نسبه ﷺ
نسبه ﷺ
كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد
لشيخ الإسلام (أبو عبدِ الله شَمْسُ الدِّينِ) مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكرِ بنِ أيُّوبَ بنِ سَعْدِ بنِ حَرِيْزٍ الزُّرَعِيُّ الدِّمَشقِيُّ الحَنبَلِيُّ رحمه الله
شرح الامام حسن بخاري
تلخيص وجمع وتدوين الفقير الى الله طارق عتمه
استمع للدرس من هنا
مختصر الدرس
رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق، ونسَبُه له أعلى ذروة من الشرف، وحتى أعداؤه كانوا يشهدون له بذلك، ومثال ذلك شهادة أبي سفيان (عندما كان مشركًا) بين يدي ملك الروم هرقل، وقد حدث هذا اللقاء بين هرقل وأبي سفيان بعد صلح الحديبية (سنة ست من الهجرة)، حيث سأل هرقل أبا سفيان عن نسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأقر أبو سفيان بأن النبي "فينا ذو نسب"، ولو استطاع الكذب لفعل، لكنه لم يتمكن لولا الحياء من أن يؤثروا عليه كذبًا، مما يثبت صدق هذه الشهادة من العدو.
النسب المتفق على صحته
المعلوم بين النسابين هو من محمد بن عبد الله وصولًا إلى عدنان.
وسلسلة هذا النسب المتفق عليه هي: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ، وعدنان هو من ولد إسماعيل عليه السلام.
أما النسب الذي فوق عدنان إلى آدم عليه السلام فهو مختلف فيه، وقد اختلفوا في عدد الآباء بين عدنان وإسماعيل، فقيل تسعة أو سبعة أو عشرة أو خمسة عشر أو أربعون، وذكر بعض العلماء أن ما وراء عدنان لا يُعرف إلا "تخرُّصًا" (ظنًا)، وأن النسب الصحيح الذي لا شك فيه ينتهي عند عدنان، ويستحب لنا أن نحفظ نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونُعلّمه لأولادنا أكثر من أنسابنا وأنساب آبائنا وأجدادنا.
في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في قصة لقاء هرقل عظيم الروم بأبي سفيان بن حرب رضي الله عنه، وكان أبو سفيان رضي الله عنه آنذاك على الشرك والكفر قبل أن يُسلم.
أرسله هرقل إليه في ركب من قريش، وكانوا قَدِموا إلى الشام في بعض تجاراتهم التي يأتون بها إلى أرض الشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مَادَدَ فيها أبا سفيان وكفار قريش - يعني في المدة التي كان فيها الصلح - قال : فأتوه وهم بإيلياء وهي من أدنى أرض الشام إلى جزيرة العرب، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم نسبًا - حدث هذا بعد صلح الحديبية، وصلح الحديبية سنة ست من الهجرة، وسنة سبع فتحت خيبر، وفي السنة الثامنة كاتب رسول الله عليه الصلاة والسلام العظماء والكبار والرؤساء إلى سنة تسع، وفي سنة عشر فتحت مكة فكان أبي سفيان بهرقل سنة صلح الحديبية التي وقف فيها القتال - قال هرقل لمن حوله : ادنوه مني - يعني ابو سفيان - وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل - يسأل أبا سفيان عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم - فإن كَذَبَنِي فكذبوه، قال أبو سفيان: فإنه والله لولا الحياء من أن يأثُرُوا عليَّ كذبًا لكَذَبْتُ عَليه، ثم قال : ثم كان أول ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم؟ قال أبو سفيان : قلت: هو فينا ذو نسب - من يقول هذا الكلام عدو من أعدائه في تلك المرحلة، ولو استطاع أن يكذب نصف كذبة لفعل، فلما يشهد العدو في حال القتال وفي حال المخاصمة وفي حال الحرب، يشهد لعدوه بخصلة، فثق أنها أصدق ما تكون، والحق ما نطقت به الأعداء -فقال أبو سفيان هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قال لا، قال فهل كان من آبائه من مَلِكٍ؟ قلت لا قال فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال يزيدون أم ينقصون؟ قلت يزيدون قال هل يَرْتَدُّ أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ان يقول ما قال ؟ قلت لا، قال فهل يغدر؟ قلت لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها قال أبو سفيان ولم تُمْكِنِّي كلمة أُدخِلُ فيها شيئًا غير هذه الكلمة يعني هو الذي استطاع أن يعبر به بشيء من عداوته، فكان نوعًا من اللمز غير الصريح، قال هو أقصى ما استطعت أن أرمي به من الكلام بين يدي هرقل عظيم الروم، فقال له هرقل: فهل قاتلتموه قلت نعم - إلى أن أكمل المسائل - ثم قاله هرقل للترجمان : قل له : سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا، فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا فقلت لو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه .. إلى آخره ما استدل به هرقل وهو الكافر النصراني البعيد عن الإسلام، فما استدل به من تلك الأسئلة وإجابات أبي سفيان رضي الله عنه، وكان إذ ذاك مشركًا، استدل به على علامات دالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في نبوته؛ ولهذا قال المصنف رحمه الله : فَلِنَسَبِهِ مِنَ الشَّرَفِ أَعْلَى ذِرْوَةٍ، وَأَعْدَاؤُهُ كَانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا شَهِدَ لَهُ بِهِ عَدُوُّهُ إِذْ ذَاكَ أبو سفيان بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الرُّومِ والمقصود كما قلنا بأبي سفيان قبل أن يسلم رضي الله عنه وأرضاه.
نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام ينقسم إلى قسمين :
القسم الاول : متفق على صحته، وهو القدر الذي ساق المصنف من (أبيه عبد الله إلى عدنان)، وعدنان من ولد إسماعيل. اذن المتفق عليه : مُحَمَّدُ ﷺ - بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - بْنِ هَاشِمِ - بْنِ عَبْدِ مَنَافِ - بْنِ قُصَيِّ - بْنِ كِلَابِ - بْنِ مُرَّةَ - بْنِ كَعْبِ - بْنِ لُؤَيِّ - بْنِ غَالِبِ - بْنِ فِهْرِ - بْنِ مَالِكِ - بْنِ النَّضْرِ - بْنِ كِنَانَةَ - بْنِ خُزَيْمَةَ - بْنِ مُدْرِكَةَ - بْنِ إِلْيَاسَ - بْنِ مُضَرَ - بْنِ نِزَارِ - بْنِ مَعْدِ - بْنِ عَدْنَانَ، وعدنان من ولد اسماعيل ﷺ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَ عَدْنَانَ وَإِسْمَاعِيلَ: قِيلَ تِسْعَةُ آبَاءٍ، وَقِيلَ سَبْعَةٌ، وَقِيلَ عشرة آبَاءٍ، وَقِيلَ اربعون وَهُوَ بَعِيدٌ وَقَوْلٌ غَرِيبٌ، لَكِنْ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "مَا هُوَ وَجَدْنَا مَنْ يَعْرِفُ مَا وَرَاءَ عَدْنَانَ وَلَا قَحْطَانَ إِلَّا تَخَرُّصًا" يَعْنِي لَا يُوجَدُ مِنْ أَهْلِ النَّسَبِ وَالْعِلْمِ بِهِ مَنْ يَجْزِمُ فِي النَّسَبِ، نَسَبِ الْبَشَرِ فِي الْعَرَبِ مَا وَرَاءَ عَدْنَانَ وَقَحْطَانَ.
القسم الثاني : المختلف فيه، ما كان فوق ذلك إلى آدم عليه السلام ، وربما ينتشر بين بعض الناس نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام ، وما قرره المصنف رحمه الله هنا من أن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه عبد الله إلى عدنان معلوم الصحة متفق عليه، وما فوق عدنان فمختلف فيه، هكذا قرره أهل العلم، وهم يتكلمون عن نسب المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا قال الذهبي رحمه الله : وعدنان من ولده إسماعيل لكن، اختلفوا فيما بين عدنان وبين إسماعيل من الآباء، فقيل بينهما تسعة آباء، وقيل سبعة، واختلفوا في أسماء بعض الآباء، وقيل بينهما خمسة عشر أبًا، وقيل بينهما اربعون أبًا وهو بعيد.
وأما عروة بن الزبير فقال : ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تَخَرُّصًَا، وقال أبو الأسود : سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَة - وكان من أعلم قريش بأنسابها وأشعارها - يقول : ما وجدنا أحدًا يعلم ما وراء مَعَدِّ بن عدنان في شعر شاعر ولا علم عال، وقال ابي عمر بن عبد البر رحمه الله : والذي عليه أئمة هذا الشأن أنه عدنان ابن أُدَدْ، ثم ساق نسب عدنان إلى أبي البشر آدم عليه السلام ، وقال ابن سعد : الأمر عندنا الإمساك عما وراء عدنان إلى إسماعيل. وقال الحافظ بن حجر رحمه الله : روى الطبراني بإسناد جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: استقام نسب الناس إلى مَعَدِّ بن عدنان؛ ولهذا قال ابن حبان رحمه الله : نسبةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم تَصِحُّ إلى عدنان، وما وراء عدنان فليس عندي فيه شيء صحيح اعتمد عليه، ولما ساق النسب قال : إلى هنا ليس بين النسابين خلاف فيه، ومن عدنان هم مختلفون فيه إلى إبراهيم. وهكذا قال ابن حزم لما ساق النسب الشريف إلى عدنان، قال :هاهنا انتهى النسب الصحيح الذي لا شك فيه .
فكل علماء الأمة على ما قرره المصنف، أن نسب المصطفى عليه الصلاة والسلام معلوم إلى جده عدنان، وهو من ولد إسماعيل عليه السلام ، وأما ما وراء ذلك فمحل خلاف بين النَسَّابَة والجزم بأحد الطرق دون غيرها لا يثبت، فهذا أيها الكرام نسب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فاعلموه وعلموه أولادكم أكثر من نسبكم ونسب آبائكم؛ فإنه نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نحفظه هو والله أشرف وأفضل من أن نحفظ أنساب قبائلنا وأبنائنا وآبائنا وأجدادنا.
- بداية الدرس العاشر -
وَهنا فِي هَذَا السِّيَاقِ اسْتَطْرَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذِكْرِ جَدَّيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ يَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ قِصَّةِ ذَبْحِهِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي سُورَةِ الصَّافَاتِ مُعَرِّجًا عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، الذَّبِيحِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، هَلْ هُوَ إِسْمَاعِيلُ أَوْ إِسْحَاقُ وَلَدَيْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ رُسُلِ اللَّهِ كَرَامَةُ صَلَاةِ اللَّهِ وَسَلَامُهُ جَمِيعًا؟