المسألة السادسة والخمسون : حُكْمُ التكفين
لقد اجمع العلماء على انّ تكفين الميت فرض كفاية -كما ذكرنا سابقا في قاعدتها-، وبرهان هذا الاجماع قول النبي صلى الله عليه وسلم في حق من مات بعرفة، والحديث كامل للتذكير: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ -أي كسرت عنقه أو أصابته إصابة قاتلة بسبب سقوطه من الراحلة-، أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. [من حديث عبد الله بن عباس في صحيح البخاري برقم (1265)، وبرقم (1849)، وفي صحيح مسلم برقم (1206)]. فقال: ” وَكَفِّنُوهُ“، وهذا امر، والامر يقتضي الوجوب، ومن حديث أم عطية نسيبة الأنصارية قالت: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي». فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ -اي إزاره، وأصل الحقو موضع شد الإزار، ثم أُطلق على الإزار نفسه-، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ -اجعلنه شعارًا لها، أي الثوب الذي يلي جسدها مباشرة تحت بقية الأكفان-.) [في صحيح البخاري برقم 1254، وصحيح مسلم برقم 939]، [وذكر الإمام النووي أن الحكمة هي التبرك بأثر النبي ﷺ، وهو أمرٌ خاص به ﷺ؛ لأن آثاره مباركة بنصوص الشرع، ولا يُقاس عليه غيره من الناس، مهما بلغت منزلتهم وهي بركة ذاتية منتقلة كما اخذنا في القواعد العقائدية]، ففي قوله "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ“ امر والامر يفيد الوجوب، وقد اجمع الامة على هذا الامر ولله الحمد والمنة.
المسألة السابعة والخمسون : ما الواجبُ في الكَفَن؟
ما الواجب في الكفن؟
الجواب: الواجب في الكفنِ ثوب يستر جميعه، وما زاد على ذلك فهو من السُّنَّة وليس من الواجب، انّما الواجب ثوب يستر جميعَهُ.
ما المقصود بِجَمِيْعَهُ؟
الجواب: يستره من راسه الى أخْمُصِ قدميه.
المسألة الثامنة والخمسون : من مستحبات الكَفَن؟
ما الواجب في الكفن؟
الجواب: الواجب في الكفنِ ثوب يستر جميعه، وما زاد على ذلك فهو من السُّنَّة وليس من الواجب، انّما الواجب ثوب يستر جميعَهُ.
ما المقصود بِجَمِيْعَهُ؟
الجواب: يستره من راسه الى أخْمُصِ قدميه.
المستحبُّ في عدد الاكفان
فما المندوب في الكفن؟
نقول: يُندب ان يكفن في ثلاثة اثواب، كما في الصحيحين من حديث عائشة: (كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ -أي ثلاث لفائف يُدرج فيها الميت، وليست ثيابًا مخيطة- بِيضٍ -لونها أبيض، وهو اللون المستحب للكفن- سَحُولِيَّةٍ -نسبة إلى سَحول، وهي قرية باليمن، وقيل: المراد الثياب البيضاء النقية المنسوجة بإتقان- مِنْ كُرْسُفٍ -أي من القطن-، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. -أي لم يُلبَّس النبي ﷺ قميصًا ولا عِمامة، وإنما لُفَّ في ثلاث لفائف فقط.-) [عائشة رضي الله عنها | المصدر: صحيح البخاري (1264)، وصحيح مسلم (941)].
وليس من السّنَّةِ ان يزاد على ثلاثة اثواب، كما انّهُ في الوضوء ليس من السنة ان يُزاد على ثلاث غسلات، فهذا أعْلَى ما وردت فيه السنة الصحيحة والله اعلم.
المستحبُّ في لون الاكفان
اعلم ان السنه في الكفن ان يكون لونُهُ ابيضا؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم كُفِّنَ في ”فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ" وهذا هو الشاهد؛ ولان اللون الابيض هو سَيّدُ الالوان كما قال صلى الله عليه وسلم: (الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَإِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ؛ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ.-هو نوع من الكحل الطبيعي، وقد أخبر النبي ﷺ أنه يجلو البصر وينبت شعر الأهداب، مع مراعاة أن استعماله اليوم يكون إذا كان مأمونًا وخاليًا من المواد الضارة-) [عبد الله بن عباس رضي الله عنهما | المصدر: سنن أبي داود (3878)، وسنن الترمذي (994)، وسنن ابن ماجه (3566)، ومسند أحمد (3426) | الحكم على الحديث: صحيح، صححه الألباني، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح]
المسألة التاسعة والخمسون : من أين يُشتري الكفن؟
ان قلتَ: من اين يشترى هذا الكفن؟
الجواب: القاعدة تقول: ”كُلُّ ما يتعلق بنفقةِ الميت، فَمِنْ تَرِكَتِهِ“، فكَفُنُهُ الاصل ان يكون من تركته، اجرةُ الماء الذي يُغسل به من تركته، اجرةُ من يحفر قبره من تركته، اجرةُ من يُغَسّل اذا لم نجد مُغسلا مُتَطَوِّعَا ايضا من تركته وهكذا، فجميع النفقات التي تتعلق بالميت تكون من تركته. فان لم يكن له تَرِكَة، او طابت نفوس اهله ولم يوصي هو، فحينئذ يُكْتَفَى بتِلْكَ الاكفان التي توفرها بعض الجهات الخيرية مشكورة، لكن اذا ابى الميت، ووجدنا وصية الا يُكَفّن من ثياب الصدقات وانما يكفن من تركته، فلا حق لنا ان نكفنه الا من تركته ذا كان ثمّةُ شيء يوجد.
ولذلك ينبغي للمغسلين ان يسالوا "هل تَرَكَ وصيةً او لم يترك وصية؟“ حتى ننفذ وصيته، ولا نتجاوز بالتصرف معهما ما يريد.
المسألة الستون : التوسط في الكفن
اعلم ان احدنا اذا تولى كفن اخاه فالواجب عليه ان يُحْسِنَ كَفَنَهُ، وان يختار له من الثياب المتوسطة، فلا يختار له اردء القماش، ولا اغلى القماش، فلا يُكَفّنُ في حرير، ولا في قماش فاخر غالي، ولا يُتَيَمَّمُ الخبيثُ منه يُكَفّنُ اخاه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ) [جابر بن عبد الله | المصدر: صحيح مسلم (943)]، ولا ينبغي المُغَالاةُ فيه، فانّ من الناس من يشتري قطعةَ حرير ويريد ان يُكَفَّنَ فيها، او يشتري ثيابا غالية الثمن جدا ويريد ان يكفن فيها، فنقول لك هذا ليس بصحيح، ففي سنن ابي داوود من حديث علي رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا) [علي بن أبي طالب | المصدر: من حديث علي بن أبي طالب في سنن أبي داود (3154) | الحكم على الحديث: اختلف أهل العلم في تصحيحه؛ فقد ضعفه جماعة بسبب الانقطاع في السند، وحسنه أو صححه آخرون].
المسألة الواحدة والستون : محظورات في نوع الكفن
عندنا قاعدة: ”كُلُّ ثوب لا يجوز للعبدِ لِبْسُهُ في حياته فلا يجوز انْ يُكَفَّنَ فيه“، فالرجل حال حياته لا يجوز له لبس الحرير، فلا يجوز تكفين الرجل بعد موته بالحرير، ولا يجوز له في حال حياته لبس المُعَصْفَر؛ لقول علي: (نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ -لبس خاتم الذهب، وهو محرم على الرجال بالإجماع، وجائز للنساء-، وَعَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ -ثياب تُصنع في قرية القَسّ بمصر، وكانت مخلوطة بالحرير أو مزخرفة به، ولذلك نُهي الرجال عنها-، وَعَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ -أي قراءة القرآن حال الركوع أو السجود، وهذا منهي عنه، أما الذكر والدعاء فيهما فهما المشروعان-، وَعَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ -وهو الثوب المصبوغ بالعُصفر، وهو نبات يُستخرج منه صبغ أحمر مائل إلى البرتقالي. وقد نهى النبي ﷺ الرجال عن لبسه-) [علي بن أبي طالب | المصدر: صحيح مسلم (2078)]، وكذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ رأى عليه ثوبين معصفرين فقال: (إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا) [عبد الله بن عمرو بن العاص | المصدر: صحيح مسلم (2077)]، [المُعَصْفَر والمُزَعْفَر هما ثوبان صُبغا بنوعين مختلفين من الأصباغ الزعفران والعُصفُر، وأصبحت نادرة جدًا الان]، فكذلك لا يجوز ان يكفن بعد موته بالمُعَصْفَر، ولا يجوز له ان يلبس الدّيْبَاجَ -افخر انواع الحرير- في حياته، فكذلك لا يلبس "الْقَسِّيِّ" والديباج -انواع فيها حرير-، ولا يجوز ان يلبس رجل او امراة شيئا من جلود السِّبَاعِ في حال حياته فالسباع لا يُلبَسُ جلودها ولا تُفْتَرَش، فكذلك ايضا لا يُكفن بشيء من جلود السباع او الثياب المُتخذة من جلود السباع.
المسألة الثانية والستون : هل هناك فرق بين كفن الرجل والمرأة في النوع او العدد؟
فان قلتَ: وهل يجوز ان تُكَفَّنُ المراة في الحرير؟
الجواب: نقول انه اون كان بالاصالة يجوز؛ لانه ثوب تَلْبَسُهُ في حياتها، فاذن: بالاصالة يجوز، لكن نَمْنَعُهُ لا لانّه يحرم عليها في حياتها، وانما لوجود المُغَالاة وعدم الفائدة. وينبغي ان تعلموا دائما ان الاصل ان امور الاموات يُسَن بها ما يُوجِبُ تذكر الاخرة، يعني بِمَعْنى ان امامنا ميت وهو مغالٍ في كفنه، فهنا مغلاة الثياب من شؤون الدنيا ليست من شؤون الاخرة، فإذا غالى في ثيابه وهو ميت لن نتذكر الاخرة بل سيبقى تذكرنا له بالدنيا. وكذلك فصفته شرعية، وصفاته الشرعية تفتقر الى ادلة، فلا حق لك ان تقول صِفَةُ الكفن كذا وكذا الا وعلى ذلك دليل من الشرع، ولا اعلم دليلا يصح مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم ينص على اختلاف كفن الرجل عن كفن المراة؛ ولذلك فالقول الصحيح عندنا في هذه المسالة هو انّ ”المراةُ تُكَفَّنُ في ثلاثة اثواب بِيْضٍ سَحُولِيَّةٍ من كُرْسُف“ او نحو ذلك مما تيسر من القماش، لكن ثلاثه اثواب، وليس من السنة ان تكفن في خمسة اثواب. فأمّا المشهور في مذهب الائمة الحنابلة وهي خمسة اثواب ويعمل به كثير من المغسلين، فليس فيه دليل، واختار ذلك الامام الالباني رحمه الله تعالى ايضا.
فان قلتَ: كيف تقول لا دليل عليه وفي حديث ليلى بنت قانف الثقفية رضي الله عنها قالت: (كَانَ أَوَّلَ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحِقْوَ -وهو الإزار الذي يُشد على أسفل البدن-، ثُمَّ الدِّرْعَ -القميص-، ثُمَّ الْخِمَارَ -ما يُغطى به الرأس-، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ -الثوب الذي يلف الجسد-، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ -الذي أُدرجت فيه بعد ذلك، فتم به التكفين-).[من حديث ليلى بنت قانف في سنن أبي داود (3157) | الحكم على الحديث: حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم الألباني في أحكام الجنائز]، اذن الاثواب: ١-”الْحِقْوَ“، ٢- ”الدِّرْعَ“، ٣- ”الْخِمَارَ“، ٤- ”الْمِلْحَفَةَ"، ٥- ” الثَّوْبِ الْآخَرِ“، خمسة اثواب، فكيف نقول ثلاثة؟
فنقول: لو صح هذا الحديث لكان فيصلا في النِّزَاع، ولكنّهُ حديث ضعيف جدا؛ لان فيه رجل يُقَالُ له نُوح بن الحَكَم الثّقَفِيُّ وهو مجهول عند اهل الحديث، ومن المعلوم انّ ”الجهالة سبب لضعف الرواية" قال الذهبي: لا يعرف له كبير رواية، فاذن: الاصل هو ان حكم الرجال والنساء متفق ولا خلاف بينهما؛ ولذلك عندنا قاعدة: ”كُلُّ حكم ثبت في حق الرجال، فيثبت في حق النساء والعكس بالعكس الا بدليل الاختصاص“، فالرجل الان مثلا هل يجوز له ان يأخذ من شعر الحاجب؟ الجواب: لا، والدليل حديث (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ) [عبد الله بن مسعود | المصدر: من حديث عبد الله بن مسعود في صحيح البخاري برقم (5931)، وصحيح مسلم برقم (2125)]، فهنا اخذنا الحكم من المرأة واعطيناه للرجل؛ لان الاصل استواء الاحكام بين الذكور والاناث الا فيما خَصّهُ النص.
عندنا قواعد في الاصول مهمة: قواعد (كُلِّيَات الشريعة)
فمنها: انّ ”الاصل في التشريع التّعْمِيمُ“، بمعنى انَّ:
قاعدة اخرى: ”كُلُّ حكم ثبت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فيثبت في حق الامة تَبَعَا الا بدليل الاختصاص“.
قاعدة اخرى: ”كل حُكْمٍ ثبت في حق واحد من الامة فيثبت في حق الامة تَبَعَا الا بدليل الاختصاص“.
قاعدة اخرى: "كل حكم ثبت في الاسلام في الزّمَنِ السابق، فيثبُتُ في الزمن اللاحق الا بدليل الاختصاص“.
قاعدة اخرى: ”كل حكم ثبت في حق الانس، فيثبت في حق الجن والعكس بالعكس الا بدليل الاختصاص“.
قاعدة اخرى: (وهي التي تهمنا الان) ”كُلُّ حكم ثبت في حق الذكور فيثبت بحق الاناث والعكس بالعكس الا بدليل الاختصاص“.
قاعدة اخرى: ”كُلُّ حكم ثبت في حق الاحرار فيثبت في حق العبيد الا بدليل الاختصاص“.
اذن: فالذي ينبغي ان نسال من قال لنا في خمسة اثواب نساله عن نَصِّهِ، فاذا لم يذكر لنا الا هذا النص فنبين له انّهُ من النصوص الضعيفة، وان الاصل استواء النساء مع الرجال في الاحكام، وان اتبعت احدا يفتي في الخمسة اثواب للنساء فالمسالة الحمد لله اجتهادية وليست حتى خلافية، يعني انزل من المرتبة الخلافية فهي محض الاجتهاد، ولا يفسد الاجتهاد للود قضيه، فالتقليد هنا جائز.
المسألة الثالثة والستون : من اينَ يُكَفّنُ الرّقِيق؟
فإن قلتم: من اين يكفن الرقيق؟
نقول: لا نريد الاطالة فيها لعدم وجود الارِقّة الان، ولكن نقول مختصرا: يُكَفَّنُ الرقيق من مال سَيِّدِهِ.
المسألة الرابعة والستون : من اين تُكفّنُ المراة؟
فإن قلتم: من اين يكفن المراة؟
الجواب: فما زلنا نتعجب من بعض الفقهاء يقول ”ولا يجب على الرجل تكفين زوجته من ماله“، الا انّهُم اعتبروا عدم الوجوب من انقطاع النكاح، وهو كان يُنْفَق عليها في عِوَض وهو النكاح، لكن بعد بعد موتها لا يوجد عِوَض، فقالوا ليس على زوجها هذه النفقة للتكفين، ولكن نحن نقول: ليس من باب العشرة فقط، بل من باب النفقات الواجبة؛ لانّه وان انقطعت بعض علائق النكاح فتبقى بعض العلائق، فحينئذ والله من باب العشرة، امراة اول من تفتقت عينك على رؤيتها، واول من تفتق حب قلبك لها، وامراة وضاجعتها وسلمت لها نفسك، وخدمتك، وخدمت ولدك، تتركها ولا تجب عليك، هذا لا يصح، اذن: القول الصحيح الذي لا ينبغي الخلاف فيه انّ الزوجة تُكَفَّنُ من مال زوجها حتى وان تركت تَرِكة.
المسألة الخامسة والستون : ما الحكم لو كان الكفن لا يكفي لجميع الميت؟
ما الحكم لو كان الكفن لا يكفي لجميع الميت، ماذا نفعل، اي إن غطينا راسه بانت قدماه، وان غطينا قدميه بان راسه، فماذا نفعل؟
الجواب: فلا جَرَمَ اننا نغطي افضلهما وهو الراس، ونجعل على قدميه شيئا من الشجر، او الاغصان، او الْإِذْخِرِ [هو نباتٌ بريٌّ طيِّب الرائحة، كان معروفًا في الحجاز، ويُستعمل في التسقيف والفرش، وله رائحة زكية]، كما فُعِلَ بمُصْعَبِ بن عُمَيرٍ رضي الله تعالى عنه وارضاه، كما ثبت في صحيح البخاري عن خَبّاب بن الأرَت رضي الله عنه قال: (قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ إِلَّا نَمِرَةٌ -كساء أو ثوب مخطط، غالبًا من الصوف، فيه خطوط سود وبيض-، إِذَا غُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ)). [خباب بن الأرت | المصدر: من حديث خباب في صحيح البخاري برقم (1276)].
المسألة السادسة والستون : لدينا ثوبان او ثوب واسع لرجلين فماذا نصنع؟
فانْ قُلْتَ: وما الحكم لو وجدنا لرجل ثوبين، وعندنا مَيّتٌ ليس له كفن، او وجدنا ثوبا واسعا يَسعُ اثنين، لكنه مَصْرُوفٌ من تركة احدهما، بمعنى اننا لو شققناهُ بينه وبين اخيه لكفاهما، يعني إمّا ثوبان او ثوب واسع، فماذا نفعل في هذه الحالة؟
الجواب: نَشُقُّهُ بينهما؛ لان حاجة اخيه الان حاجة ضرورية، ولا بد ان يُنظر لها بعين الاعتبار، وعلى ذلك ما فعلته صَفِيّة في تكفين حَمْزَة، انها بعثت للنبي صلى الله عليه وسلم ثوبين، فَقَالَتْ: هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْتُ بِهِمَا لِأَخِي حَمْزَةَ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَقْتَلُهُ، فَكَفِّنُوهُ فِيهِمَا. قَالَ الزبير وهو الراوي: فَجِئْنَا بِالثَّوْبَيْنِ لِنُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ، فَإِذَا إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَتِيلٌ، قَدْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِحَمْزَةَ، قَالَ: فَوَجَدْنَا غَضَاضَةً وَحَيَاءً -أي حرج ومشقة في النفس، واستحياء من تفضيل أحد على الآخر- أَنْ نُكَفِّنَ حَمْزَةَ فِي ثَوْبَيْنِ، وَالْأَنْصَارِيُّ لَا كَفَنَ لَهُ، فَقُلْنَا: لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ، وَلِلْأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ، فَقَدَّرْنَاهُمَا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنَ الْآخَرِ، فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا -أجروا قرعة لتعيين من يُكفَّن بالثوب الأكبر؛ تحقيقًا للعدل-، فَكَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي طَارَ لَهُ -اي الذي خرج له بالقرعة وصار من نصيبه-) [من حديث الزبير بن العوام، أخرجه أحمد (1418)، والبيهقي (6766) واللفظ لهما، وأبو يعلى (686) باختلاف يسير، صححه الألباني في إرواء الغليل الصفحة أو الرقم : 3/165]، فما وجه الدلالة؟ الجواب: اقرارَ النبي صلى الله عليه وسلم.
المسألة السابعة والستون : نزع ما على الميت من جلود او حديد او سلاح
اعلم انه يجب ان ينزع ما على الميت من الجلود او الحديد او السلاح، فهو متفق عليه بين اهل العلم رحمهم الله تعالى، بل قال العلماء قاعدة ”كُلُّ ما من شانِهِ المَالِيّة فلا بد ان يُزَعَ عن الميت“، اي جميع ما له ماليّة، اي يُستَفَاد منه وينتفع به، وايضا اشياء اخرى مثل الذهب والفضة والسلاح والجلود والحديد، فهذه كلها لها مالية فهي من حق الوَرَثة، فما كان من شانه ان يكون له مَاليّة، فانّهُ يُنزع عن الميت ولا يبقى معه شيء.
المسألة الثامنة والستون : هل يُطيّبُ الميت قبل تكفينيه؟
هل يطيب الميت قبل تكفينه؟
الجواب: نعم، يُطَيَّبُ لا سيّمَا في مغابِنِهِ، في فتحةِ انفه، وفي اذنيه، واسفل اذنيه، وفي ابطيه، بل قال العلماء وان طُيِّبَ كُلُّهُ فحَسَنٌ؛ لانّ أنَسَاً طُلِيَ بالمسكِ، وطُلِيَ ابن عمر بالمسك ايضا، فإذا طُيِّبَ فهو افضل؛ ولانّهُ ابعد عن فساد جسده، واطرد للهوام.
المسألة التاسعة والستون : هل يوضع بين اللفائف شيئا
فان قلتَ: وهل يُوضَعَ بين اللفائِفِ شيئا؟
الجواب: يوضع شيء من الطيب الموجود اذا كان كافورا فهذا طيب، واذا كان حَنُوطا فهو طيب؛ لانه ليس كل بلاد يتوفر فيها هذه الاطياب، المهم ان تَفُوح منه تلك الروائح الطيبة التي تطرد عنه هذه الهوام.
المسألة السبعون : كيف يكون الكفن (كيفيّة الكفن)
تجهيز الاكفان الثلاثة
أولا: ويُستحب كذلك قبل تبخيرها ان تُرَسَّ بِمَاء الورد، حتى يثبتَ البُخُورِ فيها.
ثانيا: واستحب العلماء قبل وضع الميت عليها ان تُبَخَّرَ بالعودِ او نحوه.
ثالثا: يقول العلماء انّ ”الكفن تُبْسَطُ لفائِفُهُ الثلاث بعضها على بعض“.
رابعا: ويقول العلماء انّ ”الِلفَافَةُ الظاهرة -يعني اللفافه السّفْلِيّة- ينبغي ان تكون افضلهنَّ؛ لان الميت كان يجعل افضل ثيابه هو الظاهر الذي يراه الناس“، ونحن نَسُنُّ به سنةَ الحَيِّ.
طريقة الاسهل والمعروفة: ان يكون الميت على سرير، وتفرد الاكفان على سرير آخر، ثم يُحضر الميت من سريره الى السرير الذي فردت عليه الاكفان، ان توفرت ادوات النقل الحديثة، ولكن لو كان المكان ضيق ولا يوجد ادوات حديثة، نقول بعمل الاتي [وهي من احدى الطرق السهلة]:
خامسا: نلف الاكفان الثلاثة لفة كاملة (نرولهم) من جهة للنصف.
سادسا: نميل الميت ونضع الجزء الملفوف من الاكفان تحت الميت، من جهة، ثم نعيد الميت نائما كما كان فتصبح اللفافة تحته.
سابعا: نُمِيلُ الميت للجهة الثانية ونأخذ اللفافة ونفردها فيصبح الميت مضجع عليها وهي مفرودة كاملة تحته.
ثامنا: نقوم بتغطيته ونبدأ بالكفن العلوي لنا -وهو الذي سيكون بالداخل للميت- من الجهة اليمنى، ثم اليُسرى، وهكذا في الثلاثة اكفان، وهذه هي السُّنَّة فالقاعدة: ”نبدأ بِمَيَامِنِ الاكفان قبل مياسرها“، فنبدا بطرف اللفافة العليا -لنا- فمن الايمن ونضعَهُ على جنبه الايسر، ثم ناخذ طرف اللفافة العُليا الايسر الى جنبه الايمن وهكذا، ثم نفعل باللفافتين الاخيرتين كما فعلنا في اللفافة الاولى.
المسألة الواحدة والسبعون : العُقد التي على الكفن
هل يُعقد الميت؟
فان قلت: هل يعقد الكفن ولا ما يعقد؟
الجواب: نعم، يعقد.
كم عدد العقد على الكفن؟
فان قلت: كم عدد العقد؟
الجواب: ليس سبعا، ولا ثلاثا، ولا اثنتين، وانما يختلف باختلاف الميت، طولا وقِصَرَا، واختلاف الميت في جثته ضخامةً ونحافة؛ لان هذه العُقَد ليس يَتعبّد لله عز وجل بذاتها، وانما توضع حتى لا يَنَحَلَّ عنه الكفن فتُبِيْنُ عورته.
فاذن: اذا كانت قامت الميت طويلة، فهذا رُبَمَا تِسْع عُقَد، فمثلا: عُقدة بين كتفين، عُقْدة في اعلى بطنه، واسفل بطنه، واذا كان الميت ضخما فانه يحتاج ايضا الى عقد اكثر حتى لا ينحل عنه الكفن، واما اذا كان الميت قصيرا او طفل صغير، فانها واحد او اثنتين، وامّا من قال لا تنقص عن اثنتين، او لا تنقص عن ثلاث، فهذا لا دليل عليه.
فاذن: مسالة العقد كثرةً وقِلّةً فهذه تختلف باختلاف الميت.
شَدُّ الوِثَاقِ علي الكفن
فهل نشد الوثاق على الكفن في العُقَد؟
فنقول: بل حتى شدا ووثاقا فتختلف باختلاف اجتهاد الغاسل في قوةِ شدها، او تكرير شدها، او قرب بعضها من بعض، او تباعد بعضها من بعض، فكل ذلك متروك للغاسل.
المسألة الثانية والسبعون : اذا بقي في الكفن فضل -زيادة- من اي جهة افضل؟
فان قلتَ: وان كان في الكفن فضل فنجعله من جهه قدمه ولا رأسه افضل؟
الجواب: كُلُّ فَاضِل يُجعَلُ من جِهَةِ الفاضل، فيجعل الفاضل الزائد من جهة راسه.
المسألة الثالثة والسبعون : هل تُحَلُّ هذه العُقَد اذا انزلناه في قبره؟
فان قلتَ: وهل تُحَلُّ هذه العُقَد اذا انزلناه في قبره؟
الجواب: يجوز الامران، فيجوز ان تَحُلَّهَا، ويجوز ان تُبقِيَهَا، لعدم وجود النقل الخاص في ذلك، الّا ان العلماء قالوا: لو حُلَّت لكان افضل، لفوات المصلحة منها؛ لان العلة التي من اجلها وُضِعَت قد زالت بوضعه في لحده، فلماذا تبقى؟ لكن ان حُلّت فهو طيب، وان بقيت فليس هناك دليل يُؤَثِّمُ او يوجب علينا ان نكون في حرج.
المسألة الرابعة والسبعون : لو خرج من الميت شيء بعد تجفيفه، وإرَادَةِ وضعِهِ على اكفانه
فان قلتَ: وما الحكم لو خرج من الميت شيء بعد تجفيفه، وإرَادَةِ وضعِهِ على اكفانه؟
الجواب: يجبُ عليهم تنجيتُهُ، وتوضِئَتُهُ، ولكن أمَّا إعَادَةُ غُسْلِه فلا يَجِبُ، كالانسان الحي اذا اغتسل ثم احدث فانما يجب عليه ان يتوضا، اما الغُسْلُ فلا يلزمهم اعادته.
فان قلت: فان وضؤهُ وخرج منه شيء بشكل متكرر؟
قالوا: كذلك ننجيه ونوضِّؤهّ الى ثلاث مرات؛ لان اقل الجمع واقل الكثرة ثلاثة، فحينئذ نستعين ببعض الاشياء الطبية التي تَسُدُّ عَنّا هذا المَخْرَج، وقد كان الفقهاء في السابق يستعملون الطين الحُر فيجعلونه على المخرج حتى يَستَمْسِكُ، هذا حتى اذا كَثُرَ ذلك وبعضهم حَدَّهَا بثلاث، وبعضهم حدها بسبع، وانا نقول لا نحُدها لا بهذا ولا بهذا، وانما يُوزَعُ الى نظر المُغَسّل، فاذا راى ان الامر قد كثر عليه ولا يستطيع ان يكرر وضوءه، وانّ الامر ربما يستمر، فحينئذ يَسُدُّهُ.
فان قلتَ: وهل يجوز سَدُّهُ بالخياطات الطبية؟
الجواب: يقول العلماء انّهُ يُسَدُّ بما يُمكن سده به، فاذا احتجنا الى الخياطة الطبية ولم يستمسك حتى بهذه الاصماغ او بهذه الاشياء، فانّهُ يُخَاط، والنظر للعورةِ جائز للحاجة كالطبيب يكشف عورة المريض على قدر الالم.
المسألة الخامسة والسبعون : لو خرج من الميت شيء بعد تجفيفه، وإرَادَةِ وضعِهِ على اكفانه
فان قلت: وهل يجوز وضع التُّبَانِ على فخذيه؟
[سِروالٌ قصيرٌ يستر العورة، ويشبه في زماننا الشورت القصير أو الملابس الداخلية الساترة للعورة]
الجواب: نعم يجوز ذلك، اذا راى المغسل ان ما على الفتحةِ لا يثبت الا بذلك، فاذا وضع عليه حفاظة اكرمكم الله ثم حط عليه مثل هيئة (الكلسون او ملابس داخلية طبي)، فإذا البسه فلا حرج ولكن يُستعمل للحاجة.
المسألة السادسة والسبعون : ما الحكم في من دُفِنَ بِلا كَفَن وتوفر الكفن بعد ذلك، فهل يُنْبَشُ قبرُهُ؟
فان قلتَ: ما الحكم في من دُفِنَ بِلا كَفَن وتوفر الكفن بعد ذلك، فهل يُنْبَشُ قبرُهُ؟
الجواب: اذا كان الدفن قريبا، فلا باس بنبش قبره؛ لان ثمةَ فرض وواجب له لم نفعله، كالذي يُدْفَنُ بلا تغسيل، فانّهُ لابد من نَبْشِهِ -اي القبر- وتغسيله- اي الميت-، اذ لا بدل لذلك، والذي يُدفن بلا كفن لابد من نبشه وتكفينه.
وأمّا الذي دفن بلا صلاة: فهُنَاكَ بَدَلٌ عن نبشه وهو الصلاةُ على قبره، فللصلاةِ بَدَلٌ صحيح يكفينا من نبشه، واما التغسيل والتكفين فانه لا بدل لها.
المسألة السابعة والسبعون : هل يتكرّرُ الكفن في السِّقْطُ-، ام يكفيه ثوب واحد؟
هل يتكرّرُ الكفن في السِّقْطُ -الطفل الميت-، ام يكفيه ثوب واحد؟
الجواب: ثلاثةُ اثواب، فيُعَامَلُ الصغير كمعاملة الكبير تماما، فثلاثةُ اثواب مناسبة لجسمه.
تم بفضل الله هذا الباب