن معين والبخاري، والترمذي، ومسلم، والطبراني، والبيهقي، أهل الحديث، هؤلاء الذين أفنوا أعمارهم فيه، ولقوا ربهم عليه، هم مع من هم على شاكلتهم، وأهل الفقه، وأهل الجهاد، وأهل الدعوة، أهل الصدقات، أهل المعروف واعمال البر والخير، الأرواح تتجمع وتكون مع من هم على شاكلتها.
شُبهة والرد عليها على تناسخ الارواح
في مسألة أرواح الشهداء في حواصل طير خُضْر، حاول بعض المبتدعة من الكفرة من القائلين بتناسخ الأرواح، أن يقولوا هذا هو الذي يدل على صحة عقيدتنا موجود عندكم؟ فنقول: هيهات هيهات، البون شاسع بين ما تقولونه، ويقوله رسول الله ﷺ فهم يقولون: إن الميت إذا مات روحه تتحول إلى حيوان بحسب عمله، فإن كان خيِّرا صارت، روح طائر وإن كان شريرا، صارت روح كلب أو خنزير مثلا يعتقدون ذلك، تناسخ الأرواح ولهم تفصيلات وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان كفر أصلا كفر عظيم، أين هذا الكلام من قول النبي ﷺ: إن أرواح الشهداء تكون في حواصل طير خضر هي داخل الحواصل تسرح بها في الجنة، فيكون الطائر كالمركب الذي يحمل الروح ويطير بها فتُنعّم، فأين هذا من هذا؟ هو قال أن الروح تصبح طائرا، يعني أنها ترجع إلى الدنيا على شكل طائر وتموت وترجع مرة أخرى وطائر ثانٍ وطائر ثالث، أو تكون كلبا أو خنزيرا وترجع مرة ثانية إذا مات الكلب يرجع كلب ثاني وثالث الذي يقول به هؤلاء الكفرة شتان شتان. وهؤلاء ما عندهم يوم بعث ونشور خلاص العملية دوارة، الروح من حيوان إلى حيوان إلى حيوان ما في نهاية وهو من أبطل الأقوال وأخبثها.
ويليه في البطلان من قال إن الروح تموت وينتهي كل شيء خلاص ما بعد ذلك شيء، وأن الموت هو نهاية العالم ما بعده شيء، وأن الروح تموت والجسد يموت وخلاص، ومنهم الذين يقولون: نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: 24]، قالوا أرحام تدفع وأرض تبلع، وهكذا، ومن أباطيلهم أنهم يقولون إن الدنيا تعود كما كانت كل ستة وثلاثين ألف سنة، يرجع آدم مرة ثانية وهكذا بدون نهاية، أقوال سخيفة مضحكة، شتان بين هذا وبين هذه الأدلة من الكتاب والسنة.
المرتبة الثالثة: أرواح المؤمنين الصالحين :
أرواح المؤمنين الصالحين، قال النبي ﷺ : إذا حُضِرَ المؤمن (يعني حضره الموت)، أتَتْهُ ملائكةُ الرَّحمةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاء، فيقولون: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الرَّاضِيَةُ الْمَرْضِيُّ عَنْكِ، إِلَى رَوْحِ اللهِ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَأْتُوا بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، (وهنا محل الشاهد) يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدُمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. [رواه النسائي: 1833، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 222].
إذن، روح المؤمن أين تذهب بعد الموت ؟ ومع من تجتمع مع أرواح المؤمنين، قال:
- يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدُمُ عَلَيْهِ، فلو أن إنسان مسافر من أحبابك وأقاربك سفرا بعيدا، ثم جاء بعد طول غياب كيف فرحك به ؟ فرح المؤمنين وهم يتلقون أرواح أخيهم الذي جائهم حديثا من الدنيا ومات وخرجت روحه إليهم، فالملائكة تأتي به أرواح المؤمني في عليين، فيفرح المؤمنون لملاقاة أخيهم، ويستقبلونه.
- فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ وهذا يدل على أن الأموات لا يعلمون ماذا يحدث في الدنيا وما يفعله الأحياء، فنحن لا نثبت ولا ننفي إلا بدليل، هذه قاعدتنا في عالم الغيب، لا بد من دليل، وهنا الحديث يقول: فيسألونه ماذا فعل فلان ماذا فعل فلان ماذا فعل فلان؟ فيقولون : (يعني يستدرك بعضهم) : نحن الآن نكثر عليه الأسئلة والآن جاءكم من الدنيا ومن غمّها دعوه يستريح؛ لأن المؤمن مستريح إذا مات مرضي عنه؛ فهذه الدنيا مليئة بالغموم والهموم والأوجاع والأحزان والأمراض والضغوط النفسية، فعندما يموت المؤمن يستريح، فيقولون :
- دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم ؟ اي يكون فلان مات قبله، فقالوا : ذُهِبَ به إلى أمه الهاوية. هذا ليس معنا هذا في مكان آخر، يعني الأرواح التي تسأل عن القادم، إذا أخبرهم المسؤول عنه أنه مات، وليس معه في منازل المؤمنين، يعلمون من ذلك أنه قد مات وأنه ذهب به إلى أمه الهاوية، فيقول: مات ما جاءكم ؟ فيعرفون بما أنه مات، وبما أنه ما جاءهم أين ذهب ؟ هم يظنونه كان في الدنيا، فيعرفون أنه ذُهب به إلى أمه الهاوية؛ مع أرواح أهل النار؛ إما انتكس، او ارتد، او كان منافقا، كانوا يرجون أن يتوب فمات بغير توبة، والهاوية من أسماء النار؛﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ - نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ [القارعة: 9-11]؛ لأنها مأوى صاحبها، فهو يلازمها وتلازمه ملازمة الأم للولد، إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان: 65]، يعني: لازما لا مفر منه ولا انفكاك عنه.
وقد مر معنا معنى الحديث عند الاحتضار : قوله: بحريرة بيضاء التي تلف فيها الروح وترفع إلى السماء، وهذا الكفن الذي تحضره الملائكة من الجنة، وإلى روح الله وريحان؛ فالرَوْحِ الراحة من التعب والنصب، والريحان ما يشم، ورزق الله الذي يأتي به من الجنة لهذا العبد، وقوله حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا اي روح المؤمن يتناوبون عليه والملائكة يصعدون به من يد إلى يد، تكريما وتعظيما وتشريفا لا كسلا ولا تعبًا، فإنها لا تكسل ولا تتعب، لكن من الإكرام الملائكة تسلّم الملائكة وهو صاعد في رحلته العلوية.
ثبت ما يدل على أن أرواح المؤمنين تكون طيرا تعلُق يعني تأكل من شجر الجنة كما في مسند أحمد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: قالت أم مُبَشِّرْ لكعب بن مالك - أم مبشر صحابية، ابنها مُبَشِّرْ مات وقتل شهيدا من الصحابة - كعب بن مالك لما صار على فراش المرض، أم مُبَشِّرْ جاءته، وكانت كلما سمعت بواحد على وشك الموت أو على فراش المرض تأتيه؛ لتطلب منه أن يسلم على ابنها؛ لأنها كان فيها لوعة على ابنها الذي قُتل فكانت كلما سمعت بواحد على فراش الموت أو على فراش المرض، جاءته تقول بلّغ ابني السلام فوجدت كعب بن مالك مريضا، فجاءته فقالت: اقرأ على ابني السلام (تعني مبشّرا)، فقال : يغفر الله لك يا أم مبّشر، أولم تسمعي ما قال رسول الله ﷺ: “إِنَّمَا نَسَمَةُ المُسْلِمِ طَيْرٌ تَعَلَّقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ (تعلق: يعني تأكل) حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ“. قالت: صدقت فأَسْتغفر الله. [رواه أحمد: 15776، وقال محققه الأرنؤوط إسناده صحيح على شرط الشيخين، قال الألباني إسناده صحيح على شرط الشيخين.]. فأنها استغفرت من جزعها على ابنها، وأنه كان يكفيها الاطمئنان بالحديث النبوي الذي أخبرهم به النبي ﷺ. فقوله: انَّمَا نَسَمَةُ المُسْلِمِ النسمة هنا هي الروح، تكون طَيْرٌ تَعَلَّقُ، والطير جمع طائر، خُضر: جمع أخضر، تعلُق: ترعى وتأكل من أعالي شجر الجنة من ثمر الجنة أو من شجر الجنة.
وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: أرواحهم في أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل. [رواه مسلم: 1887].
فمن هم هؤلاء الذين أرواحهم تكون طيرًا تأكل من أعالي شجر الجنة؟
قال ابن عبد البر: ”اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال منهم قائلون :
القول الاول : أرواح المؤمنين عند الله في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء، إذا لم يَحْبِسُهُم عن الجنة كبيرة ولا دَين، وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم وبالرحمة لهم، فهؤلاء تتحول أرواحهم تكون أرواحهم طيورًا تأكل من شجر الجنة، (وقدم أنها : ١- تصعد ٢- تطير ٣- تكون في الجنة ٤- وتنزل ٥- ولها تعلق بالبدن في الأرض هذه المدة ٦- ثم تصعد، ٧- وفي أرواح في أعلى عليين ٨- في أرواح في القناديل وفي الطيور وتأكل وعند باب الجنة ٩- وفي أرواح محبوسة في الأرض.)
القول الثاني : قال النبي ﷺ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ، بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. استُدل به على أن الأرواح على أفنية القبور، المعنى أنها قد تكون على أفنية قبورهم لا أنها لا تفارق الأفنية“ [التمهيد: 14/109].
وللجمع بين الحديثين : ذهب ابن القيم - رحمه الله - إلى أنه لا تنافي
- بين قوله ﷺ : نَسَمَةُ المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة،
- وبين قوله: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ، بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ لأن المعارضة التي يمكن أن تتوهم مثلا أن يُقال : كيف هو في قبره يرى مقعده من الجنة ؟ وكيف الأحاديث الأخرى التي فيها أن الأرواح تدخل الجنة وتأكل من شجر الجنة ؟ فهل هو في القبر يرى مقعده رؤيا فقط ؟ أو يدخل الجنة ويعاين ويأكل، فابن القيم - رحمه الله - يقول: ”لا تعارض، وهذا الخطاب يتناول الميت على فراشه والشهيد، كما أن قوله: نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة يتناول الشهيد وغيره، ومع كونه يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ترد روحه أنهار الجنة وتأكل من ثمارها“ يعني : لا مانع ما يتعارض أن يكون في القبر يرى مقعده من خلال النافذة المفتوحة، او الباب الذي يفتح فيرى مقعده من الجنة، وروحه تصعد إلى الجنة وتأكل من ثمارها، فلا يتعارض هذا مع هذا، ”وأما المقعد الخاص به والبيت الذي أُعدّ له، فإنما يدخله يوم القيامة يعني جسدا وروحا“. فإذن، الان هو في قبره يرى مقعده من الجنة، وروحه ممكن تصعد وتدخل حسب المنزلة.
وملخص القولين والخلاف :
مرتبة الشهداء : تأكل من ثمر الجنة وتعلُق من شجر الجنة، وفي حواصل الطير خضر، وعلى باب الجنة.
مرتبة اهل الايمان من غير الشهداء : ليس لهم هذا.
والراجح : ان عموم الحديث: إن نسمة المؤمن طيرٌ تعلُق من شجر الجنة يشمل الشهداء وغير الشهداء، وردّ ابن القيم - رحمه الله - بقوة في المسألة وقال:“ إن هناك طبقة أعلى من الشهداء، وهم الصديقون، فهل تقولون إن أرواح الشهداء تعلُق من شجر الجنة، ومن هو أعلى منهم كأبي بكر الصديق، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم من الذين لم يقتلوا في سبيل الله، ماتوا ميتة عادية، لا تدخل الجنة ولا تعلق من شجر الجنة ؟ هذا لا يمكن“، إذن يريد أن يقول - رحمه الله - أن (أرواح الشهداء التي في طير خُضْر تعلُق من ثمر الجنة)، و (أرواح المؤمنين نسمة المؤمن طائر يعلق من شجر الجنة)، أن المؤمنين يشتركون مع الشهداء في هذا وإن كان الشهداء أو بعض الشهداء أعلى من بعض المؤمنين، ولذلك فإن أرواح هؤلاء الشهداء في حواصل طير خُضْر وهي التي تسرح بهم وهي التي تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش. وقد جاء في حديث رواه الطبراني وحسّن إسناده الهيثمي والألباني: افتحوا له بابا إلى الجنة، فيُفتح له، فيُقال هذا منزلُكَ وما أعدّه الله لك، فيزداد غبطةً وسرورًا، فيُعاد الجلد إلى ما بدا منه، ويُجعلُ روحه في نَسَمِ طير يَعلُقُ في شجر الجنة. [رواه ابن حبان: 3113، والحاكم: 1403، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3561]. إذن لا يمنع أن تكون أرواح الشهداء في حواصل طير خُضْر تسرح تأوي إلى قناديل وأرواح المؤمنين من الذين ليسوا بشهداء في أجواف طير خضر تُعلّق من ثمر الجنة ولكن لا تتنقل في أرجائها وتأوي إلى قناديل كأرواح الشهداء ميزة للشهداء.
اذا الخلاصة للفرق بين الشهداء وغيرهم من المؤمنين :
ارواح الشهداء : أرواح الشهداء في حواصل طير خُضْر (تسرح تأوي إلى قناديل).
المؤمنون غير الشهداء : في أجواف طير خضر تُعلّق من ثمر الجنة (ولكن لا تتنقل في أرجائها وتأوي إلى قناديل كأرواح الشهداء).
وتخليصا للمشهد : هناك أناس محبوسين في القبر، واناس عند باب الجنة، واناس أرواحهم تدخل الجنة تأكل منها، واناس تأوي أرواحهم إلى قناديل تحت العرش، فهم درجات ومراتب، لكن متى يدخل المكان الذي هيئ له في الجنة جسدا وروحا ؟ هذا لا يكون إلا يوم القيامة، أما في القبر الان في عالم البرزخ، فهو يرى مقعده من الجنة والنعيم للجسد والروح، فالروح ممكن تصعد وتأكل من شجر الجنة، لا مانع، لكن الجسد والروح والدخول التام والمقعد والتمتع بما أعد الله له واستمتاع تام جسدا وروحا، لا يكون إلا بعد يوم القيامة، قال ابن القيم : ”فإن الدخول التام بالكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك لا شك أن استمتاع الروح فقط أقل من استمتاع الجسد والروح معا“. [الروح: 97].
الفرق بين نعيم القبر والجنة يوم القيامة : قال ابن القيم: ”فتَنَعُّمِ الأرواح بالجنة في البرزخ شيء وتنعمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر؛ فغذاء الروح من الجنة في البرزخ، دون غذائها مع بدنها يوم البعث“ يعني نعيم القبر مستوى أقل "ولهذا قال ﷺ : تَعْلُقُ في شجر الجنة، أي: كما تأكل العَلَقَة، واما تمام الأكل والشرب واللبس والتمتع، إنما يكون إذا رُدّت إلى أجسادها يوم القيامة، فالأكل في القبر أكل خفيف بالنسبة ليوم القيامة. فإذن، بهذا يتبين أنه لا تعارض بين حصول شيء من الاستمتاع في عالم البرزخ، وشيء من العذاب في عالم البرزخ، وبين ما سيحدث يوم الدين.
من هنا الجزء الرابع :
المرتبة الرابعة : أرواح العصاة من المؤمنين، وهناك صور قد جائت في احاديث صحيحة تبين ما يحدث مع اهل القبور مع العصاة الذين لم يتوبوا عن هذه المعاصي وماتوا مصرين عليها، وهم في اصل الحكم (تحت المشيئة) ان شاء الله غفر له وان شاء عذبه، ومنها :
- عذاب القبر بسبب البول والنميمة : عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: ”إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ“، ثُمَّ قَالَ: ”بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ“ (وفي رواية واللفظ لمسلم (292): ”لَا يَتَنَزَّهُ مِنَ البَوْلِ“، وفي رواية عند أحمد (رقم 2553) بلفظ ”فَكَانَ يَسْتَقْطِرُ مِنَ البَوْلِ“ )؛ ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: ”يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟“ قَالَ: ”لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا“. [البخاري (216)]، وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ”تَنَزَّهُوا مِنَ البَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ“. [رواه الدارقطني (1/128)، والحاكم في المستدرك (1/252)، والطبراني في الأوسط، وصصحه الالباني في إرواء الغليل ٢٨٠ في رواية انس بن مالك نفس اللفظ]، "إنَّ عامَّةَ عذابِ القبْرِ مِن البَولِ"، أي: أكثرُ ما يُعذَّبُ النَّاسُ به في قُبورِهم هو عدَمُ الاستنجاءِ مِن بَولِهم، "فتَنزَّهوا"، أي: تَطهَّرُوا، "مِن البَولِ"، ومعناه ضرورةُ التَّحفُّظِ مِن البولِ والحذَرِ، وحُسْنِ الاستنجاءِ منه، حتَّى لا يُصِيبَ البدَنَ أو الملابِسَ، فيُنجِّسَها، فيكونَ جزاؤه عَذابًا في القبْرِ بعدَ الموتِ، والمرأةُ والرَّجُلُ في ذلك سواءٌ. ولفظ (لَا يَسْتَتِرُ) اي كان يكشف عورته ويتساهل بها، و(لَا يَتَنَزَّهُ) اي لا يتطهر منه بالاستنجاء بازالة اصل النجاسة وتعميم الطهارة، (يَسْتَقْطِرُ) فكان ينزل عليه قطرات في ثيابه دون ان يتاكد من انقطاع البول وانتهاءه، فهذه الامور موجبة لعذاب القبر.
اما النميمة : فقد جاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال ﷺ : لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ. [ البخاري (6056)، ومسلم (105)] ، والقتات هو النمام، وهو من يسعى بين الناس بالنقل لإفساد ذات البين، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال ﷺ : ”أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟“ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ”الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ“. [ أحمد (1/404)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (حديث رقم 1871)]، البُرَآء: جمع “بريء”، أي الأبرياء الذين لم يُذنِبوا. العَنَت: المشقة والفساد والهلاك، ويُطلق على الإثم والحرج أيضًا. فالمعنى: أنهم يطلبون الأذى والإيقاع بالناس الأبرياء، فيتهمونهم بما لم يفعلوا، أو يسعون لإيقاعهم في الشر والمشقة.
وتوبة النمام : النووي قال: “لو أدت النميمة إلى قطيعة بين اثنين، فالتوبة لا تكمل إلا بالسعي في إزالة ذلك وإصلاح ذات البين”. وقرر شيخ الاسلام: “من كانت معصيته في حق آدمي فلا بد من استحلاله، إلا أن يكون في ذلك مفسدة أعظم؛ فحينئذ يكفيه الدعاء له وذكره بالخير والاستغفار”.
- رؤيا سَمُرَةَ بنِ جُنْدُب في عذاب أهل الكبائر : عن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ رضي الله عنه قال : كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ، فَقَالَ: ”مَن رَأَى مِنكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟“ قالَ: فإنْ رَأَى أحَدٌ رُؤْيَا قَصَّهَا، فَيَقُولُ: ما شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا (اي قد كان سال من قبل) فَقَالَ: هلْ رَأَى أحَدٌ مِنكُم رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لا. قالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا، (الان رؤيا النبي ﷺ ورُؤْيا الأنبياءِ حَقٌّ وصِدقٌ، ووَحْيٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ) : رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ (اي مَلَكَينِ) أَتَيَانِي فأخَذَا بيَدِي، فأخْرَجَانِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ (وعند البخاري : ”أرضٍ مقدَّسةٍ“، وعند احمد : ”إلى أرضٍ فضاءٍ، أو أرضٍ مستويةٍ“)،
١- (الرجل الجالس) فإذا رَجُلٌ جَالِسٌ ورَجُلٌ قَائِمٌ بيَدِهِ كَلُّوبٌ مِن حَدِيدٍ (وهو حَديدةٌ مَعطوفةُ الرَّأسِ يُعَلَّقُ عليها اللَّحمُ) يُدْخِلُه في شِدْقِهِ حتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذلكَ، ويَلْتَئِمُ شِدْقُه هذا فيَعُودُ فيَصْنَعُ مِثْلَهُ (دخِلُه في شِدقِه، أي: جانِبِ فَمِ الرَّجُلِ الجالِسِ، حَتَّى يَبلُغَ قَفاه، أي: يَقطَعه شَقًّا، ثمَّ يَفعَل بِشِدقِه الآخَرِ مِثلَ ما فعَلَ بِشِدقِه الأوَّلِ، ويَلتَئِم شِدقُه هذا فَيَعودُ فيَصنَعُ مِثلَه)، فَقُلتُ: ما هذا؟ فَقالا: انْطَلِقْ، (فلم يُجيباهُ عن سؤالِه) فَانْطَلَقْنَا
٢- (الرجل المضجع) حتَّى أَتَيْنَا علَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وآخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بصَخْرَةٍ، (رجُلٍ مُضطَجِعٍ ومُستلِقٍ على قَفاه، وهناك رجُلٌ قائِمٌ وواقفٌ على رَأْسِه، وفي يدِ الواقفِ حَجَرٌ مَلْء الكَفِّ) وإذا هو يُهَوِي بالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فيَثْلَغُ رَأْسَهُ، (فيَشْدَخُ به رأسَ الجالِسِ ويَشُقُّها) فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَاهُنَا، (أي: تَدَحْرَجَ الحَجَرُ بعيدًا) فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فيَأْخُذُهُ (اي الذي كان واقف والقى على راسه الحجر)، فَلا يَرْجِعُ إلى هذا حتَّى يُصْلَحَ رَأْسُهُ كما كانَ، (اذن المستلقي على الارض قد نزل الحجر على راسه وفجر راسه ثم الحجر ابتعد وما ان جاء الواقف به حتى عاد راسه كما كان) ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فيَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى، قُلتُ - اي النبي ﷺ قال - : ما هذا؟ قَالا: انْطَلِقْ، (فلم يُجيباهُ عن سؤالِه ايضا)
٣- (اناس في تنور) فانْطَلَقْنَا إلى ثُقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، (وهو الفُرنُ وما يُخبَزُ فيه) أعْلَاهُ ضَيِّقٌ وأسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يُوقَدُ تَحْتَهُ نارٌ، فإذا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حتَّى كَادُوا أنْ يَخْرُجُوا، فإذا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، فِيهِ رِجَالٌ ونِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلتُ: ما هذا؟ قَالا: انْطَلِقْ،
٤- (نهر من دم) فانْطَلَقْنَا حتَّى أَتَيْنَا علَى نَهْرٍ مِن دَمٍ فِيه رَجُلٌ قَائِمٌ، وعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، (فيه رَجُلٌ يَسبَحُ، ويوجَدُ رجُلٌ آخَرُ واقفٌ على وسَطِ حافَةِ النَّهرِ، وأمامَه وبيْنَ يَدَيْه حِجارةٌ) فأَقْبَلَ الرَّجُلُ الذي في النَّهْرِ، (اي الذي يسبح في الدم) فإذا أرَادَ الرَّجُلُ أنْ يَخْرُجَ رَجَمَهُ بالحَجَرِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كانَ، فَجَعَلَ كُلَّما جَاءَ ليَخْرُجَ رَجَمَهُ، فيَرْجِعُ كما كانَ، فَقُلتُ: ما هذا؟ فَقالا: انْطَلِقْ،
٥- (رجل كريه المنظر) فانْطَلَقْنَا حتَّى أَتَيْنَا علَى رَجُلٍ كَرِيهِ المَنْظَرِ، عِنْدَهُ نَارٌ يَحْشُهَا (يحشها: أي يوقدها ويزيدها حطبًا، ويغذيها لتبقى مشتعلة. أصل “الحَشّ” هو الجمع، والمراد أنه يجمع حطبًا أو وقودًا للنار ليشعلها باستمرار) ويَدُورُ حَوْلَهَا، فَقُلتُ: ما هذا؟ فَقالا: انْطَلِقْ،
٦- (الروضة) فانْطَلَقْنَا حتَّى أَتَيْنَا علَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وعِنْدَ أصْلِهَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وحَوْلَهُ وِلْدَانٌ كَثِيرٌ، ورَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ، (أي رجل واقف عند النار يشعلها أو يحرسها) فَصَعِدَا بي في الشَّجَرَةِ، فأدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أرَ قَطُّ أحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وشُبَّانٌ ونِسَاءٌ وصِبْيَانٌ، ثُمَّ أصْعَدَا بي فِيها حتَّى أدْخَلَانِي دَارًا هيَ أحْسَنُ وأفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ وشُبَّانٌ،
فَقُلتُ لهما: ”طُفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فأخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ“، قَالَا: نَعَمْ،
(تفسير هذه المشاهد)
١- (الرجل الجالس) أمَّا الذي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ (فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بالكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ)، فَيُصْنَعُ به ما رَأَيْتَ إلى يَومِ القِيَامَةِ، (اي لِما يَنْشأُ عن تلك الكَذبةِ مِن المَفاسِدِ)،
٢- (الرجل المضجع) والذي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ باللَّيْلِ ولَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بالنَّهَارِ، يُفْعَلُ به إلى يَومِ القِيَامَةِ، (وقفه : قال الامام ابن باز رحمه الله: ”هذا وعيد شديد لمن ضيع حق القرآن، سواء بترك تلاوته أو بترك العمل به، وليس خاصًا بالحافظ كله، بل يشمل من تعلم منه شيئًا وأهمله“. وقال العثيمين رحمه الله: ”العبرة ليست بحفظ القرآن فقط، إنما العبرة بالعمل به. فقد يحفظ إنسان القرآن ولا ينتفع به، ويأتي آخر لا يحفظ إلا قصار السور ويعمل بها فيكون خيرًا منه“. )
٣- (اناس في تنور) وأمَّا الَّذِينَ في الثُّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ،
٤- (النهر من دم) وأمَّا الَّذِي في النَّهْرِ فَآكِلُو الرِّبَا،
٥- (الرجل الكريه المنظر) وأمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَنْظَرِ الذي عِنْدَ النَّارِ فَمَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ،
٦- (الروضة) وأمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الذي في الرَّوْضَةِ فَإبْرَاهِيمُ، وأمَّا الوِلْدَانُ الذي حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ علَى الفِطْرَةِ،
قالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ وأوْلَادُ المُشْرِكِينَ؟ ”فَقالَ: ”وأوْلادُ المُشْرِكِينَ“،
وأمَّا الدَّارَةَ الأُولَى الَّتي دَخَلْتَ (اي : دَارًا لَمْ أرَ قَطُّ أحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وشُبَّانٌ ونِسَاءٌ وصِبْيَانٌ) دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ،
وأمَّا هذِه الدَّارُ (اي دَارًا هيَ أحْسَنُ وأفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ وشُبَّانٌ) فَدَارُ الشُّهَدَاءِ،
وأمَّا أنا (فَجِبْرِيلُ) وهذا (مِيكَائِيلُ)، ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فإذا سَقْفِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إنَّه بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، ولَوِ اسْتَكْمَلْتَ أتَيْتَ مَنْزِلَكَ. [البخاري 1386]
- الغِيبَة : عن انس بن مالك رضي الله عنه قال : قال ﷺ : َلمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقومٍ لهُمْ أَظْفَارٌ من نُحاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ، فقُلْتُ : مَنْ هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال : هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لُحُومَ الناسِ ، ويَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ. [خرجه أبو داود (رقم 4878). وأحمد في المسند (2/353). والبيهقي في الشعب (رقم 4963). صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (رقم 4878) والترغيب والترهيب (2839)].
وما جاء عن توبة الغيبة : قولان، القول الأول: الاستحلال واجب وقاله الإمام أحمد وطائفة من العلماء قالوا: يجب أن تذهب لمن اغتبته وتستسمحه، لأن النبي ﷺ قال: ”مَن كانت له مظلمة لأخيه من عِرض أو شيء، فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم“ [رواه البخاري (2449)]. فيطلب العفو منه، ويبين له أنه أخطأ في حقه. والقول الثاني: لا يُخبره بل يستغفر له، قاله الحسن البصري: كفارة الغِيبة أن تستغفر لمن اغتبته وتذكره بخير في المواطن التي ذكرتَه فيها بسوء. ورجحه كثير من المحققين، منهم شيخ الاسلام و ابن القيم، خاصة إن كان إخباره يسبب فتنة أكبر أو يزيد العداوة، وهناك تفصيل : الحالة الاولى : اذا علم من تمت غيبته او غلب على ظن المغتاب انه سيصله الامر فعليه ان يتحلله وجوبا، واما ان لم يعلم ذلك وغلب على ظنه انه سينشأ منه بغضاء وعداوة فعليه ان يستغفر له ويذكره بالخير، وهذا جمعا لاقوال العلماء والله اعلم.
وما جاء معنا من الدين والغلول وحقوق الناس ،،، فكلها توجب الحبس، ومنها توجب العذاب نسال الله العافية والسلامة. (انتهى الجزء الرابع)
فأهل الشقاء تُعرض أرواحهم على النار غدوا وعشيا، فإذا كان يوم القيامة دخلوا منازلهم ومقاعدهم التي كانوا يعرضون عليها في البرزخ، فالآن فرعون وجنوده ومن هو على شاكلتهم يُعرضون على النار، هل يصيبهم من عذابها؟ نعم، هل يشعرون بذلك ؟ نعم، يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: 46]، هذا العرض فيه لفحٌ من النار، يأتيهم من سَمُومِهَا (وهي ريح حارة تدخل في مسامّ الجسد، وهي من شدة حرّها قاتلة) ويَحْمُومِهَا ( ماء بالغ الحرارة، إذا شربوه قطع أمعاءهم)، لكن الدخول الذي يكونون في غمرات العذاب في وسط جهنم هذا يكون بعد يوم القيامة.
فالمرتبة الخامسة : أرواح الكفار، قال ﷺ: وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمِسحٍ (وهو ثوب من الشعر غليظ هذا في اللغة، لكن هذا المسح والمسوح هذه من النار)، فيقولون : اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله ﷻ، فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار،. .. حتى قال : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى .. [ أخرجه أحمد في المسند (4/287–288، رقم 18534)، وأبو داود (4753)، والنسائي في الكبرى (11146)، وابن ماجه (4262)، صححه: ابن القيم في الروح، وابن حجر في فتح الباري (3/184)، والألباني في صحيح أبي داود (4753)] إذن هناك مستودع لأرواح الكفار، تأتي أرواح الكفار تلقى فيه.
ما ذُكر عن مكان ارواح الكفار :
في قوله ﷺ : يأتون به باب الأرض، إذن يجمع الله هؤلاء بعضهم إلى بعض، وقد جاءت بعض الأحاديث مثل: ما أشار إليه عبد الله بن مَنْدَة - رحمه الله - قالت طائفة من الصحابة والتابعين: ”إن أرواح المؤمنين بالجابية“، والجابية: اسم موضع بلد معروف في بلاد الشام ناحية من نواحي الجولان شمال حوران قريب من دمشق، ”وأرواح الكفار ببرهوت“، وهو بئر في حضرموت. [وهذا الذي قاله ابن مندة أشار إليه فيه حديث مرفوع: أرواح المؤمنين بالجابيتين وأرواح الكفار تُجمع ببرهوت (والحديث ضعّفه الألباني رحمه الله)] (نعود إلى كلام ابن مَنْدَة) ”قال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟
قال: إن الأرض التي يقول الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105]، هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث، وقال: هي الأرض التي يورثها الله للمؤمنين في الدنيا. وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة“ (وقال سلمان الفارسي: "أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت وأراوح الكفار في سجين" وعلَّقه ابن القيم عن سلمان فلم يسق إسناده.)
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم وأرواح الكفار ببئر برهوت“، وردّه ابن القيم - رحمه الله - قال: "لا دليل عليه في الكتاب والسنة ولا قول صاحب يوثق به، وأما أرواح الكفار فلم يرد فيها حديث مرفوع وإنما هي آثار موقوفة (ساقها ابن القيم) وهي ضعيفة الأسانيد" [الروح: 106]. وهي ملخصها : أن أرواح الكفار في بئر برهوت في حضرموت، (وهذه بئر برهوت موجودة معروفة في حضرموت، وجاء فيها حديث، أن: خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ، وَشَرُّ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَاءٌ بِوَادِي بَرَهُوتٍ بِقُبَّةٍ بِحَضْرَمَوْتَ، كَرَجْلِ الْجَرَادِ مِنَ الْهَوَامِّ (كرجل الجراد: أي صغار الجراد في شكلها)، يُصْبِحُ يَتَدَفَّقُ وَيُمْسِي لا بَلاَلَ بِهَ(أي لا ندى ولا ماء طيب فيه). [رواه الطبراني في المعجم الكبير (رقم 11701)، والبيهقي في السنن الكبرى (5/152)، ضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (رقم 1056)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/286): فيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس وهو ضعيف] وهو بئر معروف والآن موجود معروف عند أهل حضرموت باليمن. ورد أن أراوح الكفار في سجين في هذا البئر، لكن ما ثبت النص بهذا، لكن جاء الحديث الصحيح أنه شرُّ ماء على وجه الأرض الذي هو ماء بئر برهوت، كما أن ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض، أما كون أرواح المؤمنين في زمزم وأرواح الكفار في بئر برهوت، هذا يحتاج إلى إثبات دليل هذا من عالم الغيب؛ لأنك إذا ثبت لديك يجب أن تعتقد به، وأن يكون لقلبك عملٌ؛ وهو الاعتقاد والتصديق، فإذا ما ثبت فلن تعتقد به.
والصحيح والراجح : ان أرواح الكفار في سجين؛ فهذه قد جاءت فيها أحاديث، ومنها إذا وضع الميت في قبره قال في شأن الكافر: … ويضيق عليه قبره حتى تلتقي أضلاعه، فذلك قول الله ﷻ : مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: 124]، قال: وتُجعل روحه في سجين هذا الحديث موجود في مصنّف عبد الرزاق موقوفا على أبي هريرة وسنده حسن. ملخصه هو: أن أرواح الكفار في سجين. [مصنف عبد الرزاق: 6703]. وهذه اللفظة وردت في سورة المطففين: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: 7]، وسجين مكان ضيق سجن، أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليم، قال قائلون: هو تحت الأرض السابعة.
وجاء في حديث البراء: يقول الله ﷻ في روح الكافر : اكتبوا كتابه في سجين [رواه أحمد: 18534، وصححه الألباني في أحكام الجنائز: 1630]. قال الشُّرّاح: "سجين تحت الأرض السابعة" [تفسير القرطبي: 19/257].
فما هو سجين ؟
في تفسير ابن كثير قال؛ ذكر ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره قال: "والصحيح أن سجينًا مأخوذ من السجن، وهو الضّيقُ، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي بالسُفُولِ المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة" [تفسير ابن كثير: 8/346]. وهو في المركز في وسط الأرض السابعة، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: 5، 6].
اذا للان :
١- أن أرواح المؤمنين في عليين ، وأنها طليقة تسرح وهي مراتب في دخولها الجنة والأكل منها،
٢- وأن أرواح الكفار محبوسة في ضيق في سجين في الأرض السفلى، تُعرض على النار، ويصيبها ما يصيبها من عذابها،
وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية تلخيصا لمن اراد - رحمه الله -: "وأرواح المؤمنين في الجنة، وإن كانت مع ذلك قد تُعاد إلى البدن، كما أنها قد تكون في البدن ويُعرج بها إلى السماء كما في حال النوم، أما كونها في الجنة ففيه أحاديث عامة، وقد نصّ على ذلك أحمد وغيره من العلماء، وكما دلّت عليه النصوص، فالروح كما تدل على الأحاديث تُعاد إلى الجسد بعد الرحلة إلى السماء ثم تُسأل ثم تكون طيرا يعلق في شجر الجنة إلى أن يبعث العباد ومع كونها في الجنة فإنه يبقى لها تعلق بالجسد كحال الإنسان في النوم فإنها تجول في ملكوت السماوات والأرض مع أن لها تعلُّقًا بالجسد وذلك أن الروح وأحوالها مخالفة للجسد، فهي في مستقرها أما في الجنة أو في النار على ما مضى بيانه ومع ذلك تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى“ [مجموع الفتاوى: 5/447]. إذن أرواح المؤمنين تسرح وتذهب للجنة، وتتصل بالبدن متى شاء الله تعالى. ومن ضمن الاتصالات ما يحدث من عودتها إلى البدن لكي تُسأل يُقعد الإنسان ويسأل جسدا وروحا، عند السؤال: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ يسأل جسدا وروحا، ويسأل وروحه في جسده، حتى ولو احترق، حتى ولو أكلته السباع، وتخطفته الطير، يجمعه الله وتدخل الروح البدن، في القبر ويُسأل، قال: "ومع ذلك تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى وهي في تلك اللحظة بمنزلة مرور الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم"
الخلاصة العامة للان : في حياة البرزخ، تتفاوت منازل الأرواح بناءًا على أعمالها. الأرواح إما أن تكون مرسلة (كأرواح المؤمنين الصالحين والشهداء في الجنة) أو محبوسة (بسبب الذنوب أو الدين، أو للكفار في سجين بأسفل الأرض)، والروح في البرزخ متصلة بالبدن في القبر، وتتنعم أو تتعذب بشدة تفوق شعور الدنيا. النعيم أو العذاب الكامل للجسد والروح معًا يكون يوم القيامة.
عذاب الميت ببكاء أهله عليه
نأتي الآن إلى مسألة من المسائل المتعلقة أيضا بحياة البرزخ، وما يكون في القبر، وهي عذاب الميت بما نِيْحَ عليه، فكثير من الأموات الان إذا ماتوا ناح النساء أو ناح أهله عليه او لطموا عليه: يا ويلي، يا خرابي، يا حزني، ليش يا رب؟ إلى آخره من الفاظ النياحة والصياح، وايضا شق الثياب، لطم الوجه، والدعاء بالويل؛ فهل هذا له تأثير على الميت ؟ هذا ما سنحاول الوقوف عليه.
- روى البخاري عن المغيرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: من نِيْحَ عليه يُعذّب بما نيح عليه. [رواه البخاري: 1291].
- وعند مسلم عن علي بن ربيعة، المغيرة بن شعبة رضي الله عنه : "أَوَّلُ مَن نِيحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قُرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [رواه مسلم: 933]
- وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر عن أبيه رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه [رواه البخاري: 1292، ومسلم: 927]، قال النووي: ”وفي رواية بإثبات: "في قبره" وفي رواية بحذفها“ [شرح النووي على مسلم: 6/230] يعني الميت يُعذّب بما نِيْحَ عليه، ورواية الميت يعذّب في قبره بما نيح عليه.
- وروى البخاري ومسلم عن ابن أبي مَلِيْكَة (من التابعين الكبار، وأحد فقهاء مكة، روى عن: عائشة، وأم سلمة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وأسامة بن زيد، وغيرهم، هو عبدُ الله بنُ عُبيدِ الله بنُ أبي مليكة زُهير بن عبد الله بن جدعان التيمي القرشي المكي) قال: توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنها بمكة، وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، اما وإني لجالس بينهما فإذا صوتٌ من الدار - صياح - فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان : ألا تنهى عن البكاء؟ (يعني الآن البكاء من بيتكم على أختك، اذهب وانههم عن البكاء اي الصياح) "فإن رسول الله ﷺ قال: إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فقال ابن عباس رضي الله عنه قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك، ثم حدّث قال: لما أصيب عمر، دخل صهيب يبكي يقول : وا أخاه وا صاحباه، فقال عمر رضي الله عنه: "يا صهيب أتبكي عليّ وقد قال رسول الله ﷺ: إن الميت يُعذّب ببعض بكاء أهله عليه ؟ قال: فأما عبد الله فأرسلها مرسلة، وأما عمر فقال ببعض" (يعني حديث عبد الله: الميت يعذّب ببكاء أهله عليه حديث عمر: الميت يعذّب ببعض بكاء أهله عليه). قال ابن عباس رضي الله عنه : فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: ”رحم الله عمر، والله ما حدّث رسول الله ﷺ: إن الله ليعذّب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: ”إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه“ وقالت: ”حسبكم القرآن“ يعني: يكفيكم وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.[الأنعام: 164]، قال ابن أبي مَلِيْكَة: والله ما قال ابن عمر رضي الله عنه شيئا" (يعني ما علّق على كلام عائشة، ولما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: ”إنكم لتحدثوني عن غير كاذبَين ولا مكذَّبَيْن، ولكن السمع يخطئ“. [رواه البخاري: 1287، ومسلم: 929].
الآن النقاش من عدة جهات :
- النصوص المثبتة : نصوص عامة الميت يعذب بما نيح عليه أو ببعض بكاء أهله عليه هذا الميت هل هو المؤمن أو الكافر؟ أو من هو هذا الميت؟
- الاعتراض : عائشة أرادت أن تقول الحديث هذا غير موجود أصلا، ويعارض القرآن وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164]، فكانها تقول : فما ذنب الميت يعذّب!؟ فقالت عائشة: هذا الحديث خطأ، يعني ابن عمر أخطأ، وابن عمر سكت ما ردّ على كلام عائشة رضي الله عنها، فلماذا سكت ؟ هل لأنه لاح له الحق فكست مُذعنا ؟ أو لأنه كره المجادلة ؟ نقول ابن عمر يعرف أن الحديث سمعه من النبي ﷺ أو من أبيه عن النبي ﷺ، إذن يعلم أنه حقٌ، لكن ما أراد أن يجادل عائشة وعائشة أم المؤمنين وهي بمنزلة أمه، فاحتراما وتوقيرا ما أراد أن يجادل.
(وصلنا)
نبدأ مستعينين بالله بالتفصيل :
- روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوًى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَاشِيَةٍ أَهْلِهِ، فقال: قَدْ قَضَى ؟ قالوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ. [رواه البخاري: 1304] (وفي رواية البخاري (1287) وَإِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وكان عمر رضي الله عنه يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي بالتراب.
شرح الحديث : ذهب النبي ﷺ ليعود سعد بن عبادة في مرضه، فوجده في غاشية من أهله يعني أهله يغشونه للخدمة، يعني النساء دخلوا عليه، ويحتمل أن يكون المقصود غاشية الكرب، والغاشية هي الداهية والشر من مرض ومكروه، والمراد ما يتغشاه من الكرب والوجع وليس أنه مات؛ لأنه هذه المرضة لم يمت فيها، فلما وجده في غاشية قال: ألا تسمعون ؟... وذكر لهم الحديث، [ هذا الحديث يشبه حديثا آخر أن النبي ﷺ أرسلت ابنة له إليها إن ابني لي قبض فائتنا فأرسل يقرئ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تُقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت ورجال، فرُفع إلى رسول الله ﷺ الصبي ”ونفسه تتقعقع كأنها شَنّ“، والقعقعة صوت الشيء اليابس إذا حرك، والشن القربة الخلقة اليابسة، فكأنه شبّه النفس بالجلد هذا والصوت، ففاضت عيناه، فقال سعد بن عبادة: ”يا رسول الله ما هذا، أتبكي؟“ وفي رواية ”أولم تنه عن البكاء“ فقال رسول الله ﷺ ”إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء“]، وهنا في قوله ﷺ : ”إن الله ليعذب بهذا“ يعني اللسان، إذا قال سوءا ”أو يرحم به“ يعني إذا قال خيرا، وحديث عبد الله بن عمر أن حفصة بكت على عمر رضي الله عنهم فقال ”مهلا يا بنية، ألم تعلمي أن رسول الله ﷺ قال: ”إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه“.
اذن : هذه الأحاديث عن عمر، وابن عمر، والمغيرة، فيها إثبات تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وعمر كان إذا سمع صياح على ميت يضرب الصائح بالعصا، وممكن يدخل على نساء في نياحة ويضربهن، أو يحثو التراب عليهن أو على من ينوح، وكذلك فإنه ورد أنه كان يرميهم بالحجارة. فما المراد بالبكاء ؟
اولا : هل هذا الحديث ثابت ؟ أو غير ثابت ؟ عائشة نفته، والصحيح أنه ثابت وأنه قد رواه صحابة معتبرون لا يتطرق الشك إليهم أبدًا ولا يمكن أن يقال أصلا أفهامهم قاصرة أو أنهم يعني عمر وابن عمر والمغيرة كلهم وهموا ؟ لا يمكن، إذن الحديث ثابت.
ثانيا : بقي أن نسأل نقول: ما هو البكاء الذي يكون سبب للتعذيب، ومن هو الميت الذي يعذب ؟ إذا انجلت هاتان النقطتان انجلت القضية؛ فلأن الإشكال كيف يعذب الميت بشيء لم يفعله ؟ وكيف يعذب الميت بشيء فعله غيره ؟ ألم يقل الله: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: 164]، فما هو ذنب الميت يعذب وغيره الذي فعل المنكر، وهل البكاء سبب لتعذيب الميت ، البكاء العادي طيب النبي ﷺ بكى بكاء عاديا.
نبدأ مستعينين بحل الاشكال والجمع بين النصوص
يجب للجمع بين الأحاديث، أن نفهم انواع البكاء (نوعان)
البكاء الجائز : إن الله لا يعذّب بدمع العين وهذه مُسَلَّمَة؛ لأنه نص عليها. والبكاء العادي الذي ما فيه صياح ولا زعيق ولا اعتراض على القضاء والقدر، ولا تسخُّط على ما أمر الله وقدره، فهذا البكاء وهذا الدمع ليس سببا لعذاب الحي ولا لميت، وأنه شيء في الطبيعة البشرية، بل ان النفس أحيانا ترتاح بالبكاء، وبعض الناس إذا صار في مصيبة مثل هذه بكاؤه يريحه.
البكاء المحرم : ما هو البكاء الذي يعذب صاحبه ويعذب الميت بسببه، ومتى يعذب الميت بسببه؟ هو: الصياح، والزعيق الذي فيه التسخُّط على القضاء والقدر، والعويل المصحوب بكلمات من النياحة: واثكلياه، واسناداه، واعضداه، وا ويلاه، وهذه كل عصر ومَصْر فيها ألفاظ، يعني إذا كان الجاهلية يقولون واثكلياه واثبوراه واويلاه واعضداه، الآن يقولون: يا ويلي يا خرابي ويا لهوي... إذن كل ألفاظ بحسب البلد فالزعيق والصياح المصحوب بهذه الكلمات، وربما يكون مصحوبا بلطم الوجه، وشدّ الشعر، وشقّ الثياب.
- اما بالنسبة للنائح او النائحة : جاء في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه: قال النبي ﷺ: ”أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالطِّيَرَةُ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ. وَقَالَ: النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ“. [رواه مسلم (934)]، (شرح سريع لالفاظ الحديث : الطعن في الانساب : عيب الناس في أنسابهم، وادعاء أن أصلهم وضيع أو فيه عيب، الطيرة : التشاؤم بالطيور أو غيرها (مثل: إذا خرج فرأى غرابًا أو سمع كلمة تشاؤم بها) وهي شرك اصغر، والاستسقاء بالنجوم : نسبة نزول المطر للنجوم أو الأبراج، كأن يقول: مطرنا بنوء كذا وهي شرك اصغر)، واما النائح او النائحة تُلبس دِرع من جَرَب، أي قميص يلاصق الجسد ويزيده ألماً وحكةً وعذاباً، السِّربال من قطران، أي ثوب مطلي بالقطران، وهو مادة شديدة الحرارة والرائحة الكريهة، تزيد من العذاب والاشتعال، وهذا كله نتيجة النياحة التي هي اعتراض على القضاء والقدر؛ لأنها ما رضيت بأمر الله، ولا رضي هذا النائح أو النائحة بقضاء الله، فهذا بالنسبة للحي،
فهؤلاء لا يفقهون معنى: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ماذا تعني إنا لله فقط الكلمتين هذه ما معنى إنا لله ؟ اللام لام الملك، يعني نحن ملك الله يأخذ من يشاء ويترك من يشاء، يُمهل من يشاء ويعَجّلُ من يشاء، ولذلك هذه تقال في المصيبة حتى الواحد لا يعترض ولماذا هذا الآن مات ولماذا أخذه لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: 23]، ودعاء المصيبة المشروع : قال ﷺ : ”مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا“. [حديث أم سلمة رضي الله عنها،صحيح مسلم – كتاب الجنائز – باب ما يُقال عند المصيبة (حديث رقم 918)].
- اما بالنسبة للميت : فإذا تحول إلى نياحة وسخط وزعيق وصياح وكلام واعتراضات، فهل يعذّب عليه الميت؟ نتذكر كلام عائشة لما قالت إنه ما قال إن المؤمن يعذب فهو صحيح فالمؤمن في حالات ليس مسؤولا ولا يعذب، وقولها: إن الكافر يعذب ويزداد عذابا بالنياحة ايضا صحيح، وهذا الكلام الذي رددته عائشة - رضي الله عنها - اجتهاد منها، وقد ذكر العلماء -رحمهم الله - أن عائشة أخطأت في ردها هذا في هذه النقطة، وأن هناك من يعذّب في قبره بما نيح عليه، لكن متى يعذب في قبره ؟
١- فقال بعض العلماء: - وهذه طريقة البخاري -: إنه يعذّب إذا كانت سنته وطريقته يعني وحل اصله انه ينوح، ثم مات فيعذب على النياحة، وإذا كانت ليست النياحة من عادته، ولا من منهجه ولا طريقته، فإنه لا يعذّب.
٢- وقال بعضهم : إذا أقر أهله في حياته على النياحة فإذا مات يعذّب؛ لأنه كان يرى المنكر في أهله ولا يُنكر، هذا إذا مات ممكن يعذب بما نيح عليه، لأنه كان يرى المنكر في حياته وما أنكر وأقرهم وما نبههم ولا علمهم وسكت، فهذا يعذب من وجهين (من معرفته وغلبة ظنه انه سيلطم عليه بعد موته واقرهم على ذلك، وانه لم يامر بالمعروف وينهى عن المنكر).
٣- ومنهم من قال - ونسبه النووي إلى الجمهور - أنه يعذّب الميت إذا أوصى أهله بالنياحة عليه، وقد كان أهل الجاهلية يوصون أهاليهم بالنياحة عليهم إذا ماتوا كما قال طَرَفَةَ بنُ العَبْدِ: إذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه - وشُقِّي عليَّ الجيب يا ابنة مَعْبَدِ [شرح النووي على مسلم: 6/228]. فهذا أوصى قبل الموت بالنياحة عليه، فهذا أهل للتعذيب في القبر إذا ناحوا عليه.
- لو عذب ماذا يحدث للميت في قبره ؟
- ثبت عن النبي ﷺ قوله: ”الميت يعذّب ببكاء الحي إذا قالوا : واعضداه واكاسياه وانصراه واجبلاه، يُتعتع الميت“. [رواه ابن ماجة: 1594، وحسنه الألباني في الترغيب والترهيب: 3523]. يتعتع يعني يزعج بشدة ويُجر، ويقال له: أنت كذلك أنت كذلك؟ في القبر هم يصيحون في الدنيا، يصيحون في البيت، وهو يعذب في القبر، كلما قالوا كلمة في البيت هو في القبر يُلهز ؟ أنت كذلك ؟ إذا قالوا واعضداه، قالت ملائكة العذاب : أنت كذلك؟ واسنداه، أنت كذلك ؟ الملائكة تلهزه في قبره، تزعجه في قبره. فإذن هذا الذي يرضى أو يوصي.
- وروى الترمذي بلفظ: مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ! وَاسَيِّدَاهُ! إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ – أَيْ: يَضْرِبَانِهِ وَيَدْفَعَانِهِ – فَيَقُولَانِ: أَكَانَتْ فِيكَ؟. [رواه الإمام أحمد في المسند (19546)، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (11594)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (426)].
- ويشهد له ما رواه البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال عن النعمان : أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عَمْرَةَ تبكي وتقول : واجبلاه واكذا واكذا وتعدد عليه، فقال حين أفاق (يعني هذه كانت غشية الموت) قال لأخته: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي أنت كذلك؟" [رواه البخاري: 4267]. انظر فقط في هذه الغشية، في غشية الموت، قال: أنت ما قلت شيئا بجانبي إلا وأنا في غشية الموت قيل لي أنت كذلك؟ لما أفاق من غشية الموت أخبرها، فلما مات لم تبكي عليه، يعني اتعظت من هذا الموقف ولم تبكي عليه؛ ولذلك كان الصحابة يوصون قبل موتهم : لا تتبعوني بنار، ولا تنوح عليّ نائحة.
- وجاء في حديث سنده حسن من حديث قَيْلَة بنت مَخْرَمَةَ أن النبي ﷺ نهاها عن البكاء على ابنها وقال: أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا، وإذا مات استرجع؟! (يعني لماذا الواحد يصاحب قريبه مثلا زوج او ابن او أخ، يصاحبه في الدنيا معروفا، وإذا مات استرجع: أي: إذا توفّي هذا الصاحب أو الحبيب يكتفي بالاسترجاع امتثالًا للآية، بدل أن يكثر النواح والبكاء المبالغ فيه أو الاعتراض على قدر الله)، ”فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَبْكِي، فَيَسْتَعْبِرُ إِلَيْهِ صَاحِبَاهُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ لَا تُعَذِّبُوا مَوْتَاكُمْ“. [رواه الطبراني في الكبير: 25/ 8، وحسّن إسناده الحافظ في الفتح: 3/155، وصححه الألباني في إرواء الغليل (687) وفي السلسلة الصحيحة (1246)]. (فَيَسْتَعْبِرُ : يطلب العَبرة (أي البكاء) أو يتكلّفها حتى تخرج دموعه، يبدأ في إثارة نفسه أو غيره للبكاء، أو يستجيب لمن يحثّه على البكاء، حتى تسيل دموعه.أن أحدكم إذا بكى على ميّت، فإن صَاحِبَاهُ (اي اصحاب الميّت) يتأثر بذلك البكاء، أو كما قال بعض الشراح: يُستدعى للبكاء أو الحزن فيتأذّى من ذلك.
- وروى أبو هريرة : إن أعمال العباد تُعرض على أقربائهم من موتاهم. [ثم ساقهم بإسناد صحيح إليه]، قال الحافظ: "ويُحتمل أن يُجمع بين هذه التوجيهات فينزّل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلا:
١- من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ في ذلك عُذِّب بصنعة،
٢- ومن كان ظالمًا فندب بأفعاله الجائرة عُذِّب بما نُدب عليه
٣- ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها،
أ- فإن كان راضيا بذلك التحق بالأول
ب- وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي
٤- ومن سلم من ذلك كله واحتاط، فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك، كانت تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربه.“ [فتح الباري: 3/155]. إذن هذا آخر واحد هو الذي ينهى أهله ويعلمهم عدم، النياحة وإذا مات ناحوا فهو لا يعذب؛ لأنه نهى، لكن إذا عرض عليه عملهم تألم للمخالفة، يعني كيف أنا ربيتهم ونهيتهم وعلّمتهم ثم الآن يخالفوني ؟ فإذن يكون تألمه في قبره: لمخالفتهم له وليس تعذيبا له؛ لأنه لا ذنب له.
والله أعلم والحمد لله رب العالمين ،،،