الحشر
الحشر
قريبا ان شاء الله سيتم تنزيل الدرس
المختصر والخلاصة
حقيقة الحشر
فالحشر لغة هو إخراج الجماعة وإزعاجهم عن مقرهم إلى الحرب وغيرها. وهو مشهد من مشاهد يوم القيامة، حيث يُخرَج الناس من قبورهم إلى أرض القيامة للعرض على رب العالمين. الحشر يشمل جميع الناس، فلا يتخلف منهم أحد، بل يجمع الله الأولين والآخرين ممن تفرقوا في بطون الفلوات وقعور البحار خلقًا جديدًا,. هذا اليوم هو يوم الحشر، يوم مجموع له الناس ومشهود.
أمثلة عن قدرة الله في إعادة الميت للحياة
قدرة الله على جمع الناس بعد تفرق أجسادهم شاملة لا يغيب عنها شيء. من الأمثلة على ذلك:
• قصة الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروا نصفه في البر ونصفه في البحر ظنًا منه أنه ينجو من الحشر، فأمر الله البر والبحر فجمعاه، فغفر الله له لفعله ذلك من خشيته.
• قصة النبي الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه وأراه كيفية إحياء حماره ليجعله آية للناس.
• قصة إبراهيم الخليل الذي أراه الله كيفية إحياء الطير وقد ذُبحت وفُرِّقت أجزاؤها على رءوس الجبال.
• الإعادة أهون عند الناس من الإنشاء، لكن بالنسبة لله فالخلق والبعث يسيران,.
حشر البهائم
فحتى البهائم التي ليست مكلفة ولا تصلى ناراً ولا تنعم بجنة، يحشرها الله. القصاص يقع بين البهائم، حتى يُقاد للشاة الجلحاء (التي لا قرون لها) من الشاة القرناء التي نطحتها، وهذا من عدل الله في خلقه وليس قصاص تكليف. بعد القصاص، يقال للبهائم: "كوني تراباً"، فتكون تراباً، وحينئذ يتمنى الكافر أن يتحول إلى تراب ويكون مثل البهائم. هذه الأخبار تستفاد منها الموعظة ووجوب المبادرة إلى محاسبة النفس ورد المظالم.
كيفية الحشر
• الحالة العامة: يبعث الناس ويحشرون حفاة عراة غرلاً (أي غير مختونين كما وُلدوا أول مرة),.
• الانشغال بالأهوال: عند سؤال عائشة وامرأة أخرى عن نظر الرجال والنساء إلى عورات بعضهم، أجاب النبي ﷺ بأن "الأمر أشد من أن يُهِمَّهُم ذلك"، فمعاينة الأهوال العظام تنقل الطباع عن عادتها المألوفة,.
• الجمع بين البعث بالثياب والعري (إشكال التوفيق):
◦ بعض الأحاديث تذكر أن الميت يُبعث في ثيابه التي مات فيها (حديث أبي سعيد ومعاذ),.
◦ التوفيق الراجح (الخلاصة): أن الشهداء يبعثون في ثيابهم تمييزاً لهم,,. أما سائر الناس، فيخرجون أولاً بثيابهم (كما في حديث أبي سعيد)، ثم تزول وتتساقط عنهم عند أول الحشر، فيكون حالهم حفاة عراة غرلاً,.
أول من يُكسى يوم القيامة
فأول الخلائق يكسى يوم القيامة هو إبراهيم الخليل. قيل إن ذلك مكافأة له لأنه أُلقي في النار عرياناً. وقيل أيضاً لأنه كان أول من لبس السراويل لحرصه على ستر عورته. وهذا لا ينافي الأفضلية المطلقة لنبينا محمد ﷺ,. ثم يكسى محمد ﷺ حُلَّة حِبَرَة عن يمين العرش.
السير إلى المحشر وأنواع الحشر
• كيفية المسير: الناس يلاقون الله حفاة عراة مُشَاة غرلاً.
• طرائق الحشر (ثلاث طرائق): يُحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين (طائعين طالبين رحمة الله)، وراهبين (خائفين من عذاب الله)، ومن تحشرهم النار (تسوقهم النار وتبيت معهم وتصبح وتمسي).
• الجمع بين المشاة والركبان: الحشر الذي يكون فيه الركبان والذي تحشرهم النار هو حشر آخر الزمان قبل قيام الساعة (علامات الساعة)، وليس هو الحشر الذي يكون بعد القيام من القبور,.
• أنواع الحشر الثلاثة: حشر آخر الزمان قبل قيام الساعة، وحشر ما بعد القيام من القبور (المقصود في الدرس)، وحشر أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.
أرض المحشر
• التبديل: يكون يوم تُبدل الأرض غير الأرض والسموات.
• الوصف: تُحشر الناس على أرض بيضاء عفراء كقُرْصَةٍ النَّقِي ليس فيها عَلَمٌ لأحد، أي مستوية ملساء لا بناء فيها ولا أثر.
الخلاف في التبديل (ذات أم صفات؟):
◦ تبديل ذات: الأرض جديدة تماماً تختلف عن الأولى، وهي أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة,.
◦ تبديل صفات: الأرض ذاتها التي نحن عليها لكن تُمد مد الأديم (البساط)، وتُزال جبالها ووديانها فتصبح مستوية ملساء,.
◦ والجمع: يرى بعض العلماء (ابن حجر) أن التغيير في الصفات يقع لأرض الدنيا أولاً فتصبح خبزة، ثم يخلق الله أرض محشر أخرى (تبديل ذات) يحشرون إليها,.
تحول الأرض إلى خُبْزَة
• الواقعة: تكون أرض الدنيا خبزة واحدة، يتكفأها الجبار بيده (يقلبها ويهيئها).
• الغاية: تكون "نُزُلاً لأهل الجنة"، أي ضيافة لهم عند دخولهم.
• (رأي آخر): يرى بعض العلماء أن هذه الخبزة يُؤكل منها في طول زمان الموقف (المحشر) حتى لا يعاقب المؤمنون بالجوع.
• أول نزل أهل الجنة: إدامهم هو البَالاَّمُ والنُّونُ (الثور والحوت)، ويأكل سبعون ألفاً من زائدة كبد الحوت.
مكان الناس عند تبديل الأرض
فعندما تُبدل الأرض غير الأرض، يكون الناس "في الظُلْمَةِ دُوْنَ الجِسْرِ"، أي قبل الصراط في الظلمة. وهناك رواية أخرى تذكر أنهم يكونون على الصراط. وجمع العلماء بأن "على الصراط" قد يكون مجازاً للمجاورة، والرواية التي تحدد "في الظلمة دون الجسر" (قبل الصراط) هي الأقوى.
من أسماء النبي ﷺ الحاشر
فمن أسماء النبي ﷺ "الحاشر"، ومعناه أنه يحشر الناس على قدمه أو عقبه. أي يُحشرون على أثره وزمان نبوته، فمجيئه إيذان بحصول قيام القيامة. والنبي ﷺ هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة (أول من يحيى ويخرج من قبره).
المبحث كامل
﷽
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فها نحن الآن مع مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة وهو الحشرُ، حشر الناس من قبورهم إلى أرض القيامة حيث العرض على رب العالمين، وما يكون في أرض المحشر من الأحوال والأهوال.
أما الحشر في اللغة: ”فهو إخراج الجماعة عن مقرهم، وإزعاجِهِم عنه إلى الحرب وغيرها“ [الفروق اللغوية للعسكري: 1/189]، والذي يُحشر جميع الناس يوم القيامة، قال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: 47]، إذاً: الحشر للجميع لا يتخلف واحد، وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: 47]، لم نترك منهم أحداً. قال الشيخ السعدي رحمه الله: ”ويحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض، فلا يغادر منهم أحداً، بل يجمع الأولين والآخرين من بطون الفَلَوَات (الفلاة: هي الأرض الواسعة الخالية التي لا ماء فيها ولا أنيس، أي: الصحراء الموحشة الممتدة) وقعور البحار، يجمعهم بعد ما تفرقوا، ويعيدهم بعد ما تمزقوا خلقاً جديداً، فيُعرضون عليه صفاً ليَسْتَعرِضهم، وينظر في أعمالهم، ويحكمَ فيهم بحكمه العدل الذي لا جَوْرَ فيه ولا ظلم“ [تيسير السعدي: 1/479].
ولأجل ذلك كان هذا اليوم يوم الحشر الذي يجمع الله له الناس فلا يغيب منهم أحد، ويشهده الخلائق جميعاً ”إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ“ [هود: 103]، فقد تفرق الناس في قبورهم، وأكلتهم الأرض، وصاروا رمماً بالية، وتراكم اللاحق على أشلاء السابق، ودُفن في بعض المقابر عدد من الناس، وربما كانت أطباق التراب تحوي فيها جُثثاً متعددة، فهذا بَلِيَ منذ زمن بعيد، وهذا بعده، وهذا بعده، وهكذا ربما تكون هذه التُربة في الأرض من بقايا أجساد ناس قد سبقوا، وأنت تمشي عليها، ولا تشعر أن بعضها تراب من تلك الأجساد التي بَلِيَت، وهنالك من أكلته السباع أو تخطفته الطير، أو التهمته أسماك البحار، وقد تفرق في بطونها فيجمعهم الله ﷻ، ”إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا - لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا - وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا“ [مريم: 95]. فلن يغيب عن قدرة الله ما أكل السبع في بطنه، أو ذرته الريح في واد، قال ﷻ: ”وهو عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ“ [الشورى: 29]، وقال: ”أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“ [البقرة: 148].
امثلة عن قدرة الله في اعادة الميت للحياة
- روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله : إذا مِتُّ فحَرِّقُوهُ، ثم اذْرُوْا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لأِنْ قَدِرَ الله عليه ليُعَذِّبَنّه عذاباً لا يُعذبه أحداً من العالمين، (ظن الرجل هذا بجهله مع خوفه من الله أنه إذا فُعل به هذا الفعل ينجوا من الحشر والجمع والحساب)، فلما مات الرجل فعلوا ما أمَرَهُم، فأمر الله البرَّ فجَمَعَ مَا فِيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، قام بين يدي الله، قال الله: ”لمَ فعلت هذا؟“ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، ”فغفر الله له“ [رواه البخاري: 7506، ومسلم: 2756].
- وقد حدثنا ربنا -سبحانه- في كتابه العزيز، عن ذلك النبي ”كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا“، ثم تساءل كيف يبعث الله أهلها؟ ”قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ“، وأراه عياناً كيف أحيا الحمار، قال ﷻ : ”وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“ [البقرة: 259].
- وكذلك أرى إبراهيم الخليل كيف يُعيد الحياة إلى الطير وقد ذُبحت وفُرِّقت وصارت أبعاضاً وأجزاء على كل رأس جبل أجزاء منها، فدعاها فجاءت بأمر الله، فاجتمعَ رِجْلُ هذا الطائر إلى رأسه إلى يده إلى بقية جسده، وجاء يطير إلى إبراهيم، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 260]، فالذي أحيا هذا قادر على إحياء هؤلاء مرة أخرى وعلى بعثهم.
- ألم يخلقهم أول مرة دون مُعين ولا ظَهير؟ فكيف يعجز عن إحياءهم بعد مماتهم؟ ”وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ - أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ - إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ“ [يس: 83]. فكيف يَشُقُّ عليه أن يجمَعُهُم وهو أنشأُهُم من العدم، ”وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ“ [الروم: 27].
فالإعادة أهون من الإنشاء، فهذا تقريب لأفهام السامعين، ومن صنع صنعة أول مرة كانت أسهل عليه ثاني مرة، ولكن الأمور عند الله متساوية، الخلق والبعث كل شيء على الله يسير، قال ﷻ : ”يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ“ [ق: 44]. هذا عمل على الله يسير وسهل، ”وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ - وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ - وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ“ [الحجر: 25]، فيحشر المتقدمين ويحشر المتأخرين.
حتى البهائم التي لا تصلى ناراً، ولا تنعم بجنة وليست مكلفة يحشرها الله، قال تعالى: ”وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ“ [الأنعام: 38]، فهذه الطيور والبهائم والسباع، قال: ”وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ“ [الشورى: 29]، وقال: ”وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ“ [التكوير: 5]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وأما البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه كما دل عليه الكتاب والسنة“. [مجموع الفتاوى: 4/248].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ”لتُؤَدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقَادَ للشاةِ الجَلْحَاءِ منَ الشَاةِ القَرْنَاء“. [رواه مسلم: 2582]، وفي المسند: ”حتى يُقْتَصَّ للشاةِ الجَمَّاء مِنَ الشَّاةِ القَرنَاءُ تنطَحُهَا“. [رواه أحمد: 7203]. وفي مسند أحمد أيضاً عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تَنْتَطِحَانِ، قال: ”يا أبا ذر! هل تدري فيما تنتطحان؟ قال: لا، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما“. [وقال محققو المسند إسناده حسن، رواه أحمد: 21476، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 1588]. قال النووي رحمه الله: "هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة، وإعادتها كما يُعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يُعاد الأطفال والمجانين، ومن لم تبلغه الدعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة"، قال العلماء: ”وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب“. [شرح مسلم: 8/136]. فإذاً البهائم تُحشر وتعود، وليس عليها حساب ولا جزاء لكن القصاص يقع بينها، فهذا عدل الله في خلقه، القِصَاص من القَرْنَاءُ للجَلْحَاءِ، فالتي ليس لها قرون تقتص من التي نطحتها وكانت لها قرون، وهذا ليس من قصاص التكليف لكن من قصاص المقابلة، والجلحاء هي الجمَّاء التي لا قرن لها.
ماذا سيحدث لغير المكلفين بعد القصاص ؟
قال أبو هريرة: ”يَحشر الله الخلق كلَّهُم يوم القيامة، البهائمَ والطيرَ والدواب، وكلَّ شيء فيَبْلُغُ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء" -ماذا سيحدث بعد القصاص للبهائم؟- "ثمَّ يُقال ”كوني تراباً“ فتكون تراباً، فيتمنى الكافر حينئذ أنه يتحول إلى تراب ويكون مثل البهائم“ [تفسير البحر المحيط: 4/126].
ماذا يستفاد من هذه الاخبار ؟
قال القرطبي رحمه الله: "وإذا تقرر هذا فيجب على كل مسلم البِدَار إلى محاسبة نفسه، كما قال عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنُوهَا قبل أن تُوزَنُوا. …. ثم قال : ”ويتدارك ما فرط من تقصير في فرائض الله ﷻ، ويرد المظالم إلى أهلها حبةً حبة، ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده وسطوته، ويُطيب قلوبهم حتى يموت، ولم يبق عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل الجنة بغير حساب، فإن مات قبل رَدِّ المظالم أحاطَ به خصماؤه يوم القيامة، فهذا يأخذ بيده، وهذا يأخذ على ناصيته، وهذا يتعلق بِلِبَّتِه (موضع النحر أعلى الصدر تحت الحلق)، وهذا يقول: ظلمتني، وهذا يقول: شتمتني، وهذا يقول: استهزأت بي، وهذا يقول: ذكرتني في الغِيْبَةَ بما يسوءني، وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول: عاملتني فغششتني، وهذا يقول: بايعتني وأخفيت عني عيب متاعك، وهذا يقول: كذبت في سعرك، وهذا يقول: رأيتني محتاجاً وكنت غنياً فما أطعمتني، وهذا يقول: وجدتني مظلوماً وكنت قادراً على دفع الظلم عني فداهنت الظالم وما راعيتني.
فبينما أنت كذلك وقد أنشَبَ الخصماء فيك مخاليبِهم، وأحكموا في تلابيبك أيديهم، وأنت مبهوت متحير من كثرتهم، وقد ضَعُفْتَ عن مقاومتهم، ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعله يُخلصك من أيديهم إذا قرع سمعك نداء الجبار: ”الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ“ [غافر: 17].
فعند ذلك ينخلع قلبك من الهَيبة، وتوقن نفسك بالبَوَار، وتتذكر ما أنذرك الله به على لسان رسوله ﷺ، فما أشد فرحَكَ اليوم بتَمَضْمُضِكَ بأعراض الناس وتناولك أموالهم، وما أشد حسرَتَكَ في ذلك اليوم إذا وُقِفَ بك على بساط العدل، وشوفِهْتَ بخطاب السيئات وأنت مفلس فقير عاجز مَهِين، لا تقدر على أن ترد حقاً أو تظهر عذراً، فعند ذلك تؤخذ حسناتِكَ التي تعبت في جمعها، وتنقل إلى خصومِكَ عوضاً عن حقوقهم. [التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص: 645- 647].
موعظة : قال جعفر بن سليمان: "سمِعتُ مالك بن دينار يقول: ودِدْتُ أن الله يجمع الخلائق فيأذن لي أن أسجد بين يديه، فأعرف أنه قد رضي عني فيقول لي: كن تراباً"، يعني: يقول يكفيني هذا، وددت أن يقال لي يوم القيامة كنت تراباً. [سير أعلام النبلاء: 5/364].
الحشر والبعث، ”كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ“ [الأنبياء: 104].
- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: ”تُحشَرُونَ حفاةً عُرَاة غُرْلاً،(غُرلاً: أي غير مختونين، يُبعث الناس كما وُلدوا أول مرة) قالت عائشة: قلت: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: الأمر أشد من أن يُهِمَّهُم ذلك“. [رواه البخاري: 6527، ومسلم: 2859]، فهنالك أهوال ستلهيهم عن قضية النظر إلى العورات. - روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: ”تُحشرون حفاةً عراة غرلاً“، فقالت امرأة: ”أيبصر بعضنا عورة بعض“، -كان الصحابة عندهم حرص شديد على ستر العورات، ويخافون من انكشافها- فقال: ”يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه“ [رواه الترمذي: 3332، وصححه الألباني، صحيح الترغيب والترهيب: 3579]، حفاة، جمع حافي وهو الذي لا نعل له ولا خف، عراة، جمع عاري وهو من لا ستر له، غرلاً، الأغرل الأقْلَفْ الذي بقيت الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر رجعت مرة أخرى. قال ابن عبد البر:“يحشر الآدمي عارياً، ولكل من الأعضاء ما كان له يوم وُلد، فمن قطع منه شيء يرد حتى الأقلف“ [فتح الباري: 6/162].(والأقلف: هو من لم يُختَن، أي الذي بقيت عنده القُلْفَة (جلدة تغطي حشفة الذَّكر)، وهذا على أن الناس يخرجون من قبورهم عراة ويحشرون هكذا إلى الموقع.
اذن الادلة ثبت فيها ثلاثة اوصاف : حفاة عراة غرلا.
اشكال، ما ثبت ان الانسان يبعث بثيابه التي مات فيها : وثبت في سنن أبي داود رحمه الله من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أنه لما حضره الموت دعا بثياب جُدَدْ فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ”إن الميت يُبعَثُ في ثيابه التي يموت فيها“. [رواه أبو داود: 3116، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1671]، فظاهر حديث أبي سعيد هذا، أن الميت يبعث في الثياب التي خُتم عمره بها، والميت هذا عام، فذهب راوي الحديث أبو سعيد إلى هذا العموم كما هو واضح من قصته، وممن حمله على العموم أيضاً معاذ بن جبل رضي الله عنه كما أخرج ابن أبي الدنيا بإسناد قال عنه ابن حجر: "حسن" [فتح الباري: 11/383]، عن عمرو بن الأسود قال: ”دفنا أم معاذ بن جبل، فأمر بها فكُفِّنَت في ثياب جُدُدْ، وقال: أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يحشرون فيها“ [الأهوال لأبي الدنيا: 216].
فكيف نوفق بين الأحاديث؟
ذهب بعض أهل العلم إلا أن البعث غير الحشر، وقالوا: العُري يكون في الحشر، والثياب تكون على الناس عند البعث، والقيام من قبورهم، فقالوا:
يبعثون في ثيابهم ثم يُحشرون عراة.
فإذن يُعِيْد الله الثياب التي كانوا عليها؛ لأن الثياب هذه تبلى التي كانت على الجسد، فيعيدها الله، ويبعثون بها، ثم تَطِيرَ عنهم، ويبقون عراة فيحشرون، هذا وجه من وجوه التوفيق بين النصوص، لكن يشكل عليه أنه في أثر معاذ: ”فإنهم يحشرون فيها“.
وقيل: إن العموم في حديث أبي سعيد غير مراد، قال ابن حجر رحمه الله: ”ويُجمع بينهما بأن
بعضُهُم يُحشَرُ عارياً وبعضهم كاسِيَاً - هذه طريقة أخرى للجمع -
أو يحشرون كلُّهُم عراة، ثم يكسى الأنبياء، فأول من يُكسى إبراهيم ﷺ،
أو يُخرَجُون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم في ابتداء الحشر -فهم يخرجون في ثيابهم ثم تسقط تتناثر- فيصيرون عراة في أول الحشر، فيحشرون عراة ثم يكون أول من يكسى إبراهيم ﷺ وبعده من شاء الله من الخلائق“، فهذا طريقة أيضاً للجمع.
وقيل، قال ابن حجر : “وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أمر أن يزملوا في ثيابهم ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد فحمله على العموم“. أهـ
وقيل : “وحمله بعض أهل العلم أيضاً على العمل، قالوا: ”المقصود بالثياب التي يحشرون فيها العمل“، وأن هذا قد ورد في كتاب الله: ”وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ”[الأعراف: 26]، ”وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ“ [المدثر: 4]، على أحد الأقوال، كما قال قَتَادَة: ”هو عملك فأخلصه“، وحديث جابر مرفوعاً: ”يُبعث كل عبد على ما مات عليه“ [أخرجه مسلم: 2878]، ”فمن مات على مرتبة من هذه المراتب بُعث عليها يوم القيامة، فيُحمل ما دل عليه حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم يدفنون في ثيابهم فيبعثون فيها تمييزاً لهم عن غيرهم، وقد نقله ابن عبد البر عن أكثر العلماء“ [فتح الباري: 6/160].
وتأويل الثياب بالعمل هنا له وجه في لغة العرب :
لكلِّ دَهْرٍ قد لبستُ ثوباً حتى اكتسى الرأس قناعاً أشيَبا
ويدخل في ذلك أن يحشر الشهداء في ثيابهم؛ لأنها ثياب طاعة وعليها أثر الطاعة، وقد أخذ نُعَيْمُ بن حَمّاد رحمه الله هذا، ففي فتنة خلق القرآن لما أخذوه وألقي في السجن في سامرَّاء، فلم يزل محبوساً فيه حتى مات، فجُر بأقياده وألقي في الحفرة، ولم يكفن ولم يصلى عليه، وكان رحمه الله قد أوصى أن يُدفن في قيوده، وقال: ”إني مُخَاصِم“ [سير أعلام النبلاء: 10/610]. اي إذا مت ادفنوني بقيودي، هذه وصيتي، أنا أخاصم بهذه القيود يوم القيامة.
فتلخيص أقوال العلماء في الجمع
1. يبعثون بثيابهم ثم تتناثر: أي يخرجون من القبور بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تزول عنهم، فيبقون عراة في الحشر. وهذا جمع قوي ذكره ابن حجر وغيره.
2. التخصيص بالشهداء (وهو الراجح): أن حديث أبي سعيد محمول على الشهداء خاصة، فهم يُدفنون في دمائهم وثيابهم ويُبعثون بها تمييزًا لهم، وهذا نقل ابن عبد البر أنه قول أكثر العلماء.
3. التأويل بالعمل: أن المقصود بالثياب الأعمال (كما في قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26])، وهذا تفسير بلاغي لغوي معتبر.
4. التفريق بين البعث والحشر: أي عند القيام من القبور يكونون بثيابهم، ثم عند الحشر بين يدي الله يكونون عراة، وهو مرجوح.
فالخلاصة – والله أعلم – هو أن: الشهداء يبعثون في ثيابهم تمييزًا لهم، كما رجحه جمع من العلماء، وهو الموافق للأحاديث الأخرى في شأنهم، اما سائر الناس يخرجون أولًا بثيابهم (كما في حديث أبي سعيد)، ثم تزول وتتساقط عند أول الحشر، فيكون حالهم كما في الأحاديث الصحيحة الأخرى: (حُفاة عراة غرلاً).
وفقه فقهية مع الكفن : وقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ”دخلت على أبي بكر رضي الله عنه - اي على ابيها -، فقال: ”في كم كفنتم النبي ﷺ“، قالت : ”في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيَّةٍ (من كُرْسُفٍ)، ليس فيها قميص ولا عمامة“، (سَحُولِيَّة: نسبة إلى سَحول، قرية باليمن كانت تُنسج فيها ثياب بيض جياد، والكُرْسُفٍ هو القطن ) وقال لها : ”في أي يوم توفي رسول الله ﷺ؟“ قالت: ”يومَ الاثني“ن، قال: ”فأيُّ يوم هذا؟“ قالت: ”يوم الاثنين“، قال: ”أرجو فيما بيني وبين الليل“ -اي أرجو أن أموت الآن في يوم الاثنين، في اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ -، وكانت عائشة قد دخلت عليه وهو مريض في آخر عمره (اي ابو بكر) ”فنظر إلى ثوب كان ُيمَرَّضُ فيه به رَدْعٌ من زَعْفَرَان“ - ردع اي أثر من زعفران- فقال: ”اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين (حتى تصبح ثلاثة)، فكفنوني فيها، فقلت: ”إن هذا خَلَقْ“ -هذا الثوب قديم بالي- "فقال رضي الله عنه : ”إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمُهْلَة“ قالت : ”فلم يتوفى حتى أمس من ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يُصبح“. [رواه البخاري: 1387]. فالردع: لطخ من زعفران زيدوا عليه ثوبين ”جديدين“ في رواية، قالوا: ”ألا نجعلها جُدُدَاً كلها“؟ قال: ”لا“ [رواه أحمد: 24232]. فظاهره أنا أبا بكر رضي الله عنه ما كان يرضى بمغالاة الأكفان- ويقول: ”إنما هو للمهلة“. وقد جاء عند أبي داود من حديث علي مرفوعاً: ”لا تغالوا في الكفن فإنه يُسلب سريعاً“ [رواه أبو داود: 3156، ولكن ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير:6247]، وإنما هو الكفن يصير للتراب والصديد، ولا ينتفع به الميت، وقوله: ”للمهلة“، وفي رواية لابن سعد: ”إنما هو للمُهلي والتراب“ المراد بها هنا الصديد، ويؤيد هذا قول القاسم بن محمد بن أبي بكر: ”كُفن أبو بكر في ريطة بيضاء وريطة مُمَصَّرة“، وقال: ”إنما هو لما يخرج من أنفه وفيه“، اي القيح والصديد والدود.
- روى أحمد رحمه الله أن جابر بن عبد الله قال: ”بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ، فاشتريت بعيراً، ثم شددت عليه رَحِلي، فسرت إليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس، فقلت للبواب: ”قل له جابر على الباب“، قال: ”ابن عبد الله؟“ قلت: ”نعم، فخرج يطأ ثوبه“ -من العجلة والسرعة إخوان في الله متحابين، أول ما سمع أن أخاه جاء مستعجل هرول يهرول إليه- ”فاعتنقني واعتنقته“، فقلت: ”حديثاً بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص فخيشت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه“، قال: ”سمعت رسول الله ﷺ يقول“: ”يُحشر الناس يوم القيامة حفاة عُراة غُرْلاً بُهْمَاً ”قلنا: ”وما بهماً؟“ قال: ”ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرُب، أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقُصَّهُ منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند أحد من أهل النار عنده حق حتى أقُصَّه منه، حتى اللطمة“، قال: ”قلنا : كيف وإنما نأتي الله ﷻ عراة غرلاً بهماً؟“ قال: ”بالحسنات والسيئات“. [رواه أحمد: 16042، والبخاري في الأدب المفرد:970، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 570]. يعني: نحن نخرج كيف نخرج من بطون أمهاتنا في الدنيا ؟ ”حفاة عراة غرلاً“، وكذلك سيكون الخروج إلى تلك الدار حفاة عراة غرلاً ”كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ“ [الأنبياء: 104]، وهذا فيه عظيم قدرة الله على خلقه، وفيه أن معاينة الأهوال العظام تنقل الطباع عن عادتها المألوفة، فعادة البشر أن يلتفت الرجل إلى عورة المرأة، بشهوة وغريزة إذا كانت بادية أمامه، يوم القيامة لا يلتفت، هذا الطبع يتغير ينشغل بالأهوال والخوف الحقيقي يذهب بخداع النفس وينقل الطباع عن ما فيها، ولذلك فإن القلب إذا خلى من خوف الله خرب.
كان مالك بن دينار شرطياً من بني العباس، وكان فاسقاً يشرب الخمر صاداً ناداً عن الله ﷻ، فتزوج امرأة وأحبها حباً عظيماً، ولم يترك الخمر، يشربها في الصباح والمساء، ورزق منها بطفلة جميلة ملكت عليه قلبه، فكان لا يأتي إلى بيته إلا يداعبها ويمازحها، ويؤتى بالخمر فيشربها، فإذا رأته واعتنقها أسقطت الخمر من يده" -كأنها تقول: ”يا أبتي اتق الله“، فرجع يوماً ليداعبها فسقطت ميتة، فحزن حزناً عظيماً، فلما كانت تلك وشرب الخمر حتى الثمالة نام، فرأى في المنام كأن القيامة قد قامت، وأن الناس قد خرجوا من القبور حفاة عراة غرلا بُهْمَاً (بهما ليس معهم شيء)، وإذا بثعبان عظيم فاغراً فمه يقصده من بين الخلق، ويريد أن يبتلعه، ويهرب منه ويطارده، فإذا بشيخ حَسَنُ السمت وقور، فتقدم إليه فقال: ”بالله عليك أنقذني“، قال: ”لا أستطيع، ولكن اذهب إلى من ينقذك“، فبقي الثعبان يطارده، حتى وقفت على شفير جهنم فبقي الثعبان من ورائي وجهنم من أمامي، فقال: ”أرمي بنفسي في جهنم“ وإذا بهاتف يهتف ”أرجع لست من أهلها“، فرجعت في عرصات القيامة، وهو ورائي يطاردني ورجعت إلى الشيخ الوقور، فسألته: ”أسألك بالله أن أنقذني أو دلني“، قال: ”أما إنقاذك فلا، ولكن أدلك على ذلك القصر لعل لك فيه وديعة“، فانطلقت إلى القصر والثعبان يطاردني فإذا به من زبرجد وياقوت مكلل باللؤلؤ والجوهر، وإذا بالسُّتُر ينادي بفتحها، ”افتحوا السُتر“، ففتحت السُتر عن أطفال مثل فلق القمر، وإذا بابنتي من بينهن تقول: ”أبتاه“، ثم رمت بنفسها بيني وبين الثعبان، تقول للثعبان بيمناها هكذا فينصرف، فتضرب على لحيتي ثم تضرب على صدري، ثم تقول: يا أبتاه ”أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ“ [الحديد: 16]، فقلت: ”بلى قد آن“، ثم قلت: ”ما ذاك الثعبان؟“ قالت: ”ذلك عملك السيء كاد يُردِيكَ في جهنم“، قال: ”وما ذلك الشيخ الوقور؟“ قالت: ”ذلك عملك الحسن ضعفته حتى ما استطاع أن يقاوم عملك السيء“، ثم ضربت في صدري ثانية، وقالت: ”أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ“[الحديد: 16]، ففزعت من نومي ثم توضأت ثم انطلقت إلى المسجد في صلاة الفجر فإذا بالإمام يقرأ: ”أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ“ [الحديد:16]، فقلت: ”والله ما كأنه يعني إلا إياي“، ثم سلك، صار من العباد الزهاد تاب إلى الله ﷻ" [الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح، لابن الجوزي، ص: 44]، و [التوابين لابن قدامة، ص: 125]، فقد يرى النائم في منامه من مشاهد القيامة ما يجعله يتوب، تذكير، يوم القيامة بالحسنات والسيئات.
- روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: ”تحشرون حفاة عراة غرلاً“، ثم قرأ: ”كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ“ [الأنبياء: 104]، ثم قال ﷺ : ”وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل“ [رواه البخاري: 4463، ومسلم: 2860]. فأول من يكسى إبراهيم.
قيل: من الأسباب في ذلك أن إبراهيم أُلقي في النار يوم أُلقي عرياناً ليحترق فكوفأ بهذا.
وقيل: أنه أول من لبس السراويل لأنه كان حريصاً على ستر عورته في الدنيا، ويحذر إن لا ينكشف منها، واحتاط بلبس السراويل تحت الثياب فكوفئ بهذا.
وقيل: أنه كان في زمنه أخوف خلق الله لله، فعُجلت له الكسوة أماناً له ليطمئن قلبه.
تذكير : سبق أن قدمنا أنه لا يلزم إذا كانت هناك ميزة لنبي ليست للنبي الآخر أن يكون أفضل من الآخر، فقد يكون النبي الآخر أفضل منه، ولكن للمفضول ميزة ليست للفاضل، ولكن الفاضل له ميزات بمجموعها يكون أفضل ممن هو دونه، فنبينا ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ بلا شك، ومع ذلك فإن لإبراهيم ميزة أنه أول الخلائق يُكسى، ثم محمد ﷺ، كما أن لموسى ﷺ ميزة في قضية الصعق كما مر معنا.
- وقد جاء عن علي رضي الله عنه : ”أول من يكسى يوم القيامة خليل الله ﷺ قِبْطِيَتَينِ (ثوبان من القطن الرقيق الأبيض، من صناعة القبط بمصر)، ثم يكسى محمد ﷺ حُلَّةً (هي ثوبان متكاملان منسوجان للزينة) حِبَرَة (ثياب مخططة منسوجة باليمن، مشهورة بجمالها وجودتها) عن يمين العرش“ [مسند أبي يعلى: 566، وصححه الألباني في مختصر العلو: 1/75، وأورده البيهقي في: الأسماء والصفات: 840، وضعفه الحاشدي محققه].
والحاصل أن الأولية في الكسوة ثابتة لخليل الله إبراهيم، وهذا لا ينافي الأفضلية المطلقة لنبينا ﷺ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ”أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم ومن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر“. [رواه الترمذي: 3615،، وصححه الألباني، في صحيح الترغيب والترهيب: 3543]
- روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ”سمعت النبي ﷺ يقول“: ”إنكم ملاقوا الله حفاة عراة مُشاة غرلاً“. [رواه البخاري: 6159، ومسلم:2860]، ملاقوا الله: في الموقف بعد البعث، حفاة: جمع حافي بلا خف ولا نعل، ففي هذا الحديث (مُشاة) اي على الاقدام.
- فماذا عن هذا الحديث ؟ وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: ”يُحْشَرُ النَّاسُ على ثَلاثِ طَرَائِقَ: راغِبِينَ، وراهِبِينَ، واثْنانِ علَى بَعِيرٍ، وثَلاثَةٌ علَى بَعِيرٍ، وأرْبَعَةٌ علَى بَعِيرٍ، وعَشَرَةٌ علَى بَعِيرٍ، ويَحْشُرُ اللَّهُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارَ، تُقِيلُ معهُمْ حَيْثُ قالُوا، وتَبِيتُ معهُمْ حَيْثُ باتُوا، وتُصْبِحُ معهُمْ حَيْثُ أصْبَحُوا، وتُمَسِّي معهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا“. [رواه البخاري: 6522، ومسلم: 2861]. راغبين: أي منقادين طائعين، يطلبون رحمة الله. راهبين: أي خائفين من عذاب الله. على البعير جماعات: لقلّة الدوابّ حينها يوم الحشر، حتى يركب الكثير على دابة واحدة. بقيّتهم تحشرهم النار: أي أن النار تسوقهم وتسير معهم من كل جانب، أينما نزلوا نزلت، وأينما باتوا باتت، حتى تجمعهم إلى أرض المحشر، اذن : ١- راغبين، قبلين على الله عز وجل برجاء ثوابه وطلب رحمته، ٢- راهبين، خائفين، يفرّون من عذاب الله، فيُحشرون وهم وجِلون من العقوبة، ٣- من تحشرهم النار، قال النووي في شرح مسلم: ”النار تحيط بهم من ورائهم وعن أيمانهم وشمائلهم، تسوقهم سوقًا حتى تجمعهم“. وهذا الحديث، حديث حذيفة الذي فيه: ”وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم“ [رواه مسلم: 2901].
وجه الاشكال : كيف نُحشَرُ ”حُفَاةً“، وهذا الحديث الصحيح يبين أن الناس يحشرون على ”طرائق“، ومنهم من يكون على بعير واثنين وثلاثة وعلى بعير، فكيف نوفق بينهما؟.
الجمع بين الاحاديث
الحديث الأخير، الذي فيه أن بعض الناس يحشرون على الدواب، قال النووي رحمه الله فيه: قال العلماء: ”وهذا الحشر في آخر الدنيا قُبيل القيامة“. [شرح مسلم: 9/197]. فإذاً الحشر الذي نتكلم عنه الآن في هذا الدرس هو (حشر يوم القيامة) الذي يكون بعد الخروج من القبر، وليس الحشر الذي سيكون لآخر الجيل من البشرية في الأرض حينما تحشرهم النار إلى أرض الشام.
وقوى بعض العلماء هذا، يعني: حمل حديث: ”يُحشر الناس على ثلاث طرائق“، أنه في الدنيا بقوله في الحديث عن النار التي تحشرهم تقيل معهم وتبيت وتصبح وتمسي، قال: ”فهذه الأوصاف مختصة بالدنيا؛ لأن فيها تقييم تبيت وتصبح وتمسي“ [فتح الباري: 11/379]، بينما يوم القيامة وطوله خمسين ألف سنة لا يوجد فيه وقت القيلولة إلا وأهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار؛ لأن الله قال: ”أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا“ [الفرقان: 24]. قال ابن جرير الطبري: ”إن المراد أن أهل الجنة يصيرون إلى الجنة وأهل النار إلى النار في وقت القيلولة من ذلك اليوم الطويل“ [جامع البيان، 19/62]، وقال ﷺ : ”يُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ“ رواه أحمد (مسند أحمد: 23462) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2916). قال ابن كثير : قال بعض السلف: “إن حساب الناس يُفرغ منه في نصف يوم، فيُقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار” [تفسير ابن كثير، 6/108].
فالحشر ايضا (من علامات الساعة) أن هنالك ”نار ستخرج من قعر عدن في بلاد اليمن في آخر الزمان، ستسوق الناس إلى محشرهم“، وخروجها من قعر عدن لا يمنع أنها تذهب يميناً وشمالاً لتحشر الناس من كل الأرض إلى بلاد الشام، والشام هي أرض المحشر والمنشر.
١- حَشر آخر الزمان قبل قيام الساعة (ليس هنا المقصود)
٢- غير الحشر الذي سيكون بعد القيام من القبور. (وهذا هو المقصود الان)
٣- وهناك حشر ثالث وهو حشر أهل الجنة إلى الجنة، وحشر أهل النار إلى النار، فنحن الآن عن أي حشر نتكلم ؟ حشر ما بعد القيام من القبور إلى أرض المحشر للحساب والعرض على الله.
ما هي ارض المحشر ؟
- قال تعالى: ”يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ“ [إبراهيم: 48]، قال الراغب: ”الإبدال والتبديل جعل شيء مكان آخر“. [لسان العرب: 11/48]. وقال صاحب روح البيان في تفسير الآية: ”يوم تبدل الأرض المشاهدة غير الأرض، والتبديل قد يكون في الذات كما تقول بدلت الدراهم بالدنانير، فاختلفت الذات تماماً، وقد يكون في الصفات“ [تفسير روح البيان: 4/289]. اذا هل هو تبديل ذات ام تبديل صفات ؟ سنرى ان شاء الله.
- روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: ”يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عَفْرَاء كقُرْصَةٍ النَّقِي ليس فيها عَلَمٌ لأحد“. [رواه البخاري: 6521، ومسلم: 2790] (هذا اسمه حديث الباب). ومعنى العفر بياض ليس بالناصع يضرب إلى الحمرة قليلاً، وقال بعضهم: عفراء خالصة البياض. اذن : يُحشر الناس إلى أرض يوم القيامة بعدما يخرجون من القبور، إلى أرض بيضاء عفراء، فما معنى: ”كقُرْصَةٍ النَّقِي ؟“ شبهها ”كقُرْصَةٍ النَّقِي ليس فيها علم لأحد“، وقرصة النقي مثل قرص الدقيق النقي الخالي من الغُش والنُّخَالَة، مستوية ما فيها علامة لأحد، ولا سكن، ولا بناء ولا أثر، ولا أي علامة يُهتدى بها وهذا شيء عظيم يدل على قدرة الله تعالى، اقتضت حكمته أن يكون المحل الذي يُحشر إليه الناس واضحاً جداً، ظاهراً بارزاً مستوياً ما لأحد فيه مَعْلَم.
- قال ابن مسعود رضي الله عنه : ”أرض بيضاء كأنها فِضَّة لم يُسفك فيها دم حرام، ولم يُعمل بها خطيئة“. [الطبراني في الأوسط: 7167، وقال ابن حجر: "رجاله رجال الصحيح وهو موقوف" في فتح الباري: 6/147]. اذا فالأرض هذه جديدة تماماً.
- قال ابن حجر رحمه الله: ”وقد وقع للسلف في ذلك خلاف في المراد بقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: 48]. فهل التبديل تبديل ذات أو تبديل صفات؟ اي هل الأرض التي سنحشر إليها بعد القيام من قبورنا“ :
هي هذه الأرض نفسها التي نحن عليها، وندفن فيها، وقبورنا فيها لكن تغير تغيير صفات، فتمد وتصبح بلون آخر، وتزول جبالها، ووديانها، وصخورها، وتصبح مستوية تماماً ملساء، هل تتغير صفاتها؟
أو هي أرض ثانية مختلفة تماما غير الأرض هذه؟
القول الاول : ان التبديل تبديل ذات
- قال ابن حجر: ”وحديث الباب يؤيد الأول“، (اي تغير ذات، يعني لانها مُرَتَّبَة ”يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ” [إبراهيم: 48]. كأن ابن حجر يقول ان حديث الباب يؤيد الأول (اي تغيير ذات)، حديث الباب هو قوله ﷺ: ”يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عَفْرَاء كقُرْصَةٍ النَّقِي ليس فيها عَلَمٌ لأحد“ فقال: ”ويؤيده ما جاء عن ابن مسعود: ”أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة“، [قال ابن جحر: "رجاله موثقون“]، يعني كأنها سبيكة فضة، ولأحمد: ”أرض كالفضة البيضاء“، قيل: ”فأين الخلق يومئذ؟“ قال : ”هم أضيَافُ الله لن يُعجِزَهُم ما لديه“. [فتح الباري: 11/375].(المعنى: إكرام الضيف يتضمن التعجيل بما يُسَرّه، لذلك قالوا: لا يُعجِز الله أن يُفرغ من حساب الخلق جميعًا في جزء من يوم، ثم يُقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار). وعن مجاهد: ”أرض كأنها فضة، والسموات كذلك“.
اذن حديث الباب في البخاري يؤيد أنها تبديل ذات، وأن الأرض الثانية مختلفة تماماً عن الأولى، وأيده برواية ابن مسعود ”أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة“، وحديث الباب: ”يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقُرصَة النَّقِي ليس فيها علم لأحد“، وذكر في الشرح: ”وفيها تعريض بأرض الدنيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة منها“، حتى أن أبا محمد بن أبي جَمْرَة رحمه الله قال: ”وفيها إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض“. [فتح الباري: 11/375]، والقول هذا قال به القرطبي أيضاً، وقال: ”هذه الأحاديث تنص على أن السموات والأرض تبدل وتزال، ويخلق الله أرضاً أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجسر“. [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 9/383].
اذن حسب كلام الامام القرطبي :
١- سينتقل الناس من القبور إلى منطقة الجسر الذي على جهنم، والمقصود في المنطقة الظلمة غير الجسر (اي غير الصراط).
٢- ويؤتى بأرض أخرى يتجهون إليها، والأرض هذه التي نحن عليها ماذا سيحدث فيها ؟ سنرى ان شاء الله.
القول الثاني : ان التبديل تبديل صفات
- ثم قال ابن حجر: ”وأما من ذهب إلى أن التغيير إنما يقع في صفات الأرض“، (وهو القول الثاني، أن الأرض التي نحشر إليها هي ذات هذه الأرض لكن التغيير يكون في الصفات)، ”فمستنده حديث الحاكم عن عبد الله بن عمرو قال“: ”إذا كان يوم القيامة مُدت الأرض مد الأديم وحُشر الخلائق“، فإذاً هي نفسها تُمد "مد الأديم"، مثل البساط ومن حديث جابر رَفَعَه: ”تُمد الأرض مد الأديم، ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه“ [بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث:1131، ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على الزُهْري في صحابيِّه، فتح الباري: 11/376]. وقال : ”أما تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس“ (فهذا السند تالف لكن ورد) ”أنه يزاد فيها وينقص، ويذهب آكامها (جمع “أُكْمَة”، وهي التلال الصغيرة) وجبالها ووديانها، وتمد مد الأكيم العكاظِ“ (لأكيم هو الأرض المستوية الملساء التي لا نتوء فيها، نُسب إلى “عُكاظ” لأن أرض سوق عكاظ كانت ممتدة منبسط) [فتح الباري: 11/376].
- قال الشيخ السعدي رحمه الله: ”وهذا التبديل تبديل صفات لا تبديل ذات، فإن الأرض يوم القيامة تسوّى، وتمد مدَّ الأديم (الجلد المدبوغ)، ويلقى ما على ظهرها من جبل ومعلم فتصير قَاعًا صَفْصَفًا - لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [طه: 106-107]، و يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج: 8] من شدة أهوال ذلك اليوم، ثم يطويها الله -تعالى- بيمينه". [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 1/428].
اذن: إن أرض المحشر هي أرضنا ولكن تغير صفاتها، واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو وهذا حديث موقوف ليس بمرفوع: ”إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الخلائق“ (الأديم هو الجلد إذا دُبغ وبُسط، والمقصود أن الأرض تُمد وتُسَوّى يوم القيامة، فلا يكون فيها جبل ولا وادٍ ولا شجر، بل تكون مستوية تمامًا كصفحةٍ واحدة)، وحديث جابر المرفوع: تمد الأرض مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على الزُهْرِي في صحابيِّه.
القول الثالث : الجمع بين الاحاديث والاثار
- ثم قال الحافظ: ”وهذا وإن كان ظاهره يخالف القول، الأول فيمكن الجمع:
بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا، (يعني: التغيير يقع في أرض الدنيا)،
لكن أرض الموقف غيرها“، ثم قال: ”ويؤيده ما وقع في الحديث، أن أرض الدنيا تصير خُبزَة، والحكمة في ذلك أنها تعد لأكل المؤمنين منها في زمان الموقف، ثم تصير نزلاً لأهل الجنة“. [فتح الباري: 11/376].
الخلاصة : ان التغيير في الصفات يقع للارض، فيجعلها الله خبزة، ثم يخلق الله ارض المحشر فيحشرون فيها، والخبزة انما جعلها الله لاكل المؤمنين في المحشر قبل دخولهم الجنة، وفي اثناء تبديل الارض لخبرة وانشاء ارض جديدة يحشر الناس في الظلمة دون الجسر اي الصراط.
الحديث الذي سنسمعه الآن أن الأرض التي نحن عليها الآن ستتحول إلى خبزة، فستكون أرض المحشر أرض أخرى غير الأرض هذه.
- روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال النبي ﷺ: ”تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدة، يَتَكَفَّأُهَا الجَبَّارُ بيده كما يَكْفَأُ أحدَكُم خبزته في السفر“، (يتكفأها الجبار بيده (اي يقلّبها ويُهيئها لهم كما يفعل الإنسان بالخبزة إذا أعدّها للضيف. وهذا فيه إثبات صفة اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله، بلا تمثيل ولا تعطيل)، طيب لمن؟ قال: ”نزلاً لأهل الجنة“، فأتى رجل من اليهود فقال: ”بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟“ قال: ”بلى“، قال: ”تكون الأرض خبزة واحدة -انظر اليهودي لما جاء ما سمع ما قال النبي ﷺ، جاء يستعرض العلوم التي عنده - فقال كما قال النبي ﷺ- يقول ابي سعيد : ”ثم ضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه“ -يعني: من هذه الموافقة، أنه هو يخبرهم بمعلومة من الوحي، واليهودي جاء فأخبر بها كما هي، طبعاً اليهود عندهم شيء صحيح وأشياء محرفة، فهذا كان من الصحيح الباقي عندهم- ثم قال ﷺ : ”ألا أخبرك بإِدَامِهِم ؟“ قال: ”إدامهم بالامٌ ونُون“، قالوا: ”وما هذا؟“ قال: ثور ونون“ - يعني في الجنة ثور يأكل من أطرافها (يرعى)، أول ما يدخل أهل الجنة الجنة، يُنحر لهم ثور الجنة، فهذا يكون بداية النزل الذي يقدم لأهل الجنة، والنون الحوت زيادة كبد الحوت ”يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً “. [رواه البخاري: 6520، ومسلم: 2792]، هذا كان زيادة الكبد، فكيف الكبد، وكيف الحوت، شيء عظيم.
نعود إلى موضع الشاهد الذي نريده من الحديث: ”تكون الأرض يوم القيامة -يعني: أرض الدنيا- خبزة“، وهو عجين يوضع في الحفرة بعد إيقاد النار فيها، هذه الخبرة، والناس يسمونها المَلَّة او الطُلْمَة، فالخبزة العجين الذي يوضع في الحفرة بعد إيقاد النار فيها، تكون الأرض خبزة يتكفأها الجبار.
وفي رواية لمسلم [2792]: ”يَكْفَؤُهَا، كما يَكْفَأُ أحدكم خبزته في السفر“، يعني: هذه الخبزة التي يصنعها المسافر؛ لأن المسافر ما عنده كل المعدات، فخبزه ما هو مثل خبز أهل الحضر، قال: كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، يعني: لا تُدْحَى كما تُدْحَى الرُّقَاقَة (بما نسميه الشوبك) وإنما تقلب على الأيدي، فالآن خبز الحضر يأتون بهذه الآلة التي يدحون بها العجين فيصبح رقيقاً، لكن في السفر ما في آلات معدات المسافر قليلة فماذا يفعل؟ يأخذها بيده فيرققها بيده، فهذا معنى يتكفأها الجبار بيده، قال: ”يتكفأها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر“، فلماذا يفعل الجبار ذلك ﷻ ؟ قال: ”نزلاً لأهل الجنة“، ما يقدم للضيوف في أول مجيئهم، ما يُعجل لهم من الطعام.
- النووي قال في شرح مسلم (18/101): “هو نزُلٌ وضيافةٌ لأهل الجنة بعد دخولها، وليس في الموقف أكل ولا شرب.”
- قال في فتح الباري (11/377): “ويستفاد منه أن المؤمنين لا يُعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف، بل يقلب الله لهم بقدرته طَبْعَ الأرض حتى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاء الله بغير علاج ولا كلفة.” يعني: شيء متناول اليد يأكلون منه في أرض الموقف، المحشر- ، حتى يصيروا إلى الجنة ” [فتح الباري: 11/373].
فالجمهور (النووي، القاضي عياض، وغيرهما): الخبزة نزُل الجنة، اما ابن حجر: ذكر قول الجمهور، ثم أضاف استنباطًا أن المؤمنين لا يعاقَبون بالجوع في الموقف، مستأنسًا بحديث الخبزة، وكأنه أراد أن يُطمئن أن الموقف الطويل لا يعني حرمان المؤمنين من رزق الله.
قال ابن باز في مجموع فتاواه (28/124): “هذا الحديث صحيح، والمقصود أن الله يجعل الأرض يوم القيامة خبزة عظيمة يتكفؤها بيده الكريمة نزلاً لأهل الجنة، وهذا بعد دخولهم الجنة، وليس في الموقف، لأن الموقف يوم عظيم يشغل الناس فيه عن الأكل والشرب.” وقال العثيمين في شرح رياض الصالحين (6/243): “قوله ﷺ: ”تكون الأرض خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده نزلاً لأهل الجنة“ أي: يجعل الله الأرض يوم القيامة كالخبزة يأكل منها أهل الجنة أول ما يدخلونها، وهذا تكريم لهم وضيافة، ولا ينافي ما ورد أن أول طعامهم زيادة كبد الحوت؛ لأن هذا قبل أن يستقروا في الجنة.”.
الخلاصة على أن الأرض هذه تتحول إلى خبزة يتكفأها الجبار، وأن الناس في أرض المحشر وهي أرض أخرى على القول الأول، اما انهم يأكلون من الخبزة هذه التي تتحول إليها أرضنا أهل الإسلام، واما عند دخول الجنة نزلا، والله اعلم.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ”السمواتُ وإن طويت وكانت كالمُهْلِ (المهل هو دُرْدِيُّ الزيت (أي ما يترسب من الزيت إذا اشتدّت حرارته) [تفسير الطبري 15/180 عن ابن عباس رضي الله عنهما]، واستحالت عن صورتها، فإن ذلك لا يوجب عدمها وفسادها، بل أصلها باق بتحويلَهِا من حال إلى حال، وإذا بُدّلَتْ فإنه لا يَزَالُ سماء دائمة وأرض دائمة“ [مجموع الفتاوى: 15/110].
- ونقل القرطبي عن أبي الحسن بن حَيْدَرَة (صاحب الإِفْصَاح) أنه جمع بين هذه الأخبار ”بأن تبديل السموات والأرض يقع مرتين“.
الخلاصة عن ماهية ارض المحشر : اختلفت الآراء حول تبديل الأرض يوم القيامة؛ ١- هل هي أرض جديدة تمامًا بيضاء ومستوية (تبديل ذات)، ٢- أم هي ذات الأرض بتغيير صفاتها (تبديل صفات))؟ وجمع ابن حجر بين القولين انهم يذهبون الى الصراط فيجعل الله الارض "خبزة" يتكفأها الجبار ليأكل منها المؤمنون في المحشر، ثم يعودوا الى ارض اخرى (تبديل ذات)، فأرض الموقف تكون أرضاً أخرى تمامًا. وهذا يضمن عدم جوع المؤمنين في ذلك اليوم الطويل.
وإذا قلنا أرضنا هذه تتحول إلى خبزة، والناس سيحشرون إلى الأرض الأخرى، أين سيكون الناس في ذلك الوقت ؟
- روى مسلم أن ثوبان - مَوْلَى رسول الله ﷺ - حدثه قال: ”كُنْتُ قائماً عند رسول الله ﷺ فجاء حَبْرٌ من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد! فَدَفَعْتُهُ دفعةً كَادَ يُصرع منها“، من (الذي دفع اليهودي؟ ثوبان)، فقال: ”لم تدفَعُنِي؟“ قلت: ”ألا تقول يا رسول الله!“، يعني: تأتي وتقول السلام عليك يا محمد، طبعاً لأنه يهودي لا يؤمن بأنه رسول الله، فقال اليهودي: ”إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهلُه“، فقال رسول الله ﷺ: ”إنَّ اسمي مُحَمّدٌ الذي سماني به أهلي“، فقال اليهودي: ”جِئْتُ أسألُكَ؟“ فقال له رسول الله ﷺ: ”أينفَعُكَ شيء إن حدَّثْتُكَ؟“ (يعني: أنتم يهود ولا تؤمنون، فالآن تأتي وتسأل، طيب لو أجبتك سينفعك الجواب بشيء؟، يعني: ستسلم؟) قال: ”أَسْمَعُ بِأُذُنَيّ“ -انظر الروغان اليهود- ”فنَكَتَ رسول الله ﷺ بعود معه“، فقال: ”سل؟“ فقال اليهودي: ”أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟“ فقال رسول الله ﷺ: ”هم في الظُّلْمَةِ دُوْنَ الجِسْرِ“. [رواه مسلم: 315]. في هذا الوقت تحديداً في الظلمة دون الجسر، هذا مكانهم، والجسر المراد به الصراط.
- وجاء عند مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: ”سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﷻ“: ”يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ“ [إبراهيم: 48]، فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله ؟ فقال: ”على الصراط“. [رواه مسلم: 2791].
فلاحظ أن بين الروايتين اختلافاً :
الاولى (الجواب على اليهودي) : أنهم يكونون دون الجسر، يعني: قبل الجسر.
والثانية (الجواب على سؤال عائشة) أنهم يكونون على الجسر اي على الصراط.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ”جمع بينهما البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط ، وأن في قوله: على الصراط مجازاً؛ لكونهم يجاورونه، (يعني: ليسوا عليه لكن بجواره)، ”في الظلمة دون الجسر“، قال: لأن في حديث ثوبان (الجواب على اليهودي) زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها“. [فتح الباري: 11/376].
إذن أين مكان الخليقة هذه عند التبديل؟ اليهودي سأل وأجاب النبي ﷺ قال: في الظلمة دون الجسر، اي قبل الصراط في الظلمة هذا مكانهم، ثم سيحدث الانتقال إلى أرض المحشر، هي أرض الحساب (ويجعل الله الارض كالخبزة يتكفأها بيديه للمؤمنين طعاما، اما نزلا لاهل الجنة واما طعاما لهم في المحشر).
محمد ﷺ الحَاشِرُ، ورد من أسمائه كما قال ﷺ: للِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي (رواية مسلم على عَقِبي)، وَأَنَا العَاقِبُ - الذي ليس بعده نبي- . [رواه البخاري: 3532، ومسلم: 2354]. فقوله: ”أنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبي“ (في رواية مسلم هذه عَقِبي، وفي الصحيحين على ”قَدَمِي“)[رواه مسلم: 2354]، فما معناه؟ وما صلته بالموضوع؟ اذا في روايتين (عَقِبي و قَدَمِي)
- قال العلماء: ”معناه يحشرون على أثري، وزمان نبوتي، ورسالتي، وليس بعدي نبي“.
- قال ابن القيم: ”هو الذي يُحشر الناس على قَدَمِه فكأنه بُعث ليُحْشَرَ الناس“. [زاد المعاد: 1/87]. فهو أول أشراط الساعة، فمجيئه إيذان بحصول قيام القيامة وكذلك الحشر،.
- وقيل: ”معناه أنه يحشر قبل الناس“ وهو موافق للرواية الأخرى: ”يحشر الناس على عَقِبي“، وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي سعيد: ”أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة“ [رواه البخاري: 2412]. وعند الترمذي عن النبي ﷺ: ”أنا سيّدِ ولدِ آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر“ [رواه الترمذي: 3148، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3543]. يعني: يقول أنا ما أفتخر بهذا هذه فضيلة التي آتاني الله إياها، أنا لا أتعالى على الخلق بهذا، ولا أذكرها تكبراً، إنما هي فضيلة آتاني الله إياها، ”وأما بنعمة ربك فحدث“، فأول من تنشق عنه الأرض، اي أول من يحيى مبالغة في إكرامه، ويخرج من قبره.
والحمد لله رب العالمين ،،،